Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدواء مفقود في لبنان والمخزون يكفي لشهرين فقط

التهريب متواصل لأكثر من دولة محيطة ومئات الصيدليات مهددة بالإقفال

اعتصام تحذيري نفذه تجمع أصحاب الصيدليات في لبنان رفضاً للشح الحاصل في الدواء (الوكالة الوطنية للإعلام)

أزمة جديدة تطل برأسها لتضاف إلى لائحة الأزمات اليومية التي يعيشها اللبنانيون منذ أكثر من عام، وبشكل تصاعدي، ولكن هذه المرة تعتبر الأخطر، إذ تمس صحة المواطن مباشرة. فقد علت صرخات الذين استشعروا فقدان كثير من الأدوية في الصيدليات بسبب التهريب، إضافة إلى ظاهرة التخزين في المنازل، بعد تداول أخبار حول توجّه البنك المركزي نحو رفع الدعم عن الأدوية، ما قد يؤدي إلى تحليق أسعارها خمسة أضعاف على أقل تقدير.

تدهور صحي

وأمام الشح الكبير الحاصل في عدد هائل من الأدوية الأساسية، لم يكن أمام الصيدليات خيار آخر لمواجهة الكارثة التي تهددها والمواطنين، بخاصة في ظل شح الدواء، سوى الإضراب التحذيري الذي دعا إليه تجمع أصحاب الصيدليات، احتجاجاً على عدم تسلمهم كميات الأدوية المطلوبة من الشركات والمستوردين، فأقفلت معظم الصيدليات أبوابها التزاماً بقرار الإضراب، ودعوا في رسالة الاحتجاج الشركات إلى أن تعود عن قرارها وتزودهم بالكميات المطلوبة من الدواء، مطالبين بضرورة معالجة الأزمة التي يعانيها القطاع بعد فقدان عدد كبير من الأدوية، لاسيما تلك التي يطلبها من يعانون من أمراض مزمنة، مؤكدين في بيان أن "الإجحاف والاستهداف المنظم الذي ‏تتعرض له مهنة الصيدلة في لبنان وصل إلى حد لم يعد مقبولاً السكوت عنه".

وعمدت بعض الصيدليات إلى الإقفال مرحلياً في انتظار حل الأزمة، وذلك تجنباً للإحراج مع الزبائن الذين يجولون على الصيدليات في مختلف المناطق، طلباً لأدوية باتت غير متوافرة، في حين لا يملك الصيدلي سوى كلمة "مقطوع"، ما يؤدي أحياناً الى إشكالات مع الزبائن الذين يعتقدون أن الصيدلية هي من تمتنع عن بيع الدواء، ما دفع بعضهم إلى الإقفال والاعتذار من المواطنين.

يقول أحد العاملين في إحدى الصيدليات إن ما يقارب الـ 75 في المئة من الأدوية مقطوعة، وإن بعض المواطنين يطلبون كميات من الأدوية تكفي لمدة ستة أشهر وأكثر، كاشفاً أن بعض الشركات المستوردة للأدوية تسلم الصيدليات بـ "القطارة"، مضيفاً أنه وللمرة الأولى في مسيرته المهنية، يرى رفوف الصيدلة فارغة بهذا الشكل، ويقول "نجد أنفسنا عاجزين ومحرجين أمام أشخاص يطلبون الدواء ونعرف ويعرفون أن انقطاع أنواع محددة من الدواء قد يتسبب في تدهور وضعهم الصحي".

تحرير الأسعار

في المقابل، ترفض الشركات المستوردة للأدوية تحميلها وزر انقطاع الدواء وعدم تسليمه للصيدليات، إذ يقول نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة، "إن تهافت المواطنين على شراء الدواء سبب رئيس لانقطاعه، إضافة الى تباطؤ عملية فتح الاعتمادات من قبل مصرف لبنان"، مشيراً إلى أن كميات استيراد الدواء عام 2020 تقل عن العام الفائت بنسبة عشرة في المئة، نتيجة تشدد المصرف المركزي في منح موافقات الاستيراد.

في المقابل، قفزت المبيعات الداخلية للأدوية 25 في المئة مقارنة بالعام السابق، معتبراً أن هذه الأرقام تنفي كل الأخبار المتداولة عن احتكار التجار للأدوية، وعدم تسليمها للصيدليات لتحقيق أرباح مضاعفة بعد رفع الدعم.

وكشف أن مخزون الأدوية في مستودعات الشركات المستوردة يعاني نقصاً خطيراً وغير مسبوق، وهو يكفي السوق لشهرين على أبعد تقدير".

لحظة غدر

من ناحيته، يوافق نقيب الصيادلة في لبنان غسان الأمين، زميله كريم جبارة، لناحية أن أحد أسباب فقدان الأدوية من السوق هو تهافت المرضى على طلبها، بعد تصريح مصرف لبنان أنه غير قادر على إكمال الدعم بحد أقصى يمتد لآخر السنة، إلا أنه يكشف عن فضيحة كبيرة تتعلق بتهريب الأدوية إلى أكثر من دولة عربية، ويقول، "وقعنا في أزمة أتت في لحظة وكأن فيها عملية غدر للجسم كله، واستفاد من سببها بتصريحات حول توقف دعم الدواء، واستفاد أيضاً مهربو الدواء إلى خارج البلاد "، مؤكداً أن "الأدوية تهرب إلى العراق وليبيا، واليوم أضيفت إليهما مصر، وفي حال كان التهريب بكميات كبيرة، فهذا يعني أن الصيدلي مسؤول ومتواطئ مع الوكيل والمهرب"، لافتاً إلى أن عمل النقابة هو مراقبة الدواء المزوّر وأسعار الأدوية، مؤكداً أن التفتيش يجول على الصيدليات لمتابعة موضوع التخزين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورفض تبرير مستوردي الأدوية بأن المصرف لم يفتح لهم الاعتمادات، وأن نسبة الاستيراد تراجعت عن السابق، موضحاً أنه ليس مع نظرية تكديس الدواء في المنازل. وأكد أن "نسبة الاستيراد هي نفسها كما العام الفائت، ولا يجب أن يكون لدينا أزمة انقطاع"، داعياً وزارة الصحة للتحرك فوراً وتدارك الكارثة المقبلة، مشيراً إلى أنه بعد ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء أصبح سعر الدواء المدعوم من مصرف لبنان الأرخص في المنطقة على الليرة اللبنانية، ما يجعله عرضة للتهريب مثل المحروقات والطحين.

وحذر الأمين من استمرار "شح" الدواء، والذي تسبب منذ بداية الأزمة حتى الآن في إقفال 200 صيدلية، مع إمكان أن يرتفع العدد إلى 1000، أي حوالى 35 في المئة من صيدليات لبنان.

تداعيات كارثية

في موازاة ذلك، علّق رئيس لجنة الصحة النيابية عاصم عراجي على الأزمة الحاصلة، مشيراً إلى أن هناك أدوية مهمة جداً كانت مقطوعة منذ ستة أشهر قبل الإعلان عن النية لرفع الدعم، لاسيما أدوية القلب وغيرها من تلك الأساسية، وقد زاد الطين بلة الحديث عن رفع الدعم.

وينفي التذرع بتباطؤ فتح الاعتمادات لدى المصرف المركزي، إذ بلغ استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية من خلال الاعتمادات حوالى 900 مليون دولار في 2020، موزعة بين 125 مليون للمستلزمات، و775 مليون للأدوية". وأكد أن هذه الأرقام كبيرة جداً، ولا تقل عن العام الفائت سوى بنسبة أربعة في المئة، مشدداً على أنه "لا يجب أن ينتج منه أبداً هذا النقص الحاصل في الصيدليات".

ولفت إلى أن هناك قطبة مخفية في موضوع الدواء واختفائه من السوق، وهناك سبب من اثنين، إما التهريب وإما التخزين، معتبراً أن تهريب الدواء بين لبنان وسوريا يتم عبر الاتجاهين، كما أن هناك تهريباً إلى دول عدة منها العراق وليبيا، وذكر أن 60 في المئة من الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر، وبالتالي فتحرير سعر الدواء سيكون له تداعيات كارثية على المواطنين، مشدداً على أن لجنة الصحة النيابية تسعى مع المصرف المركزي إلى عدم رفع سعر الدواء بشكل كامل، وإنما خفض نسبة الدعم لمعدلات مقبولة.

الصناعة المحلية

وفي السياق، تحاول مصانع الأدوية تفعيل إنتاجها لتغطية الحد الأدنى من حاجة السوق المحلية، وتشير نقيبة مصانع الأدوية كارول أبي كرم إلى تزايد الطلب على أصناف أدوية عادية لدى الصيدليات بنسبة تتراوح بين 40 و60 في المئة، كما أن عدد الصيدليات التي باتت تطلب أدوية من المصانع اللبنانية تضاعف.

ولفتت إلى أنه وفق الأرقام التي تحصّلت عليها من المصرف المركزي، والتي تشير إلى أن دعم الأدوية المستوردة يكلف "المركزي" 717 مليون دولار، فيما دعم الصناعة اللبنانية لاستيراد مواد أولية من الخارج بـ 38 مليون دولار، يعوض نسبة أساسية من الأدوية المطلوبة للسوق المحلية.

يوم الغضب

ورفضاً لرفع الدعم المتوقع عن سلع أساسية ومن ضمنها المحروقات والدواء، دعا الاتحاد العمالي العام في لبنان إلى سلسلة من الإضرابات والتحركات الاحتجاجية والاعتصامات الأربعاء، تحت عنوان "يوم الغضب التحذيري"، تنديداً بالانهيار المالي والاقتصادي الواسع والمتفاقم الذي يشهده البلد، ورفضاً للتوجه نحو رفع الدعم عن السلع والمواد الاستراتيجية.

وقال رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر في مؤتمر صحافي، إن هناك حالاً من الغياب شبه الكامل للدولة اللبنانية والمسؤولين عن التعامل مع الأزمات ومعالجتها، بالرغم من تعرض قطاعات أساسية في البلاد للانهيار، مثل القطاع الصحي والعلاجي، وقطاعي التعليم والسياحة، وفقدان آلاف الوظائف تحت وطأة إغلاق المؤسسات، مشيراً إلى أن خفض سعر صرف الليرة اللبنانية في مقابل الدولار، ورفع الدعم عن الأدوية والمحروقات والقمح والأغذية، من شأنه أن يتسبب في كارثة اجتماعية كبرى، إذ سترتفع الأسعار أربع مرات على الأقل، في حال اعتماد سعر المنصة التي أنشأها مصرف لبنان المركزي، وحدد بمقتضاها سعر الصرف عند 3900 ليرة للدولار، بدلاً من السعر المعتمد عند 1500 ليرة للدولار الواحد.

المزيد من صحة