Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هوس التنقيب الشعبي عن الآثار يهيمن على صعيد مصر

حوادث الانهيارات الداخلية بالمنازل بسبب الحفر العميق تخلف عشرات القتلى والجرحى

جنوب مصر يسجل أكثر من 3 آلاف قضية تنقيب عن الآثار خلال أغسطس الماضي فقط (اندبندنت عربية)

باتت حمى البحث عن الثراء السريع عبر التنقيب الشعبي عن المقابر الفرعونية في باطن الأرض صداعاً يؤرق الأجهزة الأمنية يومياً بكافة المحافظات المصرية، خصوصاً في صعيد مصر، إذ انتشرت الظاهرة داخل المنازل القديمة بالمناطق القريبة من المعابد الأثرية. ورغم تجريم التنقيب عن القطع الأثرية والذهب فإن الكثيرين بالمجتمع لا يزالوا يعتقدون أنه حق مشروع لصاحب الأرض. وطبقاً للإحصاء الرسمي لوزارة الداخلية المصرية، بلغ عدد قضايا التنقيب وحيازة الآثار خلال أغسطس (آب) الماضي فقط 3364 قضية، مما يعكس حجم الشغف لبعض المواطنين في البحث عن الآثار.

 الفتاوى الضالة

وكيل نقابة المرشدين السياحيين بالأقصر فرنسيس أمين، أشار إلى أن بعض الفتاوى الضالة لبعض رجال الدين غير الرسميين تشكل توجه البسطاء من المواطنين للتنقيب غير القانوني عن الآثار المصرية؛ رغبة في تغيير حالتهم الاجتماعية نحو الثراء السريع.

مضيفاً، بعض شيوخ التيار الديني المتشدد في مصر انتشر لهم عدد من مقاطع الفيديو خلال السنوات الأخيرة، يجيزون فيها الانتفاع بالذهب الفرعوني المعثور عليه، ووجوب تكسير التماثيل الفرعونية لأنها من الأصنام، وأن ممتلكات باطن الأرض حق مكتسب لصاحب العقار، الأمر الذي يشجع العوام على أن يحتجوا بتلك الفتاوى الضالة، للحفر والبحث عن المقابر الفرعونية أسفل منازلهم.

وهو ما لم ينكره المواطن محمد حسين، الذي يقطن في مدينة الأقصر؛ جنوب القاهرة بقوله، "لا يوجد دليل شرعي يؤكد حرمة التنقيب عن الآثار، ولو عثرت على مقبرة فرعونية أسفل منزل لن أبلغ السلطات المختصة".

 

 

الدجل والخرافات

وعلى الرغم من أن شوقي علام، مفتي مصر، أصدر فتوى تؤكد حرمة التنقيب الشعبي عن الآثار والتصرف بها أو حيازتها، لأن جميع الآثار من الناحية القانونية تعد من الأموال العامة للدولة، ولولي الأمر وحده دون غيره حق التصرف فيها، بما يعود بالنفع العام على أفراد المجتمع، لأن تصرف الحاكم على الرعية منوط بالمصلحة، كما هو مقرر بقواعد الشريعة الإسلامية، إلا أن الفتاوى الضالة لا تعد فقط سبباً في اعتقاد البعض بأحقية التنقيب عن الآثار بشكل غير قانوني.

ويكشف أستاذ الآثار المصرية بجامعة طيبة سامح عبد الوهاب أن الدجل والخرافات يسيطران على عمليات التنقيب عن الآثار بهدف النصب على البسطاء من المواطنين، ويصاحب تلك الطقوس إشعال بعض أنواع البخور النادر بكثافة، مع قراءة أوراد من بعض كتب السحر الشعبية بهدف تحديد أماكن الآثار، ويؤكد أن من ضمن الطقوس "الإجرامية" للدجالين خلال التنقيب عن الآثار ذبح الأطفال والحيوانات داخل المقبرة، لإرضاء الجن المسؤول عن حراسة المقبرة، ما يُطلق عليه بين الدجالين "الرصد".

وقد تكون واقعة بلدة دشنا شمال محافظة قنا في صعيد مصر العام 2017 عنواناً للجرائم التي يمكن أن ترتكب خلال البحث عن الآثار، إذ عمد مزارع إلى خطف طفلة عمرها لم يتجاوز الـ 7 سنوات، ثم قام بذبحها داخل نفق، بإيحاء من دجال أفريقي، وذلك لاستخراج كنوز مقبرة فرعونية. وعلى الرغم من تمكن الأجهزة الأمنية من ضبطه وتقديمه للمحاكمة الجنائية، فإن هناك العديد من المدن لا تزال ترتكب الجريمة ذاتها.

يذكر جمال ضاحي، أحد جيران بعض المنقبين عن الآثار، أنه كان يلاحظ سماع أصوات طلاسم طيلة الليل في المنزل المجاور له، مع وجود روائح بخور كثيفة يتبعها صراخ حيوانات مختلفة، ومع مرور الأيام بدأت حالة من الخوف تسيطر على أهالي المنطقة فقرر إبلاغ الشرطة التي ألقت القبض على المنقبين والمعدات المستخدمة في التنقيب برفقة أحد الدجالين.

من جانبها، أكدت لمياء الهواري، عضو في إحدى جمعيات الرفق بالحيوان، إلى أن من ضمن الطقوس اللاإنسانية التي تصاحب عمليات التنقيب الشعبي عن الآثار بتر أعضاء الحيوانات الأليفة لتقديمها كقربان" للجن"، وأشارت إلى أن بعض جمعيات الرفق بالحيوان في صعيد مصر رصدت عدداً كبيراً من الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب المعذبة خلال السنوات الماضية في المحافظات الأكثر تنقيباً عن الآثار كالأقصر وأسوان وقنا وسوهاج والفيوم والجيزة.

 

 

عصابات أكثر احترافاً

ومع انتشار الظاهرة، ظهرت عصابات محترفة تستخرج الكنوز الأثرية وتهربها خارج البلاد، كما يشير ضياء الهاشم، الباحث في شؤون الآثار، ومن بين تلك العمليات ما كشفت عنه السلطات المصرية من قطع أثرية مهربة شملت 21.660 عملة معدنية أثرية، و195 قطعة أثرية، منها 151 تمثالاً أوشابتي صغير الحجم من الفاينس، و11 آنية فخارية، و5 أقنعة مومياوات بعضها مطلي بالذهب، وتابوت خشبي، ومركبان صغيران من الخشب، ورأسا كانوبي، قضت على أثرها محكمة جنايات القاهرة، في فبراير (شباط) الماضي، بالحكم على المسؤولين عن تهريبها بالسجن 30 عاماً.

فيما أوضح الباحث الأثري عبد الراضي الفيومي، أن 70 في المئة من عمليات التنقيب الشعبي تتسبب في انهيار المنازل التي يجري التنقيب بداخلها، مما يسفر عن مقتل وإصابة العشرات طبقاً لإحصاء مرفق الإسعاف المصري.

وأضاف الفيومي، أن عمليات الحفر تجري بشكل عشوائي دون أي دراسات علمية داخل منازل قديمة ومتهالكة. الأمر الذي يتسبب في حوادث متكررة عبر انهيار الأنفاق التي يجري الحفر بها.

ويروي مدحت الجبلاوي، أن أحد جيرانه بالقرية كان يستعين بـ6 عمّال للحفر داخل منزله القديم، بهدف العثور على مقبرة فرعونية، إلا أن حادثة انهيار أدت إلى مقتل الجميع، بسبب الحفر لعمق 11 متراً تحت الأرض.

ويضيف عن واقعة أخرى لعمليات التنقيب بقوله، "أقنع دجال أحد أهالي منطقة سوهاج القديمة بالحفر أسفل منزله للعثور على مقبرة فرعونية مليئة بالذهب والتماثيل، وبعد ثلاثة أيام من الحفر، انهار المنزل على ثلاثة أشخاص، ما أسفر عن إصابتهم بعاهات مستديمة".

لكن تجربة منقب سابق عن الآثار، فضل عدم ذكر اسمه، كانت هي الأسوأ في حياته على حد قوله، "لقد قمت بإحدى عمليات التنقيب عن الآثار بالاشتراك مع 4 من أقاربي بحثاً عن الثراء السريع، لكن الجيران اكتشفوا الأمر وأبلغوا الشرطة، فكانت النتيجة أني قضيت في السجن 3 سنوات، وتم فصلي من وظيفتي الحكومية بسبب الحكم الجنائي، وكانت الطامة الكبرى وفاة نجلي أسفل تلال الحفر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ظاهرة مؤرقة

اللواء عادل عبد العظيم، مساعد وزير الداخلية لقطاع وسط وجنوب الصعيد الأسبق، أشار إلى أن الحفر في باطن الأرض بالمناطق القديمة بات هاجساً يسيطر على شرائح ليست بالقليلة من المواطنين في جميع المحافظات المصرية، بحثاً عن الثراء الموهوم. وأشار إلى أن، "انخفاض معدلات التعليم والوعي بين بعض طبقات المجتمع، جعل من التنقيب الشعبي عن الآثار ظاهرة متزايدة ومؤرقة للأجهزة الأمنية، وبات حجم البلاغات والمضبوطات عن قضايا التنقيب وحيازة الآثار يمثل صداعاً حقيقياً لوزارة الداخلية".

وأضاف، أن شهر أغسطس (آب) الماضي فقط، شهد أكثر من 3364 قضية تنقيب وحيازة آثار، الأمر الذي يعكس حجم ظاهرة التنقيب عن الآثار المصرية في باطن الأرض، لافتاً إلى أن حجم الضحايا الذين يتساقطون بين قتيل وجريح يتجاوز 10 ضحايا شهرياً، بسبب الحفر العميق بما يتجاوز 30 متراً في بعض الحالات.

وتابع، بل إن معظم حالات التنقيب عن الآثار لا تسفر عن العثور على أي مقابر فرعونية، لأن القائمين غالباً ما يكونون من "النصابين والدجالين"، بينما ترتفع نسبة حوادث الانهيارات الداخلية، مخلفة عشرات القتلى والجرحى. مشيراً إلى أن الحلول الأمنية في التعامل مع ظاهرة التنقيب عن الآثار وحدها لا تكفي، فلا بد من تغيير قناعة المجتمع بأن التنقيب عن الآثار والإتجار بها جريمة في حق التراث والحضارة. 

 

 

تغليظ عقوبة التنقيب وحيازة الآثار

يوضح أحمد البدري، المحامي بالاستئناف العالي، أن عقوبة التنقيب عن الآثار تحتاج إلى تغليظ مشدّد بعد الانتشار الواسع لها، فالقانون الحالي ينص على أنه يعاقب بالسجن من سنة إلى 3 سنوات كل من نقب عن الآثار، بينما في حال ضبط المتهم بحيازة الآثار بهدف الإتجار أو التهريب إلى الخارج فيعاقب بالسجن المؤبد 25 عاماً. وطالب بنزع الملكية لكل من يحاول التنقيب عن الآثار داخل منزله، ويعاقب كل من نقب بالسجن المؤبد، وتطبق عقوبة الإعدام على كل من يضبط بتجارة الآثار أو تهريبها إلى الخارج.

من جانبه، أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة مصطفى وزيري، أن أي بلاغات ترد لوزارة الآثار بهذا الشأن يجري على الفور التنسيق مع شرطة ومباحث السياحة لضبط مرتكبيها والقائمين عليها، بهدف ردع كل من تسول له نفسه الإتجار بها، مشيراً إلى أن "الوزارة تحرص على رفع الوعي الأثري للمواطنين عبر تنفيذ ندوات جماهيرية تحذر من جريمة التنقيب عن الآثار ووسائل الدجالين والنصابين لإقناع أهالي المحافظات الأثرية بتجنب هذه الجريمة.