Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علوية صبح تروي مأساة الجسد المعطوب ذاتيا وجماعيا

"أن تعشق الحياة" رواية الأمل المتبقي في عالم يتخبط في العنف والجنون

الروائية اللبنانية علوية صبح (دار الآداب)

تجعل الروائية علوية صبح من بطلة روايتها الجديدة "أن تعشق الحياة" (دار الآداب 2020) التي سمّتها بسمة، قناعاً لها لكن من لحم ودم، لتكتب من خلالها أحوال المرض العصبي الذي ألمّ بها خلال نحو أربع سنوات، ولتجعل نفسها وجهاً لوجه مع الجسد، جسدها والجسد الإنساني عموماً. وقد يكون وجه التشابه المرضي المعلن بينها وبين بطلتها التي ألقت عليها مهمة الراوية، هو الوحيد الذي يجمعها بها بقوة، ما جعل الرواية بعيدة تماماً عن طابع السيرة الذاتية. فالبطلة بسمة إنما هي التي تسرد أجزاء من سيرتها، سيرة الراقصة التي تعيش تجربة بل تجارب قاسية، قد تكون الكاتبة عاشت بعضها عيشاً مختلفاً. واللافت هنا أن الراوية بسمة تبدو مفتونة بـ"الحكي" والسرد وكأنها قرين الكاتبة، فهي تعترف للشخص الافتراضي الذي تروي له حكايتها، أن لديها "جوعاً للحكي". لكن البطلة هي قرين غير أصيل للكاتبة، تشبهها قليلاً وتختلف عنها كثيراً. وهذا ما يؤكد أيضاً أن علوية صبح لا تكتب سيرة ذاتية بل تتخيل سيرة ذاتية ترويها بطلتها. 

شاءت علوية صبح جعل بطلتها أو راويتها راقصة ومصمّمة رقص، لتجعلها أشد قرباً من شخصها بصفتهما كلتيهما مبدعتين، كتابة ورقصاً، ولتتيح لنفسها فرصة مواجهة الجسد المريض والتأمل فيه وتحديه وتخطي مرضه إبداعياً وفنياً. فالرقص فنّ جسدي بامتياز، ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجسد فيزيقياً ونفسياً، وبحركته وأبجديته ورموزه أو علاماته. ووفّقت فعلاً علوية في هذا الاختيار وتمكنت من جعل الجسد مرجعاً سردياً وكأنه هو البطل الرئيس، حتى في خيانته ثم عودته إلى الحياة التي تعني العودة إلى الرقص، بعدما تمكنت البطلة من الشفاء وقدمت في الختام عرضاً راقصاً عنوانه "رقصة الحياة". ولم تُقصر المأزق الجسدي على بطلتها وحدها، بل شمل هذا المأزق أبطالاً آخرين، مثل صديقتها أنيسة التي عانت الشلل إثر صراع نفسي ونهضت منه عبر الكتابة، وأمينة التي عاشت وحدة الجسد وعزلته عيشاً مرضياً، وأحمد الحبيب الأول الذي قتله السرطان والأب المقعد الذي حلّ الشلل بجسده وتحرّر منه ومن عذابه بالانتحار. ولا يمكن إغفال الجسد المعذب والمنتهك والمذبوح والمحروق في مشاهد الإرهاب الداعشي والأصولي التي خضّت حياة البطلة، من خلال الشاشات التي كانت مسرحاً بصرياً لأعمال العنف الرهيب، التي زادت في تدمير جسد الراوية – الراقصة. فجسد بسمة المريض هو أشبه بمرآة ولو مغبّشة، للأجساد التي فتكت بها وحشية المتطرفين، خصوصاً الأجساد الأنثوية التي اغتُصبت وعُذبت وذُلت وانتُهكت إنسانيتها.

الجسد إذاً "بطل" من أبطال الرواية لكن مجازياً. بل هو الجسد المريض تحديداً، الذي تنتهكه الآلام العصبية والنفسية. ولا تنثني الراوية عن وصف طبيعة مرضها الذي يرجّ جسدها ويشنّج فمها ويجعلها تصرّ على أسنانها فتمسي عاجزة عن الكلام ويغلظ صوتها. حتى عضلات صدرها تطبق عليها فلا تتمكن من التنفس. بل إن التشنجات تغزو كل جسدها وعضلاتها، من قدميها حتى محيط عينيها، كما تقول. انهار جسدها، ولم تعد تقوى على الرقص، انقطعت شهيتها في الأكل وتناقص وزنها وعزلت نفسها. زارت أطباء وتنقلت بين مستشفيات ولم يتم اكتشاف سرّ هذا المرض. "رفض جسدي أن يعيش"، تقول. لكنها اختارت أن تقاوم هي الراقصة، مقنعة نفسها بأنها ستشفى يوماً. وكانت مشاهد انهيار الربيع العربي والمآسي التي آل إليها، وصعود مشهدية القتل الداعشي، تزيد من هذه التشنجات وحالات التوتر. أصبحت بسمة بصفتها مريضة "جسداً في حال انتظار" كما يعبّر الباحث الفرنسي جيرار دانو صاحب كتاب "الجسد المعذب". وخيانة جسدها إياها هي خيانة مضاعفة، لأنها راقصة. لكن الحظ ابتسم لها عندما قادتها المصادفة إلى طبيب تمكن من اكتشاف مرضها ومعالجتها بهدوء، ولعله طبيب الكاتبة علوية صبح نفسه الذي تهديه الرواية.

شخص افتراضي

تتوجّه بسمة في مستهل الرواية إلى شخص افتراضي وتروي له ما تسميه حكايتها، معترفة له بأنها حكت له الكثير حتى الآن، وأنها غير قادرة على سرد حكايتها في تسلسلها الزمني، وتطلب منه أحياناً أن يذكّرها بأين وصلت في هذا السرد. وهذه حيلة روائية ذكية لتتحرر الكاتبة والراوية من معطيات السرد التقليدي المتصاعد أو المتنامي وفق خط زمني وكرونولوجي. فالسرد هنا مفتوح ومتقطع بحسب تقطع الذاكرة المتعبة والجسد المنهك الذي تخضه حبوب المهدئات والأدوية العصبية. أما بنية الرواية فشبه دائرية، تتكامل حلقاتها في طوافها حول نفسها. فالبدايات، كما تقول الراوية، تختلط بالنهايات. وقد أجادت الراوية لعبة التقطيع، بين اندفاع واسترجاع، بين تقديم وتأخير، ولو مع شيء من التكرار المبرر، تبعاً للذاكرة التي "يغشاها ضباب شديد البياض" كما تقول بسمة. وبين فصل وآخر وفي ما يشبه الوقفة السردية، تخاطب الرجل الافتراضي الذي أصبح حبيباً بل طبيباً نفسانياً، تودع عنده سيرتها، وتقول له: "غريب كم أصبحت حاضراً معي في غرفتي". وفي ما قبل الختام تعلن اسمه فإذا هو حبيب اليوسفي، كاتب ومخرج مسرحي ومدرّس جامعي، كانت تعرفت إليه عندما دعاها مرة إلى لقاء مع تلامذته حول الرقص الممسرح واعتذرت من جراء مرضها. ومنذ تلك اللحظة انطلقت هذه العلاقة المتواصلة والمتقطعة، وبات هو حاضراً في حياتها، تراه عبر السكايب وتعلن حبها له، متمنية أن تزور غرفته وسريره. وظل يشغلها طوال مراسلتها إياه راوية له سيرتها سؤال هو: هل يمكن أن يتحول حب افتراضي إلى حب واقعي؟ إلا أن هذا الحبيب كان معظم الوقت بمثابة المتلقي، وإذا ما تدخّل أحياناً وحكى فإنما في بضع رسائل قصيرة عبر الواتس آب.

تحضر في الرواية شخصيات عدة، بعضها ذو دور فاعل في صلب السرد وبعضها على هامشه. شخصيات تتقاطع حيناً وتفترق حيناً ولا يجمع بينها سوى اعترافات الراوية، أو استعادتها المستديمة حكايتها. وهذا ما يجعل فعل السرد ينتمي إلى زمنين: زمن مضى وزمن حاضر في طريقه إلى المضي. شخصيات تبدو كأنها تكمل بعضها بعضاً ولو لم تتعارف أو تلتقِ: يوسف الحبيب الثاني لبسمة يكمل حبيبها أحمد الذي توفي بالسرطان ممهداً لها الطريق كي تحب من بعده، ومقنعاً إياها بمواصلة الحياة. أنيسة وأمينة صديقتا بسمة، تمثلان حجري زاوية في اللعبة الروائية، بصفتهما شاهدتين ومؤثرتين في مسار البطلة، بدءاً من مرضها وانتهاء بحكاية حبها المأسوية مع يوسف. وعلى هامش هذه الشخصيات تطل أخرى تساهم في ترسيخ الإطار المكاني والزمني للراوية: نزار صديق يوسف وبسمة، الخائب من النضال اليساري الفلسطيني والمتنقل بين البعث السوري والبعث العراقي والثورة الإسلامية الإيرانية بعد اندلاعها وقد دفعته إلى هجر مسيحيته وإشهار إسلامه. لكنه لم يلبث أن خاب من هذه الثورة وصار الخميني واحداً من أعدائه. ويعترف أن ما بات يعنيه هو الطبيعة وما تخفي من كوارث ولا سيما الزلازل التي أصبح خبيراً بها. قد يمثل نزار شريحة من مثقفين انتقلوا من عقيدة علمانية إلى أخرى دينية، ومن موقع نضالي يساري إلى آخر طائفي ومذهبي، وهذا ما يعبر فعلاً عن تضعضع أيديولوجي وصراع ثقافي حول مفهوم الهوية أو الانتماء.

أما عيسى صديق بسمة ونزار أيضاً، فيمثل الفلسطيني الضحية، ابن المخيم الفقير، الذي كان في خدمة قائد عسكري يدعى أبو الغضب، تكشف الراوية عن انجرافه في موبقات الحرب ولعبة البيع والشراء واستغلال القضية لمصالح شخصية كالإثراء غير المشروع  والمتاجرة بالممنوعات. كان عيسى أشبه بمخبر لدى أبو الغضب الذي وفر له فرصة التنعم بحياة باذخة وصادر له شقة جميلة وأهداه البدلات الأنيقة والعطور. وبعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت قرّر أبو الغضب الاختباء في مخيم برج البراجنة عوض الخروج مع الفلسطينيين عبر البحر، لكنه قتل في معارك بين المخيم ومنظمة أمل الشيعية. وفي لحظة ندم يعترف عيسى أن المقاتلين الفلسطينين اقترفوا أخطاء في لبنان وانقسموا بعضاً على بعض وتقاتلوا و"فتحوا دكاكين" وتصارعوا على مراكز القرار والقيادة والسلطة وهدروا الأموال في أمور لا علاقة لها بجوهر القضية. لم يبقَ لعيسى من نضاله الفلسطيني سوى البدلات التي كان يهديه إياها أبو الغضب وذكريات أليمة جداً.

بين حبيبين

بين أحمد الحبيب الأول الذي توفي بالسرطان ويوسف الحبيب الثاني الذي انقلب على نفسه ولاقى مصيراً غامضاً هو الجنون ربما، وجه شبه ووجوه اختلاف. أحمد قاص وروائي مثقف وعلماني لم يدعه الموت ينهي روايته الوحيدة، أما يوسف فرسام مثقف وعلماني يكتب الشعر أحياناً، لم يدعه اضطرابه النفسي إكمال مساره كرسام موهوب. يحضّ أحمد حبيبته بسمة على مواصلة الحياة والحب بعد رحيله ويترك لها وصية جميلة ووجدانية يحرّضها فيها على عيش حياتها بزخمها التام وعدم الاستسلام لليأس، بل يطلب منها أن تكمل روايته بحبها وحياتها طبعاً، كأن يقول: "اكملي فصولها بحب جديد، وبحياة أجمل". لم تطلعنا الراوية على ما تتضمن رواية أحمد ولا على أي تفصيل منها. كل ما يعرفه القارئ أنها رواية حب، تركتها في أدراج الذاكرة.

وعندما تعرفت بسمة على يوسف وأحبته أيقنت أن هذا الحب هو الذي رسمه لها أحمد، وبدا لها أن يوسف يكمل حبها الأول. لكن خيبتها من يوسف في الختام والتي لم تكن متوقعة، كانت بمثابة صدمة شخصية ووجودية كبيرة بحجم حبها الكبير له. فهي كانت ماخوذة به رساماً مبدعاً ومثقفاً وقارئاً وصاحب أفكار بديعة ونظرات عميقة إلى الحب والمرأة والفن والسياسة والفلسفة والصوفية والموت والماوراء. وبدت عندما تصغي إليه كأنها تلميذة تصغي إلى أستاذ تعشقه. فهو علّمها ما لم تكن تعلمه عن نفسها وعن الحب، كما تقول. شرح لها أسرار الرسم والألوان، وساعدها في تحويل بعض القصائد إلى مشاهد راقصة. منحها الأمان في زمن ومكان غير آمنين. عرّفها على ابن عربي المتصوف الفيلسوف، شرح لها بعض الرموز في لوحاته ومنها رمز العدد سبعة. ومعه ولدت كما تقول لغة أخرى لمعنى وجودها. أثّر فيها مثلما أثّرت فيه. رسمها واختبر عبرها صورة المرأة العشيقة، وجهاً وجسداً. رسمها في حالاتها المتعددة، لا سيما كراقصة، مركّزاً على حركات جسدها المتناغمة وعلامات هذا الجسد المتفلت من أسر التابو والممنوعات. ذابت فيه وذاب فيها: "لم أكن أشبع من الحب إلا في لحظة توحّد مسامات جلدينا".

حتى خياناته العابرة لم تكن تحرجها أو تغضبها، فهي على يقين بأنه لا يحب سواها وكان يقول لها: "أنا وأنت جسدان وروح واحدة". حتى عندما عاد من الأسر في سوريا بعد ستة أشهر من السجن والتعذيب والترهيب النفسي ووجد نفسه عنيناً وعاجزاً جنسياً، حضنته ومنحته حبها وحنانها حتى استعاد رجولته. وكان سجن في دمشق نتيجة خطأ في الاسم. لكن حبها له لم يمنعها من ملاحظة أحوال التناقض التي كانت تعتوره، فهو كان مسالماً ومتوتراً، وديعاً وشرساً، وفياً وجحوداً ومتقلب المزاج، متأرجحاً بين الشك واليقين. لكن بسمة لم تكن تتوقع حدوث انقلاب جذري في حياة يوسف، فيصبح  شخصاً أصولياً، متعصباً ومحافظاً، يتنكر للفن والرسم والثقافة والعلمانية والتحرر الاجتماعي...

صدمة التحول

أحدث هذا التحول صدمة كبيرة في حياة بسمة ووجدانها، ولم تتمكن من فهم أسبابه أو حوافزه. كانت تعلم أنه كان على علاقة قوية بل رحمية بأمه التي قتلت في حرب يوليو (تموز) تحت القصف الإسرائيلي وتفحمت جثتها، بعدما كان فقد بقية الأسرة في حادث انتقامي عشيري أصيب خلاله برصاصة في رجله جعلته شبه أعرج. كانت وفاة أمه احتراقاً، بمثابة مأساة وجودية قلبت حياته، هو الذي كان متعلقاً بها كطفل كبير، لم يغبْ عنه يوماً هاجس ثدييها، حتى عندما كان يداعب ثديي حبيبته. أصبح شخصاً متزمتاً، توقف عن الرسم وطلب من حبيبته بسمة التي تزوجها أن تتخلى عن الرقص وأن ترتدي ثياباً محتشمة وتضع النقاب، مبرراً لها الأمر بقوله إنها له وحدها ويجب أن لا يراها أحد سواه. وفوجئت يوماً بتغطيته لوحاته التي رسمها فيها بأقمشة بيضاء، وبات يستمع في محترفه إلى الأناشيد الحسينية مؤمناً بدنو يوم القيامة. وعمد من ثم إلى طلي اللوحات بالأسود وكأنه شاء أن يزيلها من العين والذاكرة. أرسل لها لاحقاً ورقة الطلاق وحصلت القطيعة النهائية ولم تكن تصلها آخر أخباره إلا من صديقهما المشترك نزار: تزوج من امرأة منقبة ورزق بابنة سماها بسمة ثم انتهى هائماً ومشرداً ومجنوناً. هذا التحول ظل غامضاً في حسبان بسمة حبيبته وزوجته، ولم تشأ الكاتبة علوية صبح أن تبرره أو توضحه فتركته حدثاً عبثياً أو قدرياً.

مات الحبيب الأول أحمد من غير أن ينهي روايته، أما الصديقة أنيسة فأكملت روايتها، وبها واجهت مرض الشلل وانهيارها الذي سببه زوجها البخيل والمتعلق بالمال والذي يعتقد أن رائحة الدولارات أشهى من رائحة النساء. أنيسة الصحافية طمحت إلى كتابة رواية عن خيبات الربيع العربي التي كانت خيبتها واحدة منها، تمكنت من الحصول على الطلاق ورعاية أسرتها بعدما دفعت لزوجها أربعين ألف دولار. وبينما عاشت تجربة حب عاصف مع موسى الناقد الفني، لم تتمكن من ممارسة الحب معه، خوفاً من ارتكابها خطيئة زنا تدفع ثمنها من صحة أحد أبنائها. وهذا الخوف مترسب في وعيها ولا وعيها الديني العميق، ولم تستطع علمانيتها أن تحررها منه.

أما الصديقة الأخرى أمينة فشخصية طريفة وشبه تراجيدية، تعتقد أن لعنة أصابتها حالت دون التقائها بـ"فارس" أحلامها وزواجها. تؤمن بحضور الأرواح وبصيبة العين وتلجأ إلى المنجمين. تعاني حياة الوحدة التي لا تخترقها إلا صديقتاها بسمة وأنيسة. حضّرت "جهاز" عرسها، لكن العريس لم يأتِ وكانت لا تكفّ عن استعراض ملابسها، حتى الداخلية منها، أمام المرآة لتقتل سأمها.

مفتاح الذكرة

وكما تحضر الأم في معظم أعمال علوية صبح، تحضر هنا أيضاً بصفتها مفتاح الذاكرة التي تطلّ على ماضي العائلة والقرية، وبصفتها كائناً محورياً ومركزياً. ومقابل شخصية الأم في رواية "أن تعشق الحياة" يحضر الأب ليؤلفا ثنائياً تراجيدياً، يتمثل في العلاقة المتوترة بينهما والمصير القاسي الذي يلقاه الأب. الأم ذات شخصية قوية، متسلطة، متبرمة، تلوم نفسها على زواجها من رجل فقير، تصفه بالفاشل والعاطفي. وكانت تتمنى دوماً أن يكون زوجها شبيهاً بجارها إبراهيم القاسي والعنيف الذي لا يتوانى عن ضرب زوجته برضاها. فرقّته وطيبته كانتا تمثلان مقتلاً لها ومأخذاً عليه. وكان الأب يختلف عنها في طباعه وآرائه، فهو متسامح ومحب وأليف، يحب المسيحيين جيرانه، ويؤيد انتماءهم اليميني، ويعيش بينهم كأنه في بيئته، ولم يترك المنطقة المسيحية إلا رغماً عنه جراء احتدام الحرب. وبعدما أصبح الأب مقعداً بعد قطع رجليه إثر سقوط قذيفة، لم تهمله الأم على الرغم من تبرّمها به وتعنيفها له وتأفّفها المستمر من هذا المصير. فهي كانت تعتني به وتطعمه وتحمله على ظهرها لتدخله الحمام وتغسله... وضاقت بها روحها مرة حتى أنها أطعمته من برازه ثم أكلت من هذا البراز كانما لتعاقبه وتعاقب نفسها في آن واحد. وهنا تحقق علوية صبح لقطة روائية رهيبة، مؤلمة بعبثيتها وسخريتها السوداء. ولكن بعدما أقدم الأب المقعد على الانتحار في مشهد رهيب، قاطعاً شرايين معصميه، منادياً ربه لينقذه، تحلّ بالأم حال من الندم وتأنيب الضمير وتنتابها عقدة ذنب لم تشفَ منها، فقاصصت نفسها على طريقة التعذيب الذاتي وراحت تصوم منقطعة عن الطعام الذي تحبه. وكم نجحت علوية صبح في رسم أحوال الشيخوخة المهيضة والمألومة والمتوتّرة والمنتقمة من ذاتها انتقاماً عبثياً.

قد يُفاجأ القارئ بعد انتهائه من قراءة الرواية بأن العنوان الذي تحمله الرواية "أن تعشق الحياة" غريب بعض الغربة عن جو الرواية ووقائعها المأسوية وشخصياتها التي تعيش ازمات وجودية، لكنه قد يوافق عليه عندما يدرك ان الرقص بصفته فناً إبداعياً ، أعاد جسد بسمة إلى الحياة ورد إليها حركتها كي ترقص وتحلق، منفصلة عن الواقع المرير وعن ماضيها الحافل بالمآسي الشخصية والجماعية. لكن الرواية تبقى أولاً وآخراً، رواية الجسد المهيض الذي هو جسد بسمة وجسد الضحايا الذين سقطوا في جحيم الحروب، جحيم العنف الأصولي والسياسي. ولم يكن نهوض جسد بسمة من كبوته إلا بارقة أمل في هذا الليل الذي يرين على العالم المعاصر.

المزيد من ثقافة