Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أبسط الأمراض في غزة يعالجها الموت فلا أدوية هناك

52 % من العلاجات الأساسية رصيدها صفر والمستهلكات الطبية باتت نادرة بسبب القيود الإسرائيلية على المعابر

الحصول على حبة واحدة من المسكنات في غزة بات أمراً صعباً (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة) 

ملخص

لم يتناول زكريا العلاج منذ سنة ونصف سنة وعاش أيام القتال حاملاً في جسده أوجاعاً وأنيناً يهد الجبال، عندما توقفت الحرب استبشر خيراً وظن أن العلاج سيتدفق لغزة بسرعة وبكميات وفيرة، لكن حدث عكس توقعه.

لم يعد في غزة علاج الأمراض البسيطة التي تتشافى بالأدوية ممكناً، بل تحول أبسط عارض صحي إلى مشكلة قد تتفاقم لكارثة، فجرح صغير في قدم مريض السكري قد يؤدي لبترها، وتأخر علاج مريض الضغط يزيد فرص إصابته بالجلطات، وأنين المرضى يعلو بلا مسكن.

في غزة تحول الصداع الذي تنهيه حبة مسكن للألم إلى وجع مستمر لا يتوقف، والمرض الوراثي الذي تتوقف أعراضه بالالتزام بالدواء مدى الحياة بات يهدد حياة المريض بالموت، وأمراض كثيرة لا يترك العلاج لها أثراً باتت نكسة على حياة الموجعين، هذا كله يرجع إلى انقطاع الأدوية، فإحصاءات وزارة الصحة تبين أن رصيد أكثر من نصف الأدوية الأساسية صفر.

من حمى البحر الأبيض إلى فشل كلوي حاد

زكريا مصاب بمرض "حمى البحر الأبيض المتوسط"، وهذا مرض وراثي يسبب نوبات من الألم الشديد، ومضاعفات قد تصل إلى حد الفشل الكلوي الذي من شأنه أن يسبب الوفاة، ويتناول المصابون به عقار "كولشيسين" مدى الحياة، من أجل التعايش مع وجعهم بلا خطر وبأقل الآلام.

عندما زار زكريا الطبيب طمأنه بأن الدواء يحميه من المضاعفات ويخفف الآلام كثيراً وقد ينهيها تماماً، لكن يجب عدم التهاون في تناول العلاج أبداً، وأخبره أن أي تهاون قد يسبب مشكلات صحية تصل إلى الفشل الكلوي ومن ثم الوفاة.

التزم زكريا بتوصيات طبيبه لثلاثة أعوام قبل الحرب، لكن فور اندلاع القتال نسي تخزين أي كمية من العلاج، يقول "لم أعد أجد الكولشيسين في الصيدليات، لذلك اضطررت إلى البدء في خفض الجرعة لأزيد مدة ما بقي عندي من الدواء، وحين انتهى لم أعثر عليه، فعادت نوبات الألم تهاجمني".

 

زادت آلام زكريا بدل أن يتماثل للشفاء، من شدة الوجع والأنين اضطر إلى البحث عبر الإنترنت عن العلاج، وحين وجد قليلاً منه كانت كلفة الجرعة اليومية خمسة دولارات، يضيف "سعره الجديد يفوق قدرتي المادية، وتوفير الطعام لأطفالي أهم من علاجي".

بين الحياة والموت

لم يتناول زكريا العلاج منذ سنة ونصف سنة، وعاش أيام القتال حاملاً في جسده أوجاعاً وأنيناً يهد الجبال، عندما توقفت الحرب استبشر خيراً وظن أن العلاج سيتدفق لغزة بسرعة وبكميات وفيرة، لكن حدث عكس توقعه.

يوضح زكريا أن مرضه يزيد ألماً على جسده بمقدار التعب النفسي والجسدي، وهما كبيران في ظروف الحرب، وتلوث المياه وطبيعة التغذية، كلها كانت مسببات الضرر للكلى.

بعدما فتحت إسرائيل بعض معابر غزة، وسمحت بدخول أصناف قليلة من العلاجات إلى القطاع، أسرع زكريا إلى الصيدليات يبحث عن "كولشيسين" لكنه لم يجده أبداً، وأخبره العامل الصحي بأن هذا العقار لم يسمح بعد بدخوله إلى المدينة المدمرة صحياً.

يعيش زكريا اليوم بين الحياة والموت، ينتظر دخول العلاج إلى غزة أو ينتظر أجله ينتهي ليوارى الثرى في مدينة حرمته حتى حبة دواء تخفف عنه أوجاع لا يعبر عنها أمام أهل بيته خوفاً على مشاعرهم.

500 فقدوا بصرهم

نفد الدواء من غزة والمستهلكات الطبية باتت نادرة جداً بسبب القيود الإسرائيلية على المعابر، وتضرر كل المحتاجين إلى العلاج سواء الحالات المرضية أو جرحى الحرب، والحديث في هذا التقرير ليس عن الأشخاص الذين يعانون أمراضاً خطرة ولا علاج لها في غزة وتحتاج إلى إجلاء طبي للخارج، بل عن أصحاب أمراض بسيطة تتعافى بالعلاج والانتظام على بروتوكولات التشافي التي حددتها منظمة الصحة العالمية.

أصيبت رنا بمرض "جلوكوما" الذي يسبب تلف العصب البصري، وهذا المرض لا علاج له، إنما يمكن وقف تقدمه للحيلولة دون فقد البصر، لكن في غزة العقاقير الطبية المساعدة في ذلك نفدت منذ عامين.

خلال سنتي الحرب والحرمان من العلاج، كانت رنا تبحث كل يوم عن أدوية علاج "جلوكوما" وللأسف لم تعثر على أي منها، كان بصرها يخف تدريجاً، ومع التقدم في الأيام من دون أن تبدأ السيدة رحلة علاجها فقدت الرؤية في عينها تماماً، وهي لم تكن الوحيدة التي فقدت بصرها بسبب انقطاع الأدوية بل مثلها أكثر من 500 مريض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول رنا "أصعب شيء أن تصاب بهذا المرض، وكل يوم يحذرك الأطباء بأن عدم تناول العلاج يؤدي إلى فقدان البصر، ما مررت به كان قاسياً، لقد ودعت نظري تدريجاً حتى اختفى ولم أعد أرى بعيني، كان ذلك صادماً جداً".

تضيف "البصر أعظم نعمة عند الإنسان، وعندما بدأ يختفي تدريجاً من عيوني شعرت بظلام شديد يقترب من حياتي، تخيل ذلك، كل هذا الألم عشته واليوم لا أستطيع رؤية أطفالي، وأعيش بعيون لا ترى".

مما أثر في نفسية رنا أنه كان يمكنها تفادي حالتها الجديدة إذا التزمت فقط بالعلاج، لكن انقطاع الدواء من غزة تسبب في وضعها الصحي الجديد، لدرجة أنها تتمنى الموت وتعتقد أن ذلك أكثر راحة من العيش بلا بصر.

حديث وزارة الصحة

في غزة، ربما كلام مسؤولي منظومة الصحة عن انهيار الخدمات الطبية يكون منمقاً، وعبارة عن تصريح صحافي موجه في الأساس إلى المنظمات الدولية الإغاثية، لكن على أرض الواقع تروي القصص الموجعة آلاماً أكثر وجعاً من التصريحات عن نفاد الأدوية.

يقول متحدث وزارة الصحة خليل الدقران "أخيراً توفي ستة مرضى نتيجة نفاد الأدوية الأساسية، بسبب منع إسرائيل دخولها إلى القطاع، وهؤلاء ليسوا الحالات الأولى، إذ على مدار عامين من القتال، وثقنا وفاة 10 آلاف مريض نتيجة الحرمان من العلاج واستهداف المنظومة الصحية".

ويضيف "تعاني غزة نقصاً في الرعاية والأدوية والمستلزمات الطبية، الوضع الصحي يشهد انهياراً متسارعاً وخطراً. الطواقم الطبية عاجزة عن إنقاذ حياة الجرحى بظل العجز الحاد في الأدوات والمستلزمات الطبية الأساسية، مخزون الدواء في المستشفيات وصل إلى مستويات حرجة".

يبين الدقران أن "آلاف المرضى في غزة يعيشون سباقاً يومياً مع الزمن، وتتدهور صحتهم مع انهيار النظام الصحي، وعدم توفر العلاجات المناسبة"، مؤكداً أن "إسرائيل تمارس سياسة حصار طبي مكشوفة تشكل عقوبة جماعية في حق المرضى، وكل ذلك جراء عدم التزامها بنود اتفاق وقف إطلاق النار، فهي تواصل منع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية للقطاع".

صفر علاج

بحسب بيانات وزارة الصحة، فإن 52 في المئة من الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و71 في المئة من قوائم المستهلكات الطبية نفدت تماماً و70 في المئة من المستهلكات المخبرية رصيدها صفر، وكل ذلك يتزامن مع خروج 22 مستشفى عن الخدمة، وبقاء 50 غرفة عمليات فقط، مطلوب منها تقديم جميع تفاصيل الخدمات الصحية والرعاية الطبية.

 

كل ذلك يمكن لقصة عبدالسلام توضيحه، إذ ينظر الرجل إلى جهاز السكر الملقى على الطاولة ويخاطبه "ما نفعك بلا شرائح لاستخدامك"، ثم يحدثنا "ذهبت به إلى الصيدلية أطلب شراء مستلزمات جهاز قياس نسبة السكري في الدم، فأجابني الصيدلي أنها غير موجودة".

أمراض بسيطة مؤلمة

يذهب عبدالسلام كل خمس دقائق إلى المرحاض، وهذه علامات يخرجها جسده ليخبره بارتفاع شديد أو انخفاض في نسبة السكر في دمه، لكنه لا يستطيع أن يعرف العلة بالتحديد وعليه قياس نسبة السكر، وللأسف لا يجدها في غزة المنكوبة.

أصاب ريهام ورماً في الرقبة، وظن الجميع أنه سرطاناً، وبعد إجراء الفحوص الطبية تبين أنه التهاب الغدة الدرقية وكتب الطبيب العلاج، لكنها اصطدمت بمشكلة عدم توافر الأدوية.

يقول مدير مستشفى الشفاء أدهم أبو سلمية "الحرب تسببت في تدهور الحالة الصحية للمرضى لأسباب مختلفة أفرزتها الظروف الصعبة، من أهمها تدمير البنية التحتية للمستشفيات والمرافق الصحية، وإخراج نسبة كبيرة منها من الخدمة، وتعطل الخدمات الجراحية والطبية، وتوقف غرف العمليات، ونقص الكوادر، وصعوبة إجراء الجراحات الطارئة أو المتابعة بعد العمليات".

ويضيف "النقص الحاد في الأدوية له دور في هذا التدهور، وكذلك انقطاع الإمدادات الطبية بسبب الحصار وإغلاق المعابر، لقد أدى نقص الأدوية إلى زيادة الوفيات بين المرضى، وبخاصة المصابين بأمراض مزمنة".

ويشرح "استمرار الألم من دون تناول العلاجات يؤدي إلى تفاقم الألم والإجهاد العصبي، وزيادة فرط الحس العصبي المركزي، أي زيادة نشاط مراكز الألم في الدماغ والنخاع، واضطراب النوم المزمن والاكتئاب، مما يخلق دائرة مفرغة من الألم والتوتر، وتزيد الأعراض بشدة بخاصة مع البرد والخوف والجوع وقلة النوم، مما يجعل المريض غير قادر على القيام بأنشطته اليومية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير