ضوء أزرق وشارة مزركشة و70 مليون طيف للتوحد

طفل واحد في الأقل بين كل 60 يصاب بالاضطرابات والتي تظهر في الطفولة وغالباً لا تختفي بعد الأعوام الأولى

طفل واحد في الأقل بين كل 60 طفلاً يصاب باضطرابات طيف التوحد. (رويترز)

مجموعة من الشباب والفتيات يرتدون قمصانا مكتوبا عليها "كن معي في عالمي". يوزعون مطويات ومعها شارات مزركشة على المارة. البعض يرفض النظر إلى الشباب، والبعض الآخر يسأل عن "حكاية التوحد" وهل لها علاقة بالشعور بالوحدة، وفريق ثالث يأخذ الشارة المزركشة ويلقي بالمطوية بعيداً، وقلة قليلة جداً هي من تعي سر اليوم العالمي ومعنى الشارة المزركشة. لكن الصورة العامة تشير إلى أن المشهد برمته لا يعني الغالبية.

2 أبريل (نيسان)

مجموعات من الشباب والفتيات في عشرات الفعاليات يوزعون الشارات نفسها ومطويات محدثة وحوارات ونقاشات هنا وهناك وزخم واضح لا ريب فيه. مبانٍ حكومية وأخرى غير حكومية قررت أن تضيئ واجهاتها باللون الأزرق في اللحظة ذاتها. آباء وأمهات، وخبراء واختصاصيون، ومعهم ناشطون ومهتمون، جاءوا من هنا وهناك للاحتفاء، لا باليوم فقط ولكن بوعي متزايد باليوم لم يكن على البال أو الخاطر قبل عقد من الزمان.

الفارق الزمني بين اليومين هو عشر سنوات بالتمام والكمال، حقق خلالها مرض التوحد، أو بالأحرى الوعي بمرض التوحد، قفزة كبيرة من حيث الوعي والإدراك والمعرفة والاهتمام. الغالبية  العظمى من الناس لم تكن تعرف شيئاً عن "التوحد" حتى سنوات قليلة مضت. فالأعراض يصعب تحديدها، والآثار تمضي كغيرها، والتفسيرات كثيرة ومشتتة. فبين قلة اتصال الصغير بالعين، أو عدم الاستجابة تجاه اسمه، أو عدم الالتفات لمن حوله، يظن كثيرون من الأهل أن الصغير لا يكترث.

وهناك من الأهل من يشعر أن الصغير بات أكثر انطوائية، أو عدوانية، أو فقد قدراً من مهارته اللغوية، لكن غالباً ما يتم التفسير في ضوء تغير المزاج أو تشتت الانتباه لأي سبب كان. حتى أولئك الصغار الذين يلتحقون بالمدرسة لكن يخفقون في الامتحانات أو يشكو معلموهم من قلة الانتباه أو تدني التحصيل، عادة يُوجّه اللوم للصغير بأنه في حاجة إلى بذل مزيد من الجهد. 

لكن الجهد الحقيقي الذي تم بذله على أصعدة عدة على مدار العقد الماضي عرّف كثيرين بمرض التوحد ما يسّر التشخيص، وقدم حلولاً ظلت حتى الأمس القريب حكراً على فئة قليلة جداً من الأهل الذين يكتشفون أن ابنهم مصاب بمرض التوحد.

منظمة الصحة العالمية تعرّف التوحد أو "اضطرابات طيف التوحد" بأنها مجموعة من الاضطرابات المعقدة في نمو الدماغ. ويتناول هذا المصطلح الشامل حالات من قبيل مرض التوحد، واضطرابات التفكك في مرحلة الطفولة و"متلازمة آسبرغر". وتتميز هذه الاضطرابات بمواجهة الفرد لصعوبات في التفاعل مع المجتمع والتواصل معه، ومحدودية وتكرار مخزون الاهتمامات والأنشطة لديه. ويشير خبراء المنظمة أن مستوى الأداء الذهني لدى المصابين باضطرابات طيف التوحد متغيّر جداً، فهو يتراوح بين قصور شديد، وآخر طاغٍ في مهارات المريض المعرفية غير اللفظية. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف المصابين بالاضطرابات المذكورة يعانون أيضاً إعاقات ذهنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المسألة بالغة التعقيد. فالتشخيص صعب، وتعامل الأهل مع الصغير بعد التشخيص أصعب، وتوفير الإمكانات اللازمة للتعليم والعلاج والتعامل اليومي والتخطيط للمستقبل ليس بالأمر الهين، لا سيما للأسر التي تعاني أصلاً ضغوط الحياة الاقتصادية، ما يعني أن توفير جانب من الدخل المتدني لرعاية الصغير ذي الاحتياجات الخاصة أمر بالغ الصعوبة. لكن الصعوبة لا تعني الاستحالة.

استحالة تخيل مبان مصرية وقد أضيئت واجهاتها باللون الأزرق تضامناً مع مرضى التوحد وأهاليهم وتوعية بالمرض، تحولت إلى أمر واقع، وذلك في السابعة من مساء يوم الثلاثاء 2 أبريل (نيسان) الحالي. فمن برج إرشاد السفن في مدينة الإسماعيلية ومبنى القبة في بورسعيد ومبنى التحركات في السويس التابعة لهيئة قناة السويس ومباني وزارة التضامن الاجتماعي والمجلس القومي للإعاقة ووزارة التربية والتعليم وغيرها الكثير، طغى اللون الأزرق مساء يوم 2 أبريل (نيسان) الحالي على العديد من المباني المصرية.

مدلول الضوء الأزرق

لكن مع اللون الأزرق يأتي الوعي الأكبر. مشهد المارة وهم يقفون لالتقاط الصور التذكارية و"السيلفي" بوقفاته المعتادة مع خلفية اللون الأزرق فتح آفاق التوعية بشكل غير مسبوق. سؤال يُطرح عن سر الإضاءة، وبحث على "غوغل" هناك حول سر اللون الأزرق، ومزيد من البحث، والنتيجة قدر أكبر من المعرفة ومساحة أوسع من القبول وهامش أعرض من الإنسانية. الإنسانية تقول إن الشارة المزركشة هي علامة تجارية لـ"جمعية التوحد" الدولية، إلا أن سكان الكوكب مسموح لهم باستخدامها لغرض التوعية بالمرض وقبول مرضاه، وذلك للتعبير عن المصلحة الكبرى والعامة لهؤلاء المرضى، وليس مكاسب فردية أو تحقيق شعبية لمؤسسة دون غيرها.

شارة التوعية بالتوحد تحمل فكرة ورسوم الـ"بازل" أو "Puzzle"، تعكس تعقد طيف التوحد. تشير معلومات "جمعية التوحد" الدولية إلى أن الألوان والأشكال المختلفة تمثل التنوع والتباين الشديدين في المصابين بالمرض وظروف معيشة عائلاتهم. بهاء الألوان ووهجها يرمزان إلى الأمل المعقود على زيادة الوعي بمرض التوحد، وأنه بالتدخل المبكر والقدرة على الوصول إلى الخدمات والدعم المناسب، يمكن لمرضى التوحد أن يعيشوا حياة طبيعية ويصبحوا قادرين على التعامل مع العالم المحيط بقواعدهم الخاصة.

وتشير الجمعية إلى أن الشارة تعني لمريض التوحد الكثير: فهو ليس وحده، وأنه جزء من "البازل" الكبيرة في الحياة، يحتاج جهداً للفهم وفكّ الغموض. من جهة أخرى، فإن مبادرة إضاءة واجهات المباني باللون الأزرق في اليوم العالمي للتوحد يوم 2 أبريل (نيسان) من كل عام هي من بنات أفكار جمعية دولية أخرى تعنى كذلك بمرضى التوحد وأسرهم، وهي "Autism Speaks"، أو "التوحد يتحدث". وقد أطلقت الجمعية مبادرة الإنارة الزرقاء قبل عشر سنوات، لتبدأ على استحياء ثم تنتشر وتتوسع في دول العالم، ومنها مصر والدول العربية. دول العالم فيها ما لا يقل عن 70 مليون مريض توحد. منظمة الصحة العالمية تقول إن طفلاً واحداً في الأقل بين كل 60 طفلاً يصاب باضطرابات طيف التوحد، والتي تظهر في الطفولة وغالباً لا تختفي بعد تلك الأعوام الأولى.

رسالة ومسؤولية عالمية

هذا العام، الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، السيد أنطونيوو غوتيريس، وجه رسالة للعالم في اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، جاء فيها "إننا نرفع أصواتنا عاليةً ضد التمييز ونحتفي بالتنوع في مجتمعنا العالمي ونعزّز التزامَنا بالإدماج التام للمصابين بالتوحد وبكفالة مشاركتهم الكاملة". وأوضح غوتيريس أن احتفاء هذا العام بمرضى التوحد "يسلط الضوء على أهمية التكنولوجيات المساعِدة ميسورة التكلفة في توفير الدعم للمصابين بالتوحد لكي ينعموا بحياة لا يتمتعون فيها بالاستقلالية فحسب، بل يمارسون حقوقهم الإنسانية الأساسية أيضا". لكن غوتيريس أقر أيضاً بوجود  عراقيل كبرى تحول دون الوصول إلى مثل هذه التكنولوجيات في دول عدة، منها ارتفاع كلفتها وعدم توفّرها ونقص الوعي بما تتيحه من إمكانات.

الطريف أن الجامعة الأميركية في القاهرة لجأت إلى التكنولوجيا وتقنياتها الحديثة لتضيئ عوالم زرقاء. موقع الجامعة على الإنترنت أضيئ باللون الأزرق، ومعه أحد مباني الجامعة في مركزها الرياضي. أستاذة العمارة في الجامعة، الدكتورة ماجدة مصطفى وصاحبة أول مؤشر وقاعدة بيانات علمية في العالم لكود المباني الخاص بمرضى التوحد، تقول إن "وجود هذا العدد الكبير من المصابين بأحد أطياف التوحد يعني أن علينا أن نفكر فيهم وندبر المطلوب من أجل توفير فرص تعليم ورعاية صحية، وخدمات عامة وفرص العمل بنسب وأعداد تناسب أعداد المرضى. وكما أن المرض نفسه له أطياف عدة، فإن إتاحة الدعم والمساندة للمرضى تتطلب أطيافا عدة كذلك".

النصيب من التعليم والمعرفة

أحد أطياف الدعم والمساندة- بالإضافة إلى الوعي وتعريف الناس بالمرض- يكمن في الفرص التي أصبحت متاحة في مدارس حكومية وخاصة عدة لاستقبال الأطفال من المصابين بالتوحد. مستشارة وزير التربية والتعليم، السيدة إنجي مشهور، تقول إن الوزارة وقّعت العديد من الاتفاقات والبروتوكولات لرفع كفاءة المعلمين واختصاصيي التعامل مع ذوي القدرات الخاصة. وأشارت إلى تطبيق نظام دمج الطلاب من أصحاب هذه القدرات في المدارس العادية، وبينهم المصابين بالتوحد، بالإضافة إلى الجهود المبذولة لتوعية أولياء الأمور بما يحتاجه الأبناء من المرضى وسبل تقديم الدعم لهم. وأشارت مشهور إلى أن عدد المصابين بالتوحد في مصر يتراوح بين مليون ومليون ونصف مصري.

المزيد من صحة