Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فن الفيديو الحديث مُهمّش عربيا ويحتاج إلى التوثيق

المناهج الأكاديمية العربية لا تدرّس نظريات هذا الفن وتاريخه والمؤسسة الرسمية غائبة عنه

فن الفيديو الرائج عالميا (غيتي)

على الرغم من حضوره وتأثيره عالمياً منذ ستينيات القرن الماضي كأحد الوسائط الفنية المعاصرة، إلا أن انتشار فن الفيديو في المنطقة العربية جاء متأخراً، وعلى فترات متفاوتة خلال العقود الثلاثة الماضية فقط. كان حضور هذا الوسيط الجديد مربكاً للكثيرين في بادىء الأمر، وقد قوبل كغيره من الوسائط الجديدة بمحاولات مرتبكة للتصنيف والفهم. تقبل البعض هذا الوسيط ورفضه آخرون، وهو إلى اليوم لا يزال مثاراً للسجال، ويعاني أيضاً من التهميش الرسمي. فأعمال الفيديو تفتقد إلى الأرشفة والتوثيق الممنهج، ويتم تجاهلها عادة في عمليات الاقتناء والدعم. وعلى الرغم من شيوع هذا الفن وانتشاره في التجارب العربية المعاصرة، إلا أن المكتبات العربية لا تزال تعاني من نُدرة المراجع المتخصصة في هذا المجال، أو أي أرشفة احترافية له، ما يمثل عقبة لأي باحث في تاريخ هذا الفن على المستوى العربي.

في كتابه "متحف الفيديو" الصادر أخيراً عن دار المحروسة للنشر في القاهرة يتتبع الفنان والباحث المصري أحمد شوقي حسن تاريخ فن الفيديو في مصر، راصداً بدايات ظهوره في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. يتتبع الكتاب الذي حظي بدعم من المنظمة العربية للفنون والثقافة (آفاق) حالة الجدل المثارة وقت ظهور أعمال الفيديو الأولى في مصر، من حيث تقبلها وتصنيفها وتعريفها، وعلاقتها كذلك بالسينما والفن التشكيلي، ويرصد ردود الأفعال والأحكام الحادة والمتناقضة أحياناً في توجهاتها إزاء هذا الفن وغيره من الممارسات المعاصرة الأخرى.

يمثل الكتاب رحلة بحث شاقة خلف تواريخ وأحداث غائمة وخافية عن البعض نتيجة عدم الاهتمام بتوثيقها من ناحية، أو تهميشها من قبل الفاعلين الرسميين وغير الرسميين على الساحة الفنية المصرية. يتكون الكتاب من ستة فصول تتضمن مقابلات مع شخصيات عدة كان لها علاقة ببدايات ظهور هذا الفن في مصر. في الفصل الثاني من هذا الكتاب يذهب المؤلف إلى أن التمهيد لفن الفيديو في مصر قد ارتبط إلى حد كبير بالصورة التليفزيونية، فهي التي مهدت عقلية المشاهد لتقبل الصور المتحركة المصنوعة خارج الإطار والنسق الرسمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمثلة تلفزيونية

صانع الأفلام المصري شريف العظمة كان أحد الأشخاص الذين استشهد بهم المؤلف في كتابه. تطرق الحوار بين مؤلف الكتاب وشريف العظمة إلى أمثلة تلفزيونية أثرت كما يقول على نحو غير مباشر في تطور فن الفيديو في مصر. بين هذه الأمثلة مثلاً يأتي الكتاب على ذكر أحد البرامج الترفيهية الشهيرة التي عُرضت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وهي "فوازير فطوطة" للممثل الكوميدي سمير غانم، والتي ظهر فيها بهيئة قزم يرتدي بذلة خضراء وحذاءً أصفر كبيراً.

مبعث التميز والفرادة التي يمثلها هذا البرنامج الترفيهي هنا ليس حبكة الخدعة أو طبيعتها، فالتقنية المستخدمة في هذه الخدعة والمعروفة بـ "الكروما" قد استخدمت كما يقول، بطرق أكثر بدائية في صناعة السينما خلال النصف الأول من القرن المنصرم، بهدف إيجاد حلول أكثر منطقية لمشكلة ظهور الشبيه أو الأخ التوأم. كان الاختلاف بين هذه النماذج وفوازير فطوطة كما يقول المؤلف هو اعتياد فهم المشاهد للسياق السينمائي كطقس يحمل طابعاً سحرياً وخيالياً، على عكس التليفزيون، الذي طالما تم التعامل معه على على نحو أقرب إلى الرسميات الاجتماعية. وكان هذا البرنامج وغيره من البرامج الترفيهية التي ساهمت في كسر هذه الصورة الرصينة نوعاً ما أشبه بعملية تمهيد لعقل المشاهد، أدت لتقبله أعمال الفيديو فيما بعد، خاصة أن التليفزيون يمثل وسيلة أكثر انتشاراً ومرونة من السينما.

يقول الفنان والباحث أحمد شوقي حسن أنه حينما تطلع إلى إنتاج هذا الكتاب لم يكن مولعاً فقط بسرد قصة قد تبدو مثيرة عن تاريخ مجهول، أن دافعه الأكبر هو محاولته فهم موقعه كفنان لجأ إلى الفيديو كوسيط مرن، لم يدرسه والكثيرون مثله من الفنانين والفنانات ممن يستخدمونه في مصر. وأصبح ذلك الوسيط جزءاً من الممارسات الفنية، بالإضافة إلى دوافع أخرى نتجت عن تقاطعات اهتمامه بالبحث والكشف والاستقصاء عن تاريخ الفن خارج سياق أطروحته الرسمية، وخصوصاً من موقع فنان لا يعزل تلك الدوافع عن ممارسته الفنية. أو بصورة أخرى؛ رغبة منه في السعي وراء إمكانية سرد روايات مجهولة عن تاريخ غير رسمي اكتشف أنه محاصر بسلطة الرواية الرسمية والمؤسسية لتاريخ الفن.

يخلص الكتاب إلى افتقاد العالم العربي وجود قاعدة عامة حتى الآن توفر للفنانين الحد الأدنى من المعرفة بفن الفيديو، على الرغم من وجود العشرات من الممارسين العرب الذين استطاعوا الوصول إلى مكانة في المشهد الفني المعاصر المحلي والدولي. ويشير المؤلف كذلك إلى خلو المناهج الأكاديمية المُتخصصة في مصر والبلدان العربية من أي برامج لتدريس نظريات هذا الفن وتاريخه، هذا إضافة لتهميشه من قبل المؤسسة الرسمية. فليس هناك سعي مثلاً كما يقول للمحافظة على استدامته ورعايته، هذا على الرغم من حاجة هذا الفن تحديداً إلى الرعاية والاهتمام. فهو فن لا تتوافر له حظوظ السينما من حيث آليات إنتاجها، ولا يحظى بالقبول في سوق الفن المحلي كاللوحة والتمثال.

 

المزيد من ثقافة