ملخص
يأمل العلماء خلال الأعوام الخمسة إلى الـ10 المقبلة، بأن تمكنهم خوارزميات الذكاء الاصطناعي من دمج بيانات تتعلق بالمريض وورمه وجهازه المناعي وتركيبته الجينية، لوضع خطة علاجية مخصصة تحدد نوع العلاج المناعي، أو مزيجاً من العلاجات الأكثر ملاءمة وفاعلية لكل حالة على حدة.
لا يزال السرطان يُعد المرض الأكثر إثارة للخوف في العالم أجمع، إذ يبلغ عدد الوفيات الناجمة عنه عالمياً نحو 10 ملايين حالة وفاة سنوياً، وعلى رغم هذه الصورة السوداوية يرى معظم العلماء أن التقدم التكنولوجي في مجال السرطان يمثل ركيزة أساسية لخفض معدلات الإصابة وزيادة متوسط العمر المتوقع وتقريبنا أكثر من التوصل إلى علاج نهائي للمرض.
ولهذا السبب، سيؤدي النهج المبتكر في البيولوجيا الجزيئية مثل أدوات تعديل الجينات والطب النانوي دوراً محورياً في مستقبل علاج السرطان، ومن الممكن أيضاً أن تسهم الطفرات النوعية في علوم الحاسوب، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، في ابتكار طرق جديدة لعلاج هذا المرض.
طفرة في علاج السرطان بسبب الذكاء الاصطناعي
يحقق الباحثون في مجال السرطان تقدماً ملحوظاً باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص الباكر للمرض، وتطوير علاجات جديدة ومنع نمو الأورام السرطانية، وخلال الأعوام الأخيرة أجرى باحثون من جامعة "كيس ويسترن ريزيرف" الأميركية بالتعاون مع مراكز أخرى لبحوث السرطان في ولاية أوهايو، دراسة محدودة لاستكشاف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تحديد ما إذا كان العلاج المناعي يؤدي إلى تحفيز نمو السرطان لدى مجموعة فرعية من مرضى سرطان الرئة.
وأظهرت النتائج أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأشعة المقطعية (CT scans) للأنسجة مكّن من تحديد مؤشرات حيوية، يمكنها التنبؤ بمرضى شملتهم الدراسة وكانوا يعانون سرطان الرئة غير صغير الخلايا، وقد يشهدون نمواً في الورم نتيجة تلقي العلاج المناعي.
ويأمل العلماء خلال الأعوام الخمسة إلى الـ10 المقبلة، بأن تمكنهم خوارزميات الذكاء الاصطناعي من دمج بيانات تتعلق بالمريض وورمه وجهازه المناعي وتركيبته الجينية، لوضع خطة علاجية مخصصة تحدد نوع العلاج المناعي، أو مزيجاً من العلاجات الأكثر ملاءمة وفاعلية لكل حالة على حدة.
تطورات في بحوث السرطان باستخدام الواقع الافتراضي
على رغم أن تقنية الواقع الافتراضي لمرضى السرطان لم تصل بعد إلى مرحلة تُعد فيها علاجاً شافياً، فإنها حققت تقدماً ملحوظاً في إدارة أعراض المرض، ذلك أن هذه التقنية تتيح للمرضى التفاعل مع بيئة محاكية من خلال نظارات خاصة، فيستبدل هذا الجهاز ما يراه المستخدم بمشهد افتراضي، وتتضمن هذه المحاكاة بيئات تبعث على الاسترخاء مثل شاطئ بحري مع أصوات الأمواج والطيور، بينما تقدم أخرى مشاهد تعليمية توضح كيفية تشخيص إصابة مريض السرطان.
وأظهرت دراسة نشرت في دورية "مجلة الفسيولوجيا الخلوية" العام الماضي أن مريضات سرطان الثدي اللواتي استخدمن تقنية الواقع الافتراضي أثناء تلقي العلاج الكيماوي شهدن تحسناً في حالهن المزاجية، ووفقاً للدراسة انغمست المريضات في مشاهد تتضمن عناصر من الطبيعة والحيوانات، مما أدى إلى انخفاض مستويات القلق والاكتئاب والإرهاق لديهن مقارنة بالمريضات اللواتي لم يتعرضن لهذه التقنية أثناء العلاج.
ويشير العلماء إلى أن مثل هذه النتائج تدل على أن الواقع الافتراضي يمكن أن يسهم مستقبلاً في تعزيز الدعم النفسي لمرضى السرطان كعلاج تلطيفي، مما قد ينعكس إيجاباً على فرص النجاة وجودة الحياة.
تقنية النانو كعلاج جديد للسرطان
يتركز دور تقنية النانو في رعاية مرضى السرطان بصورة أساس على استخدام مستشعرات قابلة للزرع، تعمل على إيصال الأدوية المضادة للسرطان بدقة أكبر مقارنة بالطرق التقليدية، وتتضمن تقنية النانو تصميم وإنتاج وتطبيق أجهزة وأنظمة متناهية الصغر، إذ يراوح طول هذه الأجهزة عادةً ما بين نانومتر واحد و900 نانومتر.
قد يكون من الصعب للغاية تصور مدى ضآلة هذه الأحجام، ولكن لتوضيح الصورة لكم ينمو ظفر الإنسان بمعدل نانومتر واحد في الثانية، بينما يبلغ عرض شعرة الإنسان نحو 100 ألف نانومتر، وعام 2022 نشر فريق بحثي في "المعهد الوطني للسرطان" في الولايات المتحدة نتائج عملهم حول علاج مبتكر لورم الظهارة المتوسطة الجنبي يعتمد على استخدام هلام مائي يُرش أثناء الجراحة، ويتضمن هذا العلاج الجديد رش جسيمات نانوية معدلة وراثياً على موقع السرطان، للقضاء على خلايا الورم الباقية بعد العملية الجراحية.
وبدأ العلماء في مركز "ميموريال سلون كيترينغ" الأميركي عام 2019 بتطوير مستشعر حيوي يمكن زرعه داخل رحم النساء الأكثر عرضة لخطر الإصابة بسرطان المبيض. ويعمل هذا الجهاز الذي يُزرع داخل الرحم على تنبيه الأطباء فور رصده لارتفاع في مستويات المؤشرات الحيوية لسرطان المبيض في تلك المنطقة، وفي حال نجاح تطوير هذا الجهاز، فقد يسهم في تحسين التشخيص خلال المراحل الباكرة، ويؤدي إلى تقديم علاجات أكثر تخصيصاً لكل مريض.
تقنية جديدة لمكافحة السرطان تعتمد على الدخان
يُعد جهاز "السكين الذكي" (iKnife) أداة جراحية تستخدم الكهرباء لحرق الأنسجة بدلاً من الاعتماد على الشفرات الجراحية التقليدية، وأثناء عملية الحرق، يقوم الجهاز بجمع الدخان عبر أنبوب خاص وتوجيهه إلى جهاز حاسوبي متطور يعمل على تحديد ما إذا كانت هناك جزيئات سرطانية موجودة في الأنسجة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعام 2021، أُجريت تجربة سريرية حول سرطان الثدي في جامعة "إمبريال كوليدج لندن" البريطانية استُخدم فيها هذا الجهاز على البشر، وأظهرت التجربة أن هذا الجهاز يوفر مزايا عدة، إذ يمكنه الكشف عن الجزيئات السرطانية بصورة فورية تقريباً، بدلاً من انتظار أيام أو أسابيع حتى يتسنى لاختصاصي علم الأمراض تسلّم العينة وتحليلها، وإضافة إلى ذلك، يستطيع الجهاز تحديد أنواع الدهون التي تستخدمها الأورام للنمو، مما يتيح للمرضى معرفة أنواع الدهون التي ينبغي عليهم تجنبها في نظامهم الغذائي.
العلاج باستخدام المجالات الكهربائية
هذه التقنية المعروفة علمياً باسم "أوبتيون"، هي تقنية حديثة ومتطورة لعلاج السرطان باستخدام المجالات الكهربائية، وتطبق هذه التقنية عبر جهاز محمول وخفيف الوزن، يتصل بأربع لاصقات طبية تُثبّت على منطقة الجسم القريبة من الورم، وتقوم هذه اللاصقات بتوليد مجالات كهربائية مترددة ذات شدة منخفضة في المنطقة المستهدفة، مما يؤدي إلى تعطيل عملية انقسام الخلايا الورمية.
وتجري حالياً تجربة سريرية تحمل اسم "ترايدنت" تهدف إلى دراسة مدى قدرة هذه التقنية على تحسين فرص البقاء على قيد الحياة عند استخدامها مع العلاج الإشعاعي وأدوية العلاج الكيماوي، وتشمل التجربة مرضى سرطان الدماغ في مراكز طبية عدة في الولايات المتحدة، من بينها "مايو كلينيك" ومركز "أتش لي موفيت" ومؤسسة "أدفنت هيلث"، وقد تسهم نتائج هذه التجربة السريرية في رسم ملامح مستقبل علاج السرطان، ولا سيما بالنسبة إلى المرضى المصابين بأنواع نادرة أو عدوانية من الأورام.
بيولوجيا السرطان
تُعد بيولوجيا السرطان مجالاً يمكن أن تؤدي فيه التطورات التقنية، سواء في رعاية مرضى السرطان أو في البحوث العلمية، إلى تحقيق طفرة نوعية في علاجات السرطان، وتهتم هذه البيولوجيا بدراسة الخلايا واللبنات الأساسية للحياة، بما في ذلك الحمض النووي، وربما تمكّن العلماء من تفكيك هذه الجزيئات وإعادة تركيبها لأغراض جديدة، ومن الأمثلة على ذلك أدوات تعديل الجينات التي تتيح التلاعب بالحمض النووي للخلايا الورمية، مما يجعلها أقل مقاومة للأدوية المضادة للسرطان.
وعلى رغم أن هذه التطورات في علاج السرطان قد لا تكون ملموسة أو مرئية بوضوح على غرار المستشعرات القابلة للزرع أو الأذرع الروبوتية المستخدمة في الجراحة، فإن العلماء يحدوهم الأمل في أن تقود جهودهم هذه إلى ابتكار علاجات جديدة، أو حتى التوصل إلى شفاء تام من مرض السرطان.
تقنية "كريسبر"
باعتبارها تقنية جديدة محتملة لعلاج السرطان، فإن تعديل الجينات باستخدام تقنية "كريسبر"، وهي أداة ثورية ودقيقة للهندسة الوراثية وتعديل الجينوم، يستغرق أشهراً وحسب، وليس عاماً أو عامين، لتعديل الخلايا التائية وراثياً، مما يعني علاجاً أسرع بكثير للمرضى.
وهذه التقنية تعطي الأمل للمرضى من خلال تحسين دقة العلاج وتقليل خطر عودة السرطان، إذ يستطيع العلماء استئصال جينات مقاومة الأدوية من الحمض النووي للسرطان، وستؤدي هذه النتيجة إلى علاج كيماوي أكثر فاعلية قادر على منع الطفرات من التطور إلى أورام خبيثة شرسة، وتحسين جودة حياة مرضى السرطان، كذلك يستطيع الأطباء استخدام تقنية "كريسبر" لفحص المرضى بحثاً عن طفرات الحمض النووي عالية الخطورة وتعديل الجين المسبب للسرطان.