Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غبار في أفق مسار شرق السودان

تسييس نظام الإدارة الأهلية طريق ملكي لخراب السياسة والقبيلة معاً

ثمة أمل لتسوية ما في المؤتمر القومي لشرق السودان (غيتي)

بعد زيارة وفد "الآلية التنسيقية لعمد ونظار قبائل بني عامر" لدار حزب الأمة الأسبوع الماضي، في خطوة بدت موازية لخطوة المجلس الأعلى لنظارات البجا بقيادة ناظر الهدندوة محمد محمد الأمين ترك في شهر أغسطس (آب) الماضي، ثم بعد لقاء وفد الآلية بنائب رئيس حزب الأمة اللواء فضل الله برمة ناصر، ومخاطبة الصدِّيق الصادق المهدي للوفد، صدر بيان مشترك بين الآلية وحزب الأمة بدا يفهم من لهجته أن ثمة توافق بين "الآلية التنسيقية لعمد ونظار قبائل بني عامر" وحزب الأمة على قبول حل توافقي بخصوص أزمة والي كسلا صالح عمار، ما أدى إلى ردود فعل غاضبة في وسائل التواصل الاجتماعي. ومما فهمه مؤيدو الوالي صالح عمار من ذلك البيان بدا كما لو أنه قدم تنازلاً من طرف الآلية، الأمر الذي دعا أحد خطباء الآلية لتصحيح ما فهم خطأ، وأكد أمام الملأ في دار حزب الأمة بعد خطبة ضافية جاء في نهايتها، أن صالح عمار خط أحمر.

هذا الحراك الذي تخوضه "آلية تنسيقية عمد ونظار قبائل بني عامر"، وهي جسم مواز للمجلس الأعلى لنظارات البجا الذي يقوده الناظر ترك، يبدو أنه امتداد لطبيعة تتوازى فيها الأجسام غير السياسية في الاضطلاع بأعمال السياسة، امتداداً للمناخ السياسي الذي أدخل فيه نظام عمر البشير قبائل شرق السودان في ما سمي بنظام تسييس الإدارة الأهلية.

بدا حراك كل من "الآلية التنسيقية لعمد ونظار قبائل بني عامر" و"المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة" السياسي بديلاً للأحزاب السياسية المناطقية في شرق السودان، تلك الضعيفة والمفتتة في تعبيرها عن الطرفين البجاويين، ونقصد بذلك فروع حزب مؤتمر البجا (الجسم السياسي التاريخي الأول للبجا جميعاً) بأقسامه المتشظية إلى خمسة أحزاب، وكذلك حزب التواصل الذي انقسم إلى قسمين. فكل هذه الأحزاب البجاوية تبدو اليوم أقل زخماً وجاذبية من "الآلية التنسيقية لعمد ونظار قبائل بني عامر" و"المجلس الأعلى لنظارات البجا" في مشهد فريد يعكس إلى أي مدى أصبح الوضع محتقناً في شرق السودان.

ألعاب السياسة وفق هذه الأجسام القبائلية بين البجا في شرق السودان ستخصم كثيراً من السياسة باعتبارها تدبيراً للشأن العام، لا يقصي أي مكون في مدن شرق السودان وبلداته التي تضم كثيرين من أهل السودان من غير البجا.

وإذا ما بدا أن لجوء الناظر ترك ناظر الهدندوة، إلى دار حزب الأمة طلباً للدعم في حملته ضد والي كسلا صالح عمار مفهوماً نظراً للولاء التاريخي للهدندوة، خصوصاً أسرة الناظر ترك، إلى حزب الأمة، وهو ولاء يمتد في التاريخ إلى عهد الثورة المهدية، فإن ما ليس مفهوماً هو لجوء "الآلية التنسيقية لعمد ونظار بني عامر" لدار حزب الأمة، الأمر الذي يكشف لنا الاختلال الذي حدث في المعادلة التقليدية لأحزاب المركز في شرق السودان. إذ كان بني عامر والحباب، حلفاء تاريخيين للحزب الاتحادي الديمقراطي برعاية السيد محمد عثمان الميرغني، وهو حلف أيضاً يمتد إلى الولاء التاريخي لبني عامر للسيد محمد عثمان الميرغني الكبير الذي عاصر المهدي، وكان بنو عامر من أشرس المدافعين عن ضريح السيد الحسن الميرغني في الختمية بكسلا في وجه الهدندوة أتباع عثمان دقنة، إبان الثورة المهدية، ووقعت بينهم وقائع وحروب لم يذكرها التاريخ الرسمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الوضع الذي بدا عليه شرق السودان على خلفية الصراع حول والي كسلا، ربما سيبدو مختلفاً في منتصف الشهر القادم أكتوبر (تشرين الأول)، بعد سريان بنود اتفاقية مسار الشرق التي تم توقيعها في فبراير (شباط) الماضي، تحت مظلة الجبهة الثورية بين كل من الحكومة السودانية من جهة، والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة بقيادة خالد شاويش، ومؤتمر البجا المعارض بقيادة أسامة سعيد من جهة ثانية. ذلك أن من نصيب التنظيمين الموقعين على مسار الشرق أن تكون لهما حاكمية ولاية من ولايات الشرق الثلاث (البحر الأحمر – كسلا – القضارف) ونائب وال في ولاية أخرى من الولايات المذكورة.

المجلس الأعلى لنظارات البجا بقيادة الناظر محمد الأمين ترك كان ولا يزال رافضاً لمفاوضات جوبا ونتائج اتفاقية مسار الشرق، الأمر الذي سيعني أن ثمة غبار لصراع يلوح في الأفق بين أي والٍ (من غير الوالي الحالي لكسلا) يأتي به المسار إلى كسلا، وبين المجلس الأعلى لنظارات البجا!

ثمة أمل لتسوية ما في المؤتمر القومي لشرق السودان الذي أعلنت عنه مصفوفة استكمال مهام المرحلة الانتقالية، والذي سيتم فيه استيعاب كل ما أغفلته اتفاقية شرق السودان من بنود، ما سيعطي فرصة جديدة لأنصار المجلس الأعلى لنظارات البجا في السعي إلى تسوية معقولة.

خطورة تسييس نظام الإدارة الأهلية أنه طريق ملكي لخراب السياسة والقبيلة معاً. فمن ناحية لا يمكن لخبرة القبيلة وتقاليدها القديمة في المجال الخاص وعلاقاتها البينية القائمة على صلة الدم والنسب وتوقير شيخ القبيلة، باعتباره رمزاً للإجماع، أن تكون معياراً لفهم أسباب قضايا السياسة (الشأن العام)، بالتالي لن تنجح في مجال السياسة ذات العلاقات المتغيرة والمصالح المتحركة والدروب الشائكة والاختلاف في الرؤى القابلة للنقد والنقد المضاد حول شخص رئيس الحزب وسياساته. ومن ثم فإن الاختلاف السياسي حين يكون مجالاً لنظم إدراك قبائلية، فإن نتيجته لن تكون قبول الاختلاف كرأي ورأي آخر، بل تكون مجالاً للتوترات العصبية التي ليس لها استعداد لفهم الأسباب الزمنية والموضوعية في محل الاختلاف، بل لها قابلية الاستنفار القبلي والاستجابة للتحفيز العاطفي والرمزي في أي صراع ذي طبيعة سياسية زمنية، وصراع كهذا بالضرورة سيسقط قوالبه التقليدية الخاصة في كافة القضايا التي يقاربها سياسياً. وسيكون صراعاً بلا أفق تسيل فيه دماء أبرياء كثيرين.

المزيد من آراء