Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 الروائي زهير الهيتي يروي قصص نهب العراق

رواية "عش الجمر" بين جرائم القتل والمتاجرة بالآثار

العراق أرض الآثار العريقة (غيتي)

 يواصل الكاتب العراقي  زهير الهيتي (1957) مساره الروائي برواية رابعة له، بعنوان "عش الجمر" (دار الساقي 2020)، بعد ثلاث روايات هي على التوالي "يومي البعيد"، و"الغبار الأميركي"، و"أيام التراب" التي نال عنها الجائزة العالمية للرواية العربية للعام 2017، وروى فيها قصة غصن البان، التي تزامنت مع سقوط بغداد عام 2003، على يد الأميركيين، بعد عملية 11 سبتمبر (أيلول) من عام 2001. وتوالت أحداثها مع دخول الأميركيين العراق وما تلاه من فوضى واغتيالات تحت عناوين وحجج مختلفة، مثل اجتثاث نظام البعث، والحزبيين والمنتفعين من النظام على حد سواء. وتولت من ثم ميليشيات زرع الخوف في نفوس الغالبية العظمى من فئات الشعب، وبصورة خاصة المسيحيين المنتمين إلى سلالة أقامت مجدها أيام الملكية العراقية. وتراقب الرواية تحولات المجتمع العراقي من خلال لوحات لفنانين كبار اقتناها جد غصن البان، أحد أنصار الملكية.

بالعودة إلى حكاية الرواية "عش الجمر" المحورية، وقد وضع الكاتب تفاصيلها في أواسط التسعينيات من القرن العشرين، وفي إطار ريفي من منطقة الفرات الأوسط، وبالتحديد قرية "كيش" المتهالكة والرابضة منازلها الريفية القديمة فوق آثار تعود إلى خمسة آلاف عام. ومفادها أن معلماً يدعى زعفران حديث التخرج في دار المعلمين، ابتعث إلى الريف لثلاث سنوات، اختار الإقامة في قرية "كيش" هذه. ذلك في ظل أحداث كبرى كانت تتوالى أخبارها إلى عائلة زعفران، وهي من أصول صابئية، وتنبئ عن قرب هجوم الحلفاء الكاسح على قوات صدام حسين التي سبق أن غزت الكويت، في حينه، واعتبرت البلد محافظة عراقية، مع توالي أخبار حشد القوات الأميركية وغيرها في حفر الباطن. وبالمقابل، لا يلبث زعفران أن يتعرف إلى إطاره الريفي الجديد الذي ظنه مجالاً لتكوين ذاتيته العلمية، خارجاً عن نطاق العائلة الضاغطة بتقاليدها وديانتها الصابئية وتجارة والده عباس الزند، وصراعه المكتوم مع أخويه المتزوجين واختياراتهما المحدودة.

خبايا القرية

يقيم زعفران في منزل مخصص بالمعلمين الآتين للتعليم في القرية، إلى جوار أستاذ الفنون علي في ثانوية "النصر المؤزر" نفسها التي يدرس فيها زعفران. ولكن طارئاً يدخل إلى حياة هذا المعلم الشاب، يتمثل في ظهور طيف فتاة تدعى مارية، تطل عليه من بعيد، فجراً. ولما كان بحاجة إلى مدبرة منزل أتته حليمة المرأة الشابة والأرمل لتملأ فراغ حياته الجنسي وتكشف له عن خبايا العلاقات المحرمة في القرية القديمة والعائدة بالزمن إلى كتابة ملحمة جلجامش. وتكشف له عن سيطرة الشيخ جابر وابنه البكر ثابت على مقادير القرية، وتصرف ثابت بالنساء فيها على ما يحلو له باعتباره ابن شيخ القبيلة، بمثل تصرفه باللقى الناجمة عن التنقيب العشوائي في الآثار القديمة التي تحفل بها القرية وجوارها، وبيعها في أسواق بروكسل وألمانيا وغيرهما من الدول الغربية بالعملات الصعبة.

ولكن أخطر ما يكتشفه زعفران أن ثابت هذا كان هو الجاني الذي قتل جان ماري روشار المنقب الفرنسي الشاب، وأن هذا الأخير ترك دفتر مذكراته بالغرفة التي بات يشغلها، وفيه رسوم دالة على كنوز لا تزال دفينة في "كيش". ولما كان الزعيم ثابت على خلق الزعيم المستبد الأوحد في القرية، وطامعاً بالمزيد من اللقى الثمينة، ولا يعرف القراءة بالفرنسية ليترجم ما في مذكرات الفرنسي القتيل روشار من معلومات، خيّر ثابت الأستاذ زعفران بين أن يفك له رموز المذكرات، وبين إيذائه أو... قتله. وبالنتيجة تنتهي الرواية النهاية المأساوية، ومعها حياة الأستاذ زعفران. وقبل أن يجري ثابت حد الخنجر على عنق الصابئي نظر بوحشية نحو الجماهير التي شكلت حلقة بشرية حتى يتسنى لها الاستمتاع بالتفاصيل". ص:222.

يمكن القول، إن الرواية الجديدة للكاتب العراقي زهير الهيتي تندرج في سلسلة طويلة من الأعمال الروائية العربية التي التزم فيها كاتبوها تسليط أضوائهم الكاشفة على أحد الجوانب السلبية في المجتمع العربي الحديث والمعاصر ـ وما أكثرها - مثل الإرهاب، والتعصب، والاستعباد، وخنق الحرية الفردية، والفساد السياسي والأخلاقي وغيرها. بل أحسب أن قسماً كبيراً من الأعمال الروائية العربية يندرج في خانة الدستوبيا العربية، أي تلك الأعمال التي يرصد فيها كاتبوها "عالم الواقع المرير الذي يعيشه الإنسان العربي، والذي يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، ويتحول فيه الكائنات إلى مسوخ"، وحيث يسود التلوث والقهر والتخلف، والعبودية، والجريمة، وتسليع المرأة واستعبادها.

مظالم العراق

وتكفي نظرة قريبة إلى الأعمال الروائية العراقية المعاصرة، والصادرة أواخر القرن العشرين، وفي العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، ليقع القارئ على روايات لكل من جنان جاسم حلاوي "يا كوكتي"، وعالية ممدوح "حبات النفتالين" و"الغلامة"، وزهير الجزائري "حافة القيامة" و"الخائف والمخيف"، وسنان أنطون "يا مريم"، ومحمود سعيد "زنقة بن بركة"، وغيرها، لنستدل على إلحاح مآسي العراق، والمظالم اللاحقة بالأقليات فيه (الأيزيدية، ثم الآشوريون والسريان، والصابئة المؤمنون بنبوة يوحنا المعمداني)، وانتهاء بمظلومية المرأة التي وإن لم تبع في سوق النخاسة، مسبية على يد عصابات داعش، فإن كرامتها كإنسانة أضحت مهدورة، ومرمية على قارعة الطريق، تهرسها الشاحنات، ولا أحد يبالي بلحمها ولا بكيانها الذي أنجبت منه بنين وبنات كثيرات للشيخ جابر. أعني ما أصاب الحجية بدرية، وما أصاب مارية التي اغتصبها جدها وأبقاها رهينة اغتصابه لها، هي ومن ولد من سفاح القربى، وما أصاب كل نساء قرية كيش "الخاضعات لسلطان الخوف والصمت ونظام الاستبداد البدائي الأول، نظام العشيرة والأقوى فيها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يكتفي الكاتب العراقي زهير الهيتي بتسليط الضوء الساطع على النساء العراقيات الضحايا فحسب، بل يشمل بأضوائه أيضاً فئة ربما لم تسبق الإشارة إليها في روايات عراقية أخرى - على حد علمي - هي فئة الصابئة في العراق "أحد الأديان التوحيدية القديمة جداً وذات الكتب الداعية إلى الصلاة والصوم والصدقة"، المسالمة جداً، والتي ركن أفرادها إلى أعمال التجارة وصوغ الذهب وغيرهما من المهن. فهذا عباس الزند، والد زعفران، بلغ بتجارة الذهب مراده، ومكّن صلته بأركان النظام، وبكل تاجر لقي أثرية في أرض الرافدين، ومنهم الشيخ جابر وابنه ثابت، على ما انكشف لزعفران قبيل مقتله.

 ينجح الكاتب الهيتي في تشكيل الفضاء الروائي، وإدارة السيناريوهات بين مختلف فصول الرواية وحبكتها القصصية المطردة توتراً ورعباً، بدءاً بحلول زعفران أستاذاً راغباً في تكوين ذاته خارج إطار مجتمعه الصابئي المنغلق نوعاً ما، ومروراً بتحرره الجنسي، وصولاً إلى مقتله على يد ثابت. ذلك وسط إطار تاريخي على قاب قوسين من الانفجار، عنيت دخول القوات الأجنبية إلى الكويت والقضاء على جيش صدام حسين الذي غزا به الكويت، وسقوط النظام البعثي أو انهيار منظومة الفساد الذي كان يحميه، وانفلات العنف والثأر من عقالهما، وبلا حساب.

بالطبع، ليست الرواية وثيقة سياسية فحسب، بل هي أيضاً  ذات أساليب ونسيج سردي من وصف وحوار بالفصحى، تجنيباً للقارئ العربي من تباينات اللهجات المحلية العراقية.

ولكن هل تحدثت عن قضية أثارها الروائي، وسبق للعديد من الكتّاب، في الآونة الأخيرة أن تحدثوا عنها، عنيت سرقة الآثار التي تعج بها أراضي الفرات، ومنها بلدة كيش، وتعج بها بلدان الهلال الخصيب، والدول العربية كافة، والتي راحت تعتاش منها داعش وأخواتها في كل من سوريا والعراق. وكانت فئات غير معروفة تنهب منها، قبل ذلك، وعبر شبكات الفساد السرية التي تصل فروعها إلى رأس الهرم في سلطات البلاد، ومن دون أن يعني لها انتماؤها ولا وطنيتها سوى أثمان النفائس المباعة بالعملات الصعبة؟ 

المزيد من ثقافة