Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تداعيات اندلاع الحرب بين أديس أبابا والتيغراي

الجيش الإثيوبي ليس في أفضل حالاته بعد انشقاق الأقلية عنه

إزاحة قومية التيغراي من مفاصل الدولة وراء المواجهات المسلحة بين القوميات الإثيوبية وجيش البلاد (أ ف ب)

تواجه إثيوبيا حالياً منعطفاً خطيراً ومؤثراً في استقرارها السياسي وقدرتها على استمرار الصيغة الفيدرالية الحاكمة للعلاقات بين القوميات الإثيوبية المختلفة بعد اندلاع مواجهات مسلحة واسعة النطاق بين الجيش الفيدرالي وقومية التيغراي، التي أسفرت عن انشقاق في الجيش الإثيوبي، وانتباه من المجتمع الدولي والنطاق الإقليمي لخطورة هذه المواجهات وتداعياتها، ليس فحسب على استمرار إثيوبيا كدولة موحدة، ولكن أيضاً على استقرار جوارها الإقليمي، خصوصاً في إرتيريا والسودان، حيث تتداخل القوميات مع الأولى، والحدود مع الثانية. ومع تصاعد التوتر الراهن ومخاطره تبدو الأسئلة مشروعة عن الأسباب الكامنة وراء الحالة الراهنة وتداعياتها، والسيناريوهات المتوقعة بشأنها.

وعلى الرغم من أنه من الشائع في معظم التحليلات أن الأزمة بسبب تأجيل الانتخابات العامة، فإن هناك تقديراً يذهب إلى أن التفاعلات الأساسية المسببة لها هي نتيجة طبيعية لعمليات الإزاحة المنتظمة التي قام بها آبي أحمد لعناصر من قومية التيغراي في مفاصل الدولة على فترات متباعدة نسبياً خلال العامين الماضيين، خصوصاً أنها ظلت مسيطرة على الحكم في إثيوبيا لما يزيد على 20 عاماً، على الرغم من ضعف تمثيلها السكاني في مجمل عدد السكان؛ إذ لا تتجاوز ستة في المئة.

ولعل أهم مظاهر التوتر بين آبي أحمد والتيغراي قبل إعلان الأول عن تأجيل الانتخابات هي محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإثيوبي في يونيو (حزيران) 2018، التي تورط فيها قادة رفيعو المستوى بجهاز المخابرات الإثيوبي، طبقاً لما كشف عنه النائب العام الإثيوبي بيرهانو تسيجاي في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، كما أزاح آبي أحمد تحت مظلة مكافحة الفساد في التوريدات الخاصة بسد النهضة الكثير من جنرالات الجيش الذين ينتمون إلى قومية التيغراي، بينما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي تعيينه قائداً جديداً على الجيش بالقيادة الشمالية الموجودة في إقليم التقراي، أهم فرق الجيش الإثيوبي، ولكن تمت إعادة القائد المعين من آبي أحمد إلى أديس أبابا بطائرته، وعين حاكم التيغراي المنتخب "برصيون" قائداً من التيغراي على الجيش الإقليمي.

ولعل السبب الثاني في بلورة الأزمة بين التيغراي والسلطة الفيدرالية، هي المخاوف المترتبة على مشروع آبي أحمد السياسي، الذي أعلنه في نوفمبر 2019 بتكوين حزب جديد اسمه "حزب الازدهار"، لا يقوم على المحاصصة العرقية التي تم إقرارها في المادة 39 من الدستور الإثيوبي. وقد تجاوزت هذه المخاوف قومية التيغراي إلى قومية الأورومو، التي ينتمي إليها رئيس الوزراء الإثيوبي أيضاً، ولكن يبدو أن إقدام التيغراي على خطوة تنفيذ الانتخابات يعود إلى وحدتهم في هذا الموقف، حيث سجل الحضور الانتخابي بالإقليم 98 في المئة. كما تتميز التيغراي أيضاً بامتلاك نخبها خبرات متراكمة في ممارسة السياسة عبر آلياتها المتعددة.

في هذا السياق، لا تبدو هناك أي مؤشرات لتراجع مستويات التوتر في الأفق بين الطرفين؛ ذلك أن زعيم إقليم تيغراي ديبريتسيون جيبريمايكل، صرح بأنه لا إمكانية لتراجع الإقليم عما سماه "الحق في تقرير المصير والحكم الذاتي"، بعد استعراض للقوة المسلحة قامت به قوات الأمن الإقليمية التابعة للتيغراي خلال مسيرة عسكرية في ميكلي، عاصمة الإقليم، وغيرها من المدن الرئيسة، وفي وقت لاحق هاجمت الجيش الفيدرالي في عدد من المواقع، ما دفع باتخاذ قرار الرد العسكري من جانب آبي أحمد على الرغم من استبعاده لذلك في أوقات سابقة. فما الأسباب الكامنة وراء تدهور الموقف؟

القمع وغياب إرادة التفاوض

واتخذ رئيس الوزراء الإثيوبي بعض الخطوات التي اعتبرها منتقدوه لا تعبر عن الخبرات المطلوبة للاحتواء السياسي لقومية التيغراي، فمثلاً رفض التفاوض مع وفد من 52 شخصاً من رموزهم قدموا إلى أديس أبابا في يونيو (حزيران) الماضي للتفاوض معه، وهو ما نتج عنه إجراء انتخابات منفصلة للإقليم لم يعترف بها المجلس الدستوري الفيدرالي، كما أقدم على تجميد نصيب إقليم التيغراي في الموازنة العامة، وهو ما يؤثر بقوة في ميزانية الإقليم. ولجأ أيضاً  إلى إجراءات  وصفت بالقمعية  في محاولة لتطويق تفاقم الأزمة وتصاعد قدرات التيغراي في المواجهة، وذلك من دون اعتبار أن مثل هذا الخيار يعرض إثيوبيا إلى حرب أهلية واسعة النطاق لها امتدادات إقليمية على اعتبار أن قومية التيغراي، التي تقع شمال إثيوبيا لها امتدادات كبيرة ومؤثرة في إرتيريا، وعلى الأرجح لن يكون مسموحاً لآبي أحمد بمجرد اختبار هذا الاختيار من العواصم الإقليمية والعالمية المتحالفة مع إثيوبيا. ولعل ذلك ما جعله يعلن أن التيغراي هم من قاموا بالاعتداء على الجيش الإثيوبي، وهو أمر محل جدل داخلي حالياً، ولم تثبت صحته بعد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصاعد التوتر مع إقليم أوروميا

في سياق مُوازٍ، تصاعدت أزمة آبي أحمد مع إقليم أوروميا؛ حيث رفضت قوى المعارضة فيه بزعامة منافسه الانتخابي جوهر محمد، مبدأ تأجيل الانتخابات، وتم مقتل مطرب مشهور هو "هاتشالوا هوندسيا" انحاز إلى هذا الموقف السياسي، ما أسفر عن مواجهات بين القوات المسلحة لمقاتلي جبهة تحرير أوروميا والقوات الحكومية، حيث اجتاحت الاحتجاجات معظم منطقة أوروميا، وتم إحراق العديد من الشركات والمتاجر أو نهبها. ووقع  178شخصاً ضحايا لهذه الأحداث، وفرض حظر تجول وإغلاق كامل للإنترنت. كما تم فصل أكثر من 1700 مسؤول محلي وموظف حكومي، بينهم ليما ميجرسا، وزير الدفاع، الذي لعب دوراً محورياً في صعود رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة، ومن هنا يبدو أن حجم الرفض لآبي أحمد اتسع ليشمل أجزاءً واسعة من إثيوبيا، خصوصاً أن أوروميا هي الوزن السكاني الأكبر بين القوميات الإثيوبية.

في هذا السياق، يبدو أن آبي أحمد لا يجد سنداً دولياً مناسباً له في هذه الأزمة المستحكمة على الرغم من الحماس الغربي له في بداية توليه الحكم قبل عامين تقريباً لدرجة حصوله على جائزة نوبل للسلام. ويرجع عدم الإسناد الغربي لرئيس الوزراء الإثيوبي حالياً في بعض التقديرات لسببين: الأول أن واشنطن مارست سياسات عقابية ضد أديس أبابا، بتجميد مساعدات اقتصادية لإثيوبيا كانت مقررة بسبب موقفها المتعنت في مباحثات سد النهضة، وعلى الرغم من أن القيمة الفعلية لهذه المساعدات على المستوى الاقتصادي تبدو هزيلة، ولكنها تحمل قيمة رمزية كبيرة.

أما السبب الثاني فهو عمق الشرخ السياسي الذي سببته أزمة تأجيل الانتحابات بين القوميات الإثيوبية، وهي التي لم تحظَ مطلقاً بتطورات مماثلة لبعضها البعض على المستوى التاريخي، كما لا تمارس أبداً أفعال الاندماج الوطني في المناطق البعيدة عن العاصمة حتى على المستوى الاجتماعي، ولعل هذه الحالة هي التي جعلت إمكانية انفصال أي إقليم عن الدولة محمياً بالدستور. وعلى ذلك، فإن الاهتمام الدولي بالمجريات الإثيوبية ينحصر حتى الآن في الكونغرس الأميركي الذي يدعو بعض أعضائه لبلورة مبادرات لتهدئة الأوضاع في إثيوبيا.

التدخل الدولي والإقليمي في الأزمة

إجمالاً، يبدو الهيكل الفيدرالي الإثيوبي محل نزاع بين أطرافه، ولا صيغ مطروحة لاستقراره حتى اللحظة الراهنة، وهو ما يفتح الباب لسيناريوهين؛ يبدو الأول مرجحاً، وهو تدخل أفريقي مدعوم دولياً، خصوصاً من واشنطن، لإنقاذ الموقف وإيجاد تفاهمات سياسية بين أطراف الهيكل الفيدرالي لاستمراره على أسس جديدة، وهي الترتيبات التي لا بد أن تفضي إلى إجراء الانتخابات، خصوصاً أن وباء كورونا لم يسفر عن أعداد كبيرة من الوفيات في إثيوبيا كما هو الحال في كل أفريقيا، لا سيما أن قرار تأجيل الانتخابات العامة، تم بسبب ضعف الوزن الانتخابي الضعيف لآبي أحمد نفسه، لكن هذا الخيار يبدو بمثابة الانتحار السياسي للرجل؛ ذلك أن الإجراءات القمعية التي قامت بها حكومته خلال العام الماضي ضد معظم القوميات أسفرت عن تفاقم الأوضاع السياسية، وزيادة حجم الرفض له، ولكن هذا السيناريو سيكون أول ضحاياه آبي أحمد نفسه، نظراً لممارسته القمعية ومحاولته تجاوز نظام الفيدرالية العرقية نحو محاولة بلورة اندماج وطني، وهو خيار لا تبدو إثيوبيا مؤهلة له حتى اللحظة الراهنة.

أما السيناريو الثاني فهو التدخل الدولي على مرحلتين؛ الأولى وقف المواجهات المسلحة في ضوء إدراك عام أن إثيوبيا قد تكون معرضة للتفكك لدولة، لا سيما أن الجيش الإثيوبي ليس في أفضل حالاته على المستوى الداخلي بعد عمليات الإقصاء التي تمت داخله على أساس عرقي، أو بسبب المواجهات الداخلية التي خاضها اعتباراً من عام 2015، وأثرت في معادلاته الداخلية، وهو ما وضح جلياً مع انشقاق التيغراي عنه.

في هذا السياق، فإن الأمين العام للأمم المتحدة دعا إلى وقف المواجهات المسلحة بين الأطراف في إثيوبيا ودعم المجهودات الإصلاحية، وهو موقف عبرت عنه أيضاً السفارة الأميركية بأديس أبابا، أما المرحلة الثانية فستتعلق بالنظر في الصيغة الحاكمة للفيدرالية الإثيوبية ومدى صلاحيتها للاستمرار، وهذه مهمة ستكون ملقاة غالباً على عاتق مراكز الأبحاث الأميركية، وإن كان من الضروري بحثها على المستوى الإقليمي أيضاً في ضوء تداعياتها الخطرة على الإقليم.

المزيد من تحلیل