Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تشتعل المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا؟

تستخدم أديس أبابا "ميليشيات الشفتة" للإغارة على أراضٍ خصبة بالخرطوم وتوفر لهم دعماً لوجيستياً للزراعة فيها

السودان اتهم إثيوبيا بدعم تعديات "ميليشيات الشفتة" على الحدود وتعهد بالردع (أ. ف. ب.)

فقدان عناصر من الجيش السوداني على الحدود المشتركة مع إِثيوبيا خبرٌ ليس بجديد، ولكن الجديد هو أن يتهم الناطق باسم القوات المسلحة السودانية الجيش الإِثيوبي بدعم "عصابات الشفتة"، وهي عصابات إثيوبية تقوم بمهمات الإغارة على مناطق المزارعين السودانيين على الحدود المشتركة بين البلدين موسمياً، وتحمي المزارعين الإثيوبيين المستولين على أراضٍ سودانية.

فما هي قصة هذه العصابات؟ وهل صحيح أنها أداة في يد قومية الأمهرا الإثيوبية التي تضررت من اتفاقية عام 1902 بين السودان وإثيوبيا، التي حصل فيها تبادل للأراضي بين البلدين جاء لصالح قومية التيجراي على حساب مصالح الأمهرا؟ أم أن هذا التوتر بين الخرطوم وأديس بابا هو انعكاس لتفاعلات سد النهضة، حيث يحاول السودان أن يبلور مصالحه الاستراتيجية في هذا الملف، وهو ما يتطلب موضوعياً مسافةً ما مع إثيوبيا، لم يحققها نظام الرئيس السابق عمر البشير حين ضرب عرض الحائط بحقيقة أن السودان دولة ممر ومصب لنهر النيل، وأن لها حصة مائية من هذا النهر تصل لـ18 مليار متر مكعب من المياه، هي احتياجات الشعب السوداني، خصوصاً في ظروف التصحر وتغير المناخ الذي يضرب أفريقيا بوجه عام.


تعثر المباحثات

الشواهد المبدئية تشير إلى أن إغارة عصابات الشفتة الإِثيوبية أتت غداة تقرير من وزارة الري السودانية لنظيرتها المصرية جاء فيه، أن المباحثات المبدئية مع الجانب الإثيوبي لم تحرز تقدماً. وأضاف التقرير أن وزير الري الإثيوبي يرفض الالتزام بمعطيات مسار واشنطن، ولكن طبقاً لبيان وزارة الري السودانية فإن وزير الري الإثيوبي اهتم بإعادة طرح إعلان مبادئ 2015، خصوصاً المادة الخامسة منه، المتعلقة بقواعد الملء والتشغيل لسد النهضة فقط. الأمر الذي يعني عدم الرغبة في إحراز تقدم واقعي، والوصول إلى اتفاق شامل بين الأطراف الثلاثة، مصر والسودان وإثيوبيا، بشأن سد النهضة، ومعاودة العمل بالمنهج الإثيوبي التقليدي في عدم حسم الخلافات واستخدام عنصر الوقت حتى يتم الوصول إلى موعد الملء الأول لسد النهضة من دون اتفاق، وهو ما يدشن وزناً إقليمياً إضافياً لإثيوبيا. ويبدو أن الموقف السوداني الواضح في بيان وزارة الري يحمل دلالات وأبعاداً مهمة منها:

أولاً: أن الجانب السوداني تخلى عن موقفه كوسيط بين الطرفين المصري والإِثيوبي، وفتح الملفات الخاصة به مع إثيوبيا، المتعلقة بضرورة ضمان عنصر أمان السد وعدم إضراره بالسودان تحت مظلة اتفاق واشنطن، الذي يلبي المصالح السودانية.

ثانياً: بحث السودان مسألة ضمان حصته المائية، بعدما تخلت إثيوبيا عن خطابها المعلن سابقاً بأن سد النهضة هو مجرد سد لاستخدام طاقة الماء وتوليد الكهرباء. وأعلنت أديس أبابا أخيراً عن رغبتها في الاحتفاظ بحصة مائية من تدفقات النهر، وفتحت ملف اتفاقية عنتيبي، التي ترفضها كل من مصر والسودان لأنها لا تعترف بحقهما في مياه نهر النيل.

ثالثاً: الانتباه سودانياً إلى طبيعة الموقف الإثيوبي الحقيقي، الذي يفتح الباب أمام إمكانية التعامل مع الماء باعتباره مورداً قابلاً للبيع في ضوء ندرته، واحتياج كل من أفريقيا ودول الخليج له، وهي محاولة سبق أن طرحتها إثيوبيا عام 2007 في أروقة الأمم المتحدة، ولكن تم إحباطها من جانب مصر.

وطبقاً لهذه المعطيات يكون من الطبيعي أن تلوّح إثيوبيا بقدرتها على الردع بوجه جارها السودان، الذي يعاني حالياً هشاشة أمنية غير مسبوقة نتيجة عوامل عدة متداخلة، ليس أقلها أن أطراف البلاد تخضع لسيطرة حركات مسلحة لم تنجز اتفاقاً للسلام مع المركز في الخرطوم بعد. وهذه الحركات، وبغضّ النظر عن الأسباب، هي التي أنهكت القوات المسلحة السودانية عسكرياً، بينما تعاني هذه القوات أيضاً على المستوى الداخلي من انتماء بعض عناصرها للجبهة القومية الإسلامية الداعم الرئيس لنظام البشير على مدى ثلاثة عقود.

منطقة الصراع بين السودان وإثيوبيا هي منطقة الفشقة، التي تقع أقصى شرق السودان، وتُعد شبه جزيرة، حيث يحيطها نهرا العطبرة وسيتيت، وهي إحدى المحليات الخمس لولاية القضارف السودانية التي تضم مليوناً و250 ألف فدان، يتم زراعتها بمحاصيل ذات قيمة نقدية عالية، مثل السمسم والصمغ والحبوب الزيتية.

وتُقسم الفشقة إلى ثلاث مناطق هي الفشقة الكبرى، التي تضم 750 ألف فدان من منطقة سيتيت حتى باسلام، ويزرعها السودانيون والإثيوبيون مناصفةً تقريباً. والفشقة الصغرى، التي تضم نصف مليون فدان من باسلام حتى قلابات، لا تتجاوز حصة السودانيين فيها 63 ألف فدان. بينما يستثمر الإثيوبيون 410 آلاف فدان. والمنطقة الجنوبية التي تشمل مدن القلابات وتايا حتى جبل دقلاش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ترسيم الحدود

بدأ ترسيم الحدود بين البلدين عام 1902، بـ"اتفاقية أديس أبابا" بين بريطانيا والإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني، حيث عاودت إثيوبيا الاعتراف بها عام 1972 في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي والرئيس السوداني السابق جعفر نميري، كما تم الترسيم بالفعل بين البلدين عام 2013، وتشكلت لجنة مشتركة بين البلدين عام 2018 لحماية الحدود من عمليات الميليشيات، والتي كان يُفترض أن تعقد اجتماعها الثاني قبيل الهجوم الإثيوبي الأخير على الأراضي السودانية.

والوجود الإثيوبي في منطقة الفشقة ممتد منذ عام 1960، وذلك باستيلاء مزارعين إثيوبيين على بعض المزارع. ثم ارتفعت الوتيرة عام 1983 من دون أن يكون هناك حصر دقيق لما جرت السيطرة عليه. وفي عام 1995، استولى الإثيوبيون على 48 ألف فدان تقريباً، ثم تمددوا على مساحات غير محصورة في منطقة صعيد القضارف، وحالياً يزرع الإثيوبيون داخل حظيرة الدندر. وهي محمية طبيعية سودانية في ولايات سنار والقضارف والنيل الأزرق. واهتمت السلطات الإثيوبية بإنشاء قنصلية في الفشقة، على خلفية أنها قريبة من مناطق سد النهضة، حيث روّجت لفكرته في أوساط السودانيين هناك، خصوصاً الأجيال الجديدة.


ميليشيات شرسة

هذه العمليات المتعاقبة من الاستيلاء على الأراضي السودانية تمّت على يد ميليشيات مسلحة تسمى "الشفتة"، ينتمي أبناؤها إلى قبيلة حدودية تُسمى "ولغايت"، أي شذاذ الآفاق وتشتهر بالشراسة. كما أن لها وجوداً تاريخياً في المنطقة حيث تعتبر الأراضي الخصبة بمثابة "حواكيرها"، أي ملكيتها القبلية.

وتقوم هذه العصابات عادة بإملاء طلباتها على أعيان القرى من السودانيين بعدم الزراعة في مناطقهم، وفي حال عدم الامتثال لهذه الأوامر، يمارسون ضدهم عمليات ترهيب، فيصادرون المحاصيل أو يحرقونها ويهدمون المنازل، فيلجأ السودانيون إلى الهجرة من أراضيهم، ليتم استبدالهم بمزارعين إثيوبيين من قومية الأمهرا، توفر لهم الحكومة الإثيوبية جميع الخدمات اللوجيستية المطلوبة من ماء وكهرباء، بما فيها المعاملات المتعلقة بالبيع والشراء للأراضي.

وتملك ميليشيات الشفتة على المستوى السياسي علاقة عضوية بحركة أمهرا الديمقراطية، الحزب الحاكم في ولاية أمهرة، المتاخمة للحدود الشرقية السودانية عند ولاية القضارف، التي تَعتبر أن منطقة الفشقة، إثيوبية. إذ انتقدت في بيان أصدرته في أغسطس (آب) 2018، الحكومة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد لتوقيعه اتفاقاً مع السودان بتكوين لجنة لمراقبة الحدود، يسمح بنشر قوات عسكرية مشتركة عبر الحدود.

وطبقاً لهذا المشهد تبدو عصابات الشفتة آلية جاهزة للاستخدام من جانب إثيوبيا، في الضغط على السودان. وعلى الرغم من إنكار بيان وكالة الأنباء الإثيوبية لعلاقة الدعم المنسوبة إلى أديس أبابا لعصابات الشفتة، فإن حماية السلطات الإثيوبية لها أمر مثبت. ومع لجوء هذه العصابات إلى الأراضي الإثيوبية لدى مطاردتها من السودانيين، كما جرى في الحوادث الحدودية التي جرت في مارس (آذار) الماضي، لا تقوم السلطات الإِثيوبية بملاحقة الشفتة. كما أنها ساندت هذه العصابات طبقاً لبيان الجيش السوداني في هجومها الأخير على منطقة بركة نورين بقذائف الهاون تحت مظلة توغل قوات الجيش الإثيوبي داخل الأراضي السودانية لمسافة 15 كيلومتراً.

ويبدو أن ذلك ما دفع الخارجية السودانية إلى إصدار بيان يدعو إثيوبيا إلى عدم التوغل في الأراضي والحقوق السودانية، جاء فيه، إن السودان جاهز للردع. وذلك في رسالة مماثلة لما أصدره ممثل مجلس السيادة السوداني، فضلاً عن تصريحات حادة لمنتسبي الجيش السوداني، قالوا فيها، إن الموقف الإثيوبي تحت الاختبار.
وتصاعد التوتر بين إثيوبيا والسودان، يشي بسيناريوهين محتملين؛ الأول هو الاحتواء، نظراً إلى ظروف البلدين، ولكن بشروط حددها السودان بأنها احترام سيادته على أراضيه، خصوصاً أن الاتفاق المعقود بين البشير والإثيوبيين بإطلاق يدهم في الفشقة، مقابل ملاحقة العناصر المعارضة لنظامه، انتهى.

ولعل هذا ما يفسر فاعلية الدور الإثيوبي مع التحالف الثوري السوداني "قحت"، حيث احتاجت أديس أبابا إلى استمرار هذه المعادلة، لكن تحت مظلة الحكام الجدد للخرطوم الذين كانوا سابقاً مستهدَفين بالمطاردة الإثيوبية.

أما السيناريو الثاني فهو عدم استجابة إثيوبيا للموقف السوداني الرافض للاعتداء على أراضيه، أو الضغط عليه في ملف سد النهضة، ومن ثم عدم اتخاذ إثيوبيا إجراءات فعلية محسوسة تتخلى فيها عن استعمال عصابات الشفتة للضغط على السودان، خصوصاً أنها على أعتاب انتخابات عامة تتسم بالتعقيد تحت مظلة تجاذبات عرقية وسياسية داخلية. وهو ما يجعل أديس أبابا تحتاج ربما إلى توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة تحديات خارجية، ما قد يفتح الباب أمام أطراف إقليمية للتدخل على خلفية معطيات عدة مطروحة في منطقة القرن الأفريقي، منها تفاعلات الانقسام العربي في كل من الصومال وإريتريا وجيبوتي، وتعقد ملف سد النهضة، والعلاقات الإثيوبية - الإريترية الملتبسة.

 وبطبيعة الحال، فإن هذه المعطيات قد تفتح الباب واسعاً أمام صراع عسكري ممتد على وتيرة الحرب الإثيوبية - الإريترية التي جرت في بداية الألفية، بما يعرض كل من السودان وإثيوبيا إلى مخاطر مفتوحة لا يرجوها أحد.

المزيد من تحلیل