Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل سيبدأ عصر العملة البلاستيكية؟

تعيش عمراً يعادل خمسة أضعاف عمر نظيرتها الورقية

سيدة تستخدم بطاقتها لدفع الفاتورة في أحد مطاعم ميلانو في إيطاليا (رويترز)

كانت النقود في زمن المقايضة والمبادلة هي البضائع نفسها، ثم تحولت إلى قطع من الجلد والأصداف والأخشاب قبل أن يتم سكها من المعادن الثمينة، كالذهب والفضة، إلى أن تحولت إلى أوراق مصنوعة من القطن والكتان، وهي الأوراق النقدية التي ما زالت متداولة في أكثر دول العالم حتى اليوم. في القرن الـ 13 أبلغ ماركو بولو أوروبا، عن استخدام العملات الورقية في الصين بدلاً من العملات المعدنية المكلفة والثقيلة الحمل، فأصدر بنك ستوكهولم أقدم الأوراق النقدية الورقية الحديثة في أوروبا في عام 1661. وهكذا انتقل البشر من عصر نقدي إلى آخر.

بطاقات الائتمان

بعد ثورة عالم الاتصالات والإنترنت، وفي زمن العولمة وانفتاح الأسواق العالمية على بعضها، في ما سمي "القرية الكونية" ظهرت البطاقات البلاستيكية، كبطاقات الائتمان، وكان الهدف منها أن تحل محل النقود الورقية. وقد أقيمت حملات دعائية كبيرة منذ خمسينيات القرن الماضي من أجل ترويجها كنوع جديد من النقود، أو كبديل (عن النقود) سهل الحمل، يمكن أن تشتري بواسطتها ما تشاء، وبها يمكنك التعامل مع الأموال بأمان أكبر وتتخلص من الخوف من السرقة. فما عادت هناك حاجة لحمل كدسة من النقود أينما ذهبت وحللت. نجحت هذه الدعاية في الترويج للبطاقات البلاستيكية، وباتت منتشرة انتشاراً كبيراً في أنحاء العالم، ولكنها لم تتمكن من أن تحل محل النقود الورقية، فما زال الناس في مختلف المجتمعات الاقتصادية يحتاجون إلى التصرف بالنقود الورقية في تعاملاتهم اليومية البسيطة. ومازال أكثرية المودعين في البنوك يستخدمون هذه البطاقات لسحب المال الورقي من الصراف الآلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العملة البلاستيكية قادمة

منذ سنوات عدة، لجأت بعض الدول إلى استخدام نوع جديد من النقود المصنوعة من البوليمر الشبيه بالبلاستيك، ومن الدول العربية تستعد مصر لمواكبة التطور التكنولوجي الذي تشهده طباعة النقود في العالم، من خلال إصدار عملة بلاستيكية خلال هذا العام (2020)، أسوة بدول عديدة تتعامل بهذا النوع من العملات، مثل بريطانيا وكندا وأستراليا.

وحين طرح على المصرف المركزي البريطاني سؤال، "لماذا نصدر أحياناً أوراقاً ورقية بتصميم جديد"؟، أجاب مدير المصرف، بأنه على الرغم من انخفاض استخدام العملة الورقية، إلا أننا نتوقع أن تظل وسيلة للتبادل المالي في المستقبل المنظور. لكن السبب الأساسي الذي يدفع المصرف المركزي البريطاني إلى إصدار العملة البلاستيكية هو اكتشافه مبالغ طائلة من الجنيهات الإسترلينية المزورة سنوياً. فقرر اختيار نوع من العملة التي يصعب جداً تزويرها. فأصدر الورقة النقدية الجديدة بقيمة خمسة جنيهات إسترلينية في سبتمبر (أيلول) 2016، والعملة الجديدة من فئة 10 جنيهات إسترلينية بعد عام من العملة البلاستيكية. أما الورقة النقدية الجديدة من البوليمر بقيمة 20 جنيهاً إسترلينياً ستخرج للتداول في عام 2020.

ميزات كثيرة

عادة ما تحتوي الأوراق النقدية المصنوعة من البوليمر على ثلاثة مستويات من الأمان. يمكن لحاملها أن يتعرف بسهولة على أجهزة الأمان الأساسية، ومنها النقش الغائر والشرائط المعدنية والمساحات الشفافة من الورقة النقدية. ويمكن اكتشاف أجهزة الأمان الثانية بواسطة أدوات مصنوعة لهذه الغاية كتلك التي تكشف الدولارات المزورة اليوم، مثل الأشعة فوق الحمراء وأنواع معينة من الحبر. لكن لا يمكن اكتشاف أجهزة الأمان من الدرجة الثالثة إلا من قبل سلطة الإصدار عند إرجاع الأوراق. وهذا ما يجعل تزويرها أصعب من تزوير الأوراق النقدية.

وعملة البوليمر البلاستيكية أقل وزناً من الورق، لذا فإن نقلها وتوزيعها أسهل. وهي محافظة على البيئة، ففي نهاية دورة حياة الورقة النقدية يتم تمزيقها ورميها في مكب النفايات، ولكن عملة البوليمر ستتم إعادة تصنيعها وتحويلها واستخدامها، لصنع أدوات بلاستيكية مختلفة الأنواع. وهذا ما سيؤدي إلى حماية البيئة، وإلى التخفيف من انبعاثات الكربون بنسبة كبيرة.

وتتميز عملة البوليمر بسهولة الاستعمال في الصراف الآلي، كما يمكن وضعها بسهولة في المحافظ، ويسهل استخدامها في الأجهزة الآلية المصممة لعد النقود.

ومن المميزات أيضاً عنصر النظافة والفيروسات خصوصاً بعد تفشي فيروس كورونا، فالنقود الورقية تتسخ بسهولة. ومن المعروف أنها تحتوي على آثار من الإفرازات البشرية والأوساخ والفيروسات والبكتيريا بسبب تنقلها من يد إلى يد لفترات طويلة، فيختزن سطحها الخشن في طياته كل المخلفات التي لا تخطر على بال. بينما تكون النقود المصنوعة من البوليمر أكثر نظافة وأقل عرضة لاستضافة عدد كبير من البكتيريا والفيروسات، ويمكن تنظيفها بسهولة بواسطة الماء أو المنظفات، وهي تعيش عمراً يعادل خمسة أضعاف عمر العملة الورقية، ما يخفف من تكاليف طباعة العملة على خزينة الحكومات وعن كاهل دافعي الضرائب.

الإيجابيات كثيرة، ولكن لعملة البوليمر سلبيات أيضاً، على رأسها أنه يمكن أن تتلاشى ألوانها، وهذا ما حدث في جمهورية نيجيريا، التي عادت إلى النقود الورقية بعدما بدأت ألوان العملات تبهت، ما دفع البائعون إلى رفضها. ومن سلبياتها أنها صعبة الطي، وأنها تصبح لزجة حين تتبلل أو في الأماكن الرطبة، فتلتصق العملات ببعضها.

دول تستخدمها

وكانت أستراليا السباقة إلى التداول بعملة البوليمر أو العملة البلاستيكية، وكانت سباقة في طباعتها وإصدارها، بعدما نجحت التجارب المخبرية التي أشرفت عليها مختبرات الجامعات الأسترالية بدعم من الحكومة والمصرف المركزي، ثم اعتبرت صناعة أستراليا للأوراق النقدية ثورة في عالم صناعة الأموال، وباتت تصدر هذه العملات إلى حوالي 20 دولة، منها تشيلي ورومانيا وتايلاند ونيوزلندا وفيتنام وسلطنة بروناي وبابوا غينيا الجديدة، وكانت أستراليا أولى الدول التي استخدمت العملة البلاستيكية وألغت الورقية تماماً في العام 1996.

وتستخدم دول أخرى العملة البلاستيكية جنباً إلى جنب مع العملة الورقية، ومنها بريطانيا والمكسيك وروسيا، وهي دول لم تلغِ استخدام العملة القديمة بشكل نهائي حتى الآن.

العملة النقدية عبر التاريخ كانت تشبه زمنها، وحاجاته وتطوره وإمكاناته، فانتقلت من البضائع إلى المعدن إلى الورق. فهل نحن على أبواب انقراض العملة النقدية الورقية لصالح العملة البلاستيكية؟