Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأسد يهرب بأزمته نحو اقتصاد لبنان المتدهور

رفض النظام الحل السياسي أخرج الأموال السورية المعارضة والموالية

لم يجد رئيس النظام السوري بشار الأسد حجة، سوى إلقاء اللوم على الأزمة الاقتصادية المالية في لبنان، من أجل تبرير الأزمة المعيشية التي يعيشها السوريون بقسوة لم يسبق لهم أن خبروها، فوق فصول القتل والدمار والنزوح والتهجير القسري والقمع الذي عانوه على مدى أكثر من 9 سنوات.

فالفيديو المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي للأسد يشرح فيه لعدد من المواطنين في معرض للمنتجات السورية بدمشق، وبقربه زوجته أسماء، أسباب الشح في المواد الغذائية والمواد الحيوية الأساسية التي استفحل فقدانها في سوريا، خاصة في مناطق سيطرة النظام، استدرج تعليقات ساخرة من السوريين.

فرئيس النظام اعتبر أن الضائقة الاقتصادية التي يعيشها السوريون تعود إلى "الأموال اللي أخدوها وحطوها في لبنان، ودفعنا الثمن، وهذا هو جوهر المشكلة اللي ما حداً بيحكي فيه". ولفت إلى أن "الأعباء الاقتصادية الحالية ليس سببها قانون قيصر. الأزمة الحالية بدأت قبل القانون، وبدأت بعد الحصار بسنوات".

وقال إن "الأموال التي ذهبت يقولون بالحد الأدنى إنها كانت بحدود 20 مليار دولار، وبالحد الأعلى 42 مليار دولار، ولا نعرف الرقم الحقيقي، وهذا الرقم بالنسبة لاقتصاد مثل اقتصادنا رقم مخيف".

وكان يشير بذلك إلى تجميد صرف الودائع في لبنان نتيجة تبخرها وإنفاقها من قبل مصرف لبنان المركزي والحكومة اللبنانية على تسديد الديون وزيادة الاستدانة لتنفيذ مشاريع شابها الهدر الفساد والسرقة، إلخ.

خلفيات الأزمة وقانون "قيصر" والأرقام المضخمة

أبسط ردود الفعل على كلام الأسد كان الاستغراب، لأنه يقفز فوق خلفيات الصعوبات الاقتصادية في بلده، والتي يقف نظامه وراءها، أي الحرب في سوريا، والتي بين ما دمرته الاقتصاد السوري، ما أدى إلى سقوط قيمة العملة في شكل دراماتيكي، فضلاً عن تسبب نهجه في التعاطي مع السوريين وتهجير أكثر من 10 ملايين منهم، إلى فرض عقوبات أممية وأميركية على تعاملاته المالية مع الخارج نتيجة رفضه الحل السياسي وفق القرار الدولي رقم 2254 الصادر عام 2012 عن مجلس الأمن، وآخرها قانون "قيصر" الأميركي على المتعاملين مع النظام.

وبات الأسد أمام تحدي الإجابة أمام السوريين الذين شاعت على مواقع التواصل الاجتماعي صور وقوفهم بالطوابير التي تمتد مئات الأمتار من أجل الحصول على الرغيف، أو على جرة غاز، أو تعبئة سياراتهم بكمية محدودة ومقننة من البنزين لا تكفيهم بضعة أيام للتنقل داخل المدينة التي يقطنونها.

هذه المظاهر تسود في مناطق سيطرته وفي دمشق واللاذقية وطرطوس مثلاً. فلا المساعدات الموعودة من قبل الدولتين الحليفتين للنظام، روسيا وإيران، كانت كافية لمعالجة المأزق الاقتصادي داخل سوريا، على الرغم من امتيازات منحها النظام لكل من الدولتين، ولا التسريبات عن انفتاح موعود على بعض الدول الغربية والعربية تحقق منها شيء، بسبب استمرار التباعد السياسي بين دمشق وبين هذه الدول التي تقنن أي انفتاح وفقاً لمصالحها في إطار الصراع الإقليمي الدائر حول سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي وقت يقول فيه مصرفيون لبنانيون إن الأرقام التي أوردها الأسد مضخمة لتبرير عجز نظامه عن تلبية أبسط الحاجات للشعب السوري المنكوب، فإنهم يشيرون إلى أن ودائع السوريين في لبنان لا تتجاوز 7 مليارات، وأنه يخلط بين أموال السوريين الذين غادروا بلدهم منذ عشرات السنين واستقروا في لبنان واندمجوا في اقتصاده وحازوا الجنسية اللبنانية، وبين أولئك الذين أودعوا أموالهم في العقد الأخير.

الرساميل هجرت سوريا إلى دول عدة

لم يُعطِ الأسد جواباً عن سبب نزوح أموال من سوريا إلى المصارف اللبنانية قبل اندلاع الثورة في سوريا منتصف مارس (آذار) 2011، وبعدها. وما دور ممارسات النظام والمنظومة الحاكمة في تهريب عديد من السوريين أموالهم إلى الخارج، وليس فحسب إلى لبنان؟ لكنه حصر الحديث بالبلد الجار؛ لأن القطاع المصرفي اللبناني كان ملاذاً آمناً لرؤوس الأموال السورية، لأسباب عدة مختلفة.

فهناك رؤوس الأموال الهاربة من سطوة النظام وتشبيح بعض مخابراته التي تفرض الخوات والشراكة مع أصحاب المشاريع، لانعدام الثقة بثبات الوضع الداخلي، وتلك التي أدى اندلاع الثورة ومواجهتها بالعنف إلى خروجها من النظام المصرفي السوري خشية انهياره، أو لتمويل إقامة آلاف العائلات السورية الميسورة أو المتوسطة الحال، التي غادرت البلد لأسباب أمنية منذ 2011، سواء كانوا معارضين أو موالين للنظام.

وهناك رساميل رجال الأعمال المحيطين بالنظام نفسه ويشكلون واجهة مالية له، وبعضهم من أغنياء الحرب الذين كسبوا ثروات من امتيازات الاستثمار والتهريب حصلوا عليها بحكم ولائهم للأسد والعائلة، أودعوا أموالهم في مدن عربية عدة، أو في أوروبا الشرقية، منها بيروت، حيث استخدموها من أجل استيراد بضائع وسلع إلى سوريا، لتجنب العقوبات الأوروبية والأميركية المفروضة على النظام والمتعاملين معه. وهي عقوبات ازدادت تشدداً مع بدء تطبيق قانون "قيصر" في يونيو (حزيران) من العام الحالي.

ومن الأمثلة عن رؤوس الأموال الموجودة في الخارج المبالغ الهائلة لابن خال الأسد رامي مخلوف الذي من بين أهداف توظيفها في الخارج، إضافة إلى الاستثمار المربح (دبي، موسكو، بلغاريا...) تفادي إجباره على مقاسمة ما جناه في سوريا من قبل مركز القوة الجديد في السلطة الذي تمحور حول زوجة الأسد أسماء وأقاربها؛ ما سبب خلافاً بينه وبين الأسد أدى إلى مصادرة أموال وأملاك وشركات له في سوريا أبرزها شركة "سيرياتيل" للهاتف الجوال.

رد "الاشتراكي": وقف تهريب المواد المدعومة

كان من الطبيعي أن يلقى كلام الأسد ردود فعل لبنانية، إضافة إلى التعليقات السورية المستغربة، نظراً إلى أن تحول بيروت المسرب الرئيس للالتفاف على العقوبات واستخدامها منصة لتمويل جزء من احتياجات سوريا، مستفيداً من نفوذ "حزب الله"، أسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان، وكان سبباً لتراجع السيولة بالدولار الأميركي في الأسواق المالية والنقدية اللبنانية، خاصة عام 2019.

فقد أصدر "الحزب التقدمي الاشتراكي" الذي يتزعمه النائب السابق وليد جنبلاط المعارض بشدة لنظام الأسد، بياناً غداة توزيع فيديو الرئيس السوري اعتبر فيه أن الأخير "مُصر على الإمعان في استنزاف لبنان واقتصاده وإنهاكه".

ووصف كلامه "عن أن المصارف اللبنانية هي التي تسبب الأزمة الاقتصادية في سوريا لاحتجازها ودائع السوريين، بالوقاحة الصلفة، والتمادي في محاولة إغراق لبنان أكثر فأكثر مع غرق النظام السوري". وأشار "الاشتراكي" إلى أن الودائع المصرفية في لبنان على اختلاف جنسيات مودعيها، أصابها مصير واحد، ولم يكن هناك تمييز بين مودع وآخر.

وكان لجوء المودعين السوريين إلى المصارف اللبنانية للاستفادة من تقديماتها، ولم يكن ليحصل ذلك لولا أن بقاء ودائعهم في سوريا يعني أنها "عرضة للابتزاز والمحاصصة". وأوضح البيان أن كلام الأسد "يؤكد وجود مخطط واضح لضرب النظام المصرفي اللبناني، وتبرير وتشجيع التهريب من لبنان طمعا بالعملة الصعبة المدعومة لبنانياً، والدلائل والمؤشرات تظهر للأسف نجاح هذه العملية في تخطي العقوبات المفروضة على النظام السوري، وحرمان العائلات الفقيرة والمحتاجة في لبنان من الدعم المفترض".

وطالب السلطات اللبنانية بوقف التهريب إلى سوريا لأنه يحرم الخزينة من الاحتياطي المتبقي لديها، فإن مسألة التهريب المتمادي للمواد المدعومة، وخاصة المحروقات، والمواد الغذائية، وفي مقدمها الطحين، والأدوية، هي أحد الإصلاحات التي يشترطها المجتمع الدولي على لبنان من أجل الموافقة على دعمه مالياً ليسد الفجوة المالية التي يعانيها منذ عام ونصف العام، والتي أدت إلى ارتفاع سعر صرف الدولار في شكل صاروخي، وزيادة أسعار السلع الغذائية بنسب عالية، فضلاً عن شح في الأدوية والمستلزمات الطبية.

الأموال المهربة نقداً والفاتورة اللبنانية

لا تقتصر أموال السوريين المهربة من سوريا على تلك المودعة بالمصارف، بل إن مبالغ طائلة منها موجود في خِزَانات المنازل، في لبنان وفي سوريا، نقداً.

وبات معروفاً أنه عندما أدى شح السيولة بالعملة الصعبة في سوريا إلى زيادة صعوبة استيرادها المواد الضرورية، عبر لبنان، عمد متمولون يتبعون النظام إلى شراء كميات من الدولار الأميركي طوال عام 2019 بالليرة السورية من مكاتب الصيرفة بأسعار مرتفعة لتأمين تمويل الاقتصاد السوري، ما أسهم في شح الدولار في لبنان، ومن ثم ارتفاع سعره تدريجياً صيف العام نفسه، وفاقم أزمة السيولة في لبنان، وأدى إلى ارتفاع سعر صرف الليرة في سوريا نفسها بمُوازاة ذلك.

كما أن المتمولين التابعين للنظام درجوا على إنشاء شركات التجارة الـ"أوف شور" في بيروت والبقاع، بعضها بشراكة مع لبنانيين، من أجل استيراد المحروقات إلى مرفأ بيروت، ومن ثم نقلها براً إلى سوريا (وبعضها من إيران التي يخضع قطاعها النفطي للعقوبات الأميركية)، وغيرها من المواد، هرباً من العقوبات الأميركية، ومن ثم يقومون بتصفية هذه الشركات حتى لا تنكشف للرقابة الأميركية على غسل الأموال، وإنشاء غيرها بحيث أُنشئت عشرات الشركات على مدى السنوات الماضية.

وبات معروفاً أن فاتورة الاستيراد اللبنانية زادت في السنوات الماضية، من زهاء 12 مليار دولار سنوياً إلى أكثر من 18 ملياراً، ما حدا ببعض المحليين الاقتصاديين إلى القول إن احتياطي لبنان من العملة الصعبة يمول اقتصادين، وليس الاقتصاد اللبناني فقط، الأمر الذي استزف احتياطيه من العملة الصعبة.

الاقتراض من المصارف اللبنانية والاستثمار العقاري

في المقابل، عمد بعض المتمولين السوريين التابعين للنظام، بالاستناد إلى ودائع متوسطة الحجم في بعض المصارف اللبنانية، إلى اقتراض مبالغ طائلة منها، بحجة تنفيذ مشاريع إنشائية في سوريا ولبنان، وما لبث بعض هذه المصارف أن اكتشف أنها مشاريع وهمية كانت المبالغ المُستدانة بحجة تنفيذها تستخدم من أجل أهداف أخرى. واكتُشف بعض الحالات من قبل مصرف لبنان الذي فرض على هذه المصارف الخاصة استرداد هذه الأموال، فتمكن من استعادة بعضها.

كما أن كثيراً من المتمولين الموالين للنظام أخذوا في السنتين الماضيتين يستثمرون المبالغ النقدية الضخمة المخزنة في لبنان، بشراء العقارات في العاصمة اللبنانية، أو خارجها؛ لحفظ قيمتها. وبعضهم فعل ذلك هرباً من مطالبة الأسد هؤلاء المتمولين المعروف أنهم استفادوا من حظوته لجني الأرباح خلال الحرب الأهلية الدائرة في بلاد الشام، بأن يدفعوا جزءاً منها للدولة السورية لتتمكن من تخفيف حدة الأزمة المعيشية التي ترزح تحتها المناطق السورية كافة، والتي أدت منذ سنتين إلى شح في مواد البنزين والمازوت والطحين والأدوية.

المزيد من متابعات