Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا لاح "فجر اليمن" من الصين قبل 2300 عام

نجاحات العملية الجارية حول باب المندب تتسق ورؤية الخبير العسكري الصيني الأقدم صن تزو وكتابه المؤسس "فن الحرب"

الحقيقة هي أن ما جاء على ذكره صن تزو يبقى قابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان (اندبندنت عربية)

ملخص

قد يبدو الجواب بداية مثيراً، وربما سلبياً، ومرد ذلك إلى البون الشاسع بين حروب زمن الاستراتيجي العسكري الصيني المعروف صن تزو، وبين حروب حاضرات أيامنا. ففي زمانه كانت السيوف والرماح والنبال، وكذا العجلات الحربية، هي أدوات الصراع العسكري، وهو أمر يختلف كثيراً جداً عما نراه اليوم من طائرات مقاتلة، وأقمار اصطناعية توفر تفاصيل أرض المعركة، وعديد أنواع الأسلحة الحديثة المتقدمة.

هل يمكن لكتاب بعينه، مهما بلغت أهميته، كتب قبل نحو 2500 سنة، أن يساعدنا في فهم عملية عسكرية تجري في الوقت الراهن، أي عملية "فجر اليمن"، التي تهدف إلى القضاء على جماعة الحوثي، أحد الأذرع الإيرانية في دولة اليمن، التي باتت تشكل نوعاً من ميليشيات إرهابية تهدد أمن وسلامة المنطقة برمتها؟

قد يبدو الجواب بداية مثيراً، وربما سلبياً، ومرد ذلك إلى البون الشاسع بين حروب زمن الاستراتيجي العسكري الصيني المعروف صن تزو، وبين حروب حاضرات أيامنا. ففي زمانه كانت السيوف والرماح والنبال، وكذا العجلات الحربية، هي أدوات الصراع العسكري، وهو أمر يختلف كثيراً جداً عما نراه اليوم من طائرات مقاتلة، وأقمار اصطناعية توفر تفاصيل أرض المعركة، وعديد أنواع الأسلحة الحديثة المتقدمة.

 لكن الحقيقة، هي أن ما جاء على ذكره صن تزو يبقى قابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان، والسبب الرئيس هو أن جوهر الحروب واحد، ولا يتغير بتغير الزمان أو المكان.

إليك على سبيل المثال لا الحصر:

الأسلحة تتنوع وتتشكل، لكن الجغرافيا تظل كما هي ثابتة، ويقال إنها ظل الله على الأرض.

تبدو مسألة التواصل وسرعة الاتصالات متغيرة من حقبة إلى أخرى، لكن في كل الأحوال تظل المعلومات هي القيمة التي لا غنى عنها في أية حرب.

قد تشهد المعارك الحديثة نوعيات متقدمة من القنابل، لكن يظل السؤال الأهم: أين تلقى؟ وعلى ماذا تلقى؟

الجيوش بدورها قد تقطع آلاف الكيلومترات في ساعات، لكن تظل مشكلة الإمداد والتموين والتمركز والسيطرة على الأرض هي الأهم عبر التاريخ.

من هنا تأتي أهمية قراءة عملية "فجر اليمن" في ضوء فصول كتاب "فن الحرب"، لكن لا بد أولاً من التساؤل: من هو صن تزو؟ وما هي أبعاد هذا الكتاب العمدة؟ وكيف يمكن تطبيق سطوره على العملية التي أعلنها في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري الرئيس اليمني رشاد العليمي، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين، بعد الانتقال في اليوم السابق من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة العمليات العسكرية؟

عن صن تزو وكتابه

"فن الحرب" ليس عنواناً على غلاف كتاب فحسب، بل هو روح تسري قبل 2300 عام حين وضع الفيلسوف العسكري الصيني صن تزو عصارة فكره وخلاصة تجربته وعظيم خبرته بين دفتي كتابه من خلال 6 آلاف مقطع مركز ودقيق، حتى إن بعضهم في الغرب أطلق عليه "الكتاب المقدس للدراسات العسكرية".

يقع الكتاب في 13 فصلاً، كل فصل مكرس لإحدى خصائص الحرب، واعتبر الكتاب لفترة طويلة مرجعاً كاملاً للاستراتيجيات والوسائل العسكرية، إذ كان له تأثير ضخم في التخطيط العسكري.

 

ترجم الكتاب في أوروبا قبل 200 عام، ولعب دوراً في التأثير في نابليون، وهيئة الأركان العامة الألمانية، وحتى في تخطيط عملية "عاصفة الصحراء" عام 1990، ويقال إن إدارة الرئيس بوش الأب وقتها حرصت كل الحرص على أن يحمله كل جندي ذاهب إلى حرب تحرير الكويت بعد الغزو الصدامي البغيض، لقراءته وتعلم استراتيجيات حرب جديدة منه، وكان الكتاب ملهماً لزعماء عالميين مثل ماو تسي تونغ.

أما عن صن تزو، فتخبرنا المخطوطات الصينية أنه كان مواطناً وجندياً في مملكة تشي (وتشي تساوي الصين، ومنها اشتقت China). وبسبب خبرته في فنون الحروب والقتال، وذيوع صيته في أرجاء الصين الشاسعة، طلب منه الملك أن يضع خلاصة خبرته وتجاربه في كتاب، فكان "فن الحرب".

انطلق الكتاب إلى خارج الصين ليقتحم اليابان على أيدي فرسان الساموراي، ثم خارج القارة الآسيوية على يد أحد رجال الدين الفرنسيين عام 1772، الذي قام بترجمته إلى الفرنسية، وبعد ذلك توالت الترجمات إلى اللغات الأجنبية.

وحين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، ارتفعت أصوات عدد من الخبراء العسكرين بأن كثيراً من المذابح الرهيبة التي وقعت أثناء الحرب العظمى كان يمكن تجنبها لو كان "فن الحرب" بين يدي القادة ومتخذي القرار.

"فجر اليمن" في مرآته

يمكن بداية القطع بأن عملية "فجر اليمن" لا تمثل مجرد غارات جوية على المناطق التي يوجد فيها الحوثي وجماعته، بل إنها تعبر عن مرحلة جديدة من بسط سلطة الدولة المعترف بها قانونياً ودولياً على التراب الوطني اليمني كافة، لاستعادة الأراضي التي بسط الإرهابيون سطوتهم عليها، وفيما يتم الهجوم الواسع فإن الغطاء الجوي للسعودية يدعم من السماء هذه المعركة العادلة.

ولعل من نافلة القول الإشارة إلى أن هذا الهجوم الشامل الناجح لم يكن وليد لحظة انتقائية واحدة، ولم يبدأ من الصفر، فقد جرت عملية استعداد وتمهيد عريضة تزامنت مع التصعيد العسكري للشرعية منذ يوليو (تموز) الماضي، ثم بدأت الاستعدادات تأخذ وضع الهجوم في سبتمبر (أيلول) الماضي، لا سيما في مناطق تعز والساحل الغربي وباب المندب.

كتب رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن رشاد العليمي، عبر صفحته بمنصة "إكس"، يقول "بعون الله وإرادة شعبنا وبسالة قواتنا المسلحة والتشكيلات العسكرية كافة، ودعم أشقائنا وأصدقائنا، سيمضي اليمن نحو فجر جديد من الحرية والسلام والاستقرار".

 

بدأت ملامح نجاح العملية العسكرية الممتدة تتضح مع الساعات الأولى من الهجوم، لا سيما بعد تدمير 324 هدفاً عالي القيمة، بجانب الأهداف المتحركة، كما نجحت "قوات العمالقة" و"درع الوطن" في السيطرة على باب المندب ومنطقة ذوباب، وقطعت الطريق بين ذوباب والمخا، وأحكمت السيطرة النارية عليه، مما أسفر عن حصار مئات الحوثيين، وهرب مثلهم عبر القوارب إلى البحر بعد حصارهم.

كان من الواضح منذ الساعات الأولى للعملية أن النجاحات المتحققة في مختلف الجبهات تعكس مستوى الاستعداد والتنسيق بين القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية كافة، والإسناد الفاعل من تحالف دعم الشرعية.

 في الوقت نفسه، كان العليمي يدعو "المغرر بهم في صفوف الحوثيين إلى اغتنام الفرصة، لإلقاء السلاح والتوقف عن القتال والعودة لأهلهم وطنهم".

يمكن وصف هذه العملية العسكرية بأنها "المعركة الحقيقية للسيطرة على باب المندب"، أهم موقع يسمح بالتحكم في هذا الممر المائي الذي كان ولا يزال من أهم نقاط المرور ذات التأثير في الاقتصاد العالمي، سواء كان ذلك متعلقاً بتصدير النفط، أم بحركة التجارة العالمية.

هنا ربما ينبغي علينا الإشارة إلى أن معركة باب المندب ليست يمنية داخلية فقط، وإنما معركة جيوسياسية أممية، انطلاقاً من الأهمية القصوى للممر، وهو أمر ترسخت أهميته أخيراً، بعد المخاوف التي سادت من احتمال سيطرة الحوثيين عليه ومحاولة فرض إرادتهم، بالتالي ارتهان حركة الملاحة لنواياهم ورؤى من يقوم بتحريكهم كبيادق على خريطة الشطرنج الإدراكية.

هل يمكن قراءة علمية "فجر اليمن" في ضوء مقررات ومقدرات العسكري الصيني الأشهر صن تزو وما جاء في كتابه العمدة "فن الحرب".

قبل بدء المعركة

من أهم الكتابات في "فن الحرب" تلك المتعلقة بمعرفة العدو ومعرفة الذات، قبل الانطلاق في أية معركة.

"اعرف عدوك واعرف نفسك تستطيع أن تخوض 100 معركة من دون المجازفة بهزيمة واحدة، وحين تكون جاهلاً بالعدو، وعارفاً بنفسك، فإن فرص النصر والهزيمة تكون متساوية، أما إن كنت جاهلاً بعدوك وجاهلاً بنفسك، فمن المؤكد أنك ستهزم في كل المعارك هزيمة نكراء".

كيف لنا أن نقيم معركة "فجر اليمن" في ضوء هذا المدخل؟

المؤكد أن التجهيزات العسكرية التي جرت قبل انطلاق المعركة، وفرت للقوات المتقدمة براً وجواً معرفة كافية بقوة الحوثيين على الأرض، من خلال العيون الاستخبارية وأجهزة الرصد والتنصت ونجاحات الحرب الإلكترونية، وجميعها قادت جهودها القوات المسلحة السعودية، لكن ماذا بالتفصيل عن تلك النقاط؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 يمكننا القطع بأن مواقع ومواضع مراكز القيادة الحوثية كانت الهدف الأول لأكثر من 100 طائرة هجومية سعودية من أحدث النوعيات الفتاكة، مما جعل الخسارة ساحقة ماحقة.

 بالقدر نفسه توافر لقوات عملية "فجر اليمين" معرفة دقيقة بمخازن الصواريخ والمسيرات الحوثية، التي كثيراً ما أزعجت الجوار الإقليمي.

 خلال مرحلة التخطيط للعملية منذ يوليو (تموز) الماضي، قدر للمخططين من القادة العسكرية دراية واسعة بخطوط إمدادات الحوثي، وأين توجد احتياطاتهم، وما هي الطرق المحتملة لهربهم، وكيفية قطع الطريق عليهم، حتى لا تقود المواجهة إلى استنزاف.

من هذا المنطلق كان قرار عملية "فجر اليمن" استناداً إلى معرفة كافية بالعدو، ومن يقف خلفه، وعليه كما يقول تزو لم تكن هناك حاجة إلى الخوف من نتائج 100 معركة، لا معركة واحدة.

مرحلة التخطيط للحرب

في "فن الحرب" لا يبدأ صن تزو المعركة من عند لحظة إطلاق النار، بل من مرحلة المعرفة، فالقرار العسكري السليم في منقطة جغرافية ما يقوم على معرفة طبيعة الخصم ومصادر قوته وضعفه وبيئته الجغرافية وطرق إمداده وقدرته على المناورة، والأهم ما الذي يتوقعه منك؟ وما الذي لا يتوقعه؟

يؤكد  تزو أنه في حال الصراع المسلح، على الرجل (القائد) الارتكاز على عاملين حاسمين، هما ملكتا العقل والفضيلة، لأنهما إذا استخدمتا بصورة صحيحة تؤديان إلى النصر.

هنا، وبالنظر إلى واقع  "فجر اليمن" يمكن بداية القطع بأنه ما من دولة لديها معرفة تكاد تكون شاملة عن اليمن واليمنيين، وعن الحوثي والحوثيين، كما السعودية التي خاضت محاولات شتى لتقويم مسارات الحوثي وثنيهم عن "طرقات الهلاك"، غير أنهم في كل مرة كانوا يتنكرون لما تم الاتفاق والتوقيع عليه.

 

ولم تكن عملية "فجر اليمن" رغبة في الانتقام أو إلحاق الأذى باليمن، بل إن الفضيلة كانت طريقاً للنصر، وهو ما تجلى في إتاحة الفرصة واسعة للذين يلقون بسلاحهم ويعودون عن مسارات الفكر الميليشياوي، من دون أدنى رغبة في استمرار سفك الدماء.

في "فجر اليمن" لم تكن قيمة معرفة العدو في معرفة ما يملكه فقط، بل في إدراك كيف يفكر، وكيف سيقاتل، وكيف يمكن أن يتغير بعد الضربة الأولى، فالمعركة التي تبدأ بالمعلومات الجيدة تكون قد قطعت شوطاً من طريقها قبل أن تبدأ النار.

ومع تطور القتال، يتبين أن المعرفة الأولية للقوات المسلحة اليمنية المدعومة من السعودية لا تعني أن كل شيء يصبح قابلاً للتنبؤ، فالحرب في فلسفة صن تزو تتسم بالتغير المستمر، لذلك فإن المعلومات التي جمعت قبل المعركة يجب أن تتحول إلى معرفة متجددة أثناء المعركة.

قوة الجغرافيا في المواجهة

يعتبر صن تزو أن القائد الماهر لا يخوض الحرب في المكان الذي يختاره خصمه، وإنما يسعى إلى إجبار الخصم على القتال في ظروف جغرافية ونفسية ولوجستية تخدمه هو.

من هنا، يمكن أن تصبح الجغرافيا في اليمن ذات طبيعة مزدوجة، إذ قد تمنح الحوثيين بعض المزايا الدفاعية الوقتية التي لن يقدر لها الاستمرار طويلاً، لكن على الجانب الآخر تفتح الباب واسعاً أمام القوات الشرعية ومن يدعمها لجعل تلك النقاط أدوات استنزاف ضد الميليشيات المتمردة.

جبال اليمن تمنح المدافع قدرة كبيرة على التخفي والتحصين والمناورة غير المتناظرة، لكن صن تزو لا ينظر إلى الجبل باعتباره ميزة مطلقة، فالتضاريس التي تحمي قوة ما يمكن أن تصبح أيضاً قيداً عليها إذا حوصرت طرق الإمداد أو عزلت عن بعضها بعضاً.

هنا يبدو واضحاً القول إن اليمن ليس ساحة عمليات محدودة الرقعة، بل مجالاً متسعاً بين مناطق السيطرة وتباعد مراكز الثقل وطبيعة الطرق. مما يجعل مسألة نقل القوات الحوثية والإمدادات وتبادل المعلومات عملية أكثر من معقدة توهن عزم الحوثيين وتفتح الدروب واسعة أمام اليمن الموحد ليشتد عوده من جديد.

 

على أن الأمر المهم بين فكر صن تزو الجغرافي وعملية "فجر اليمن" يتمثل في قضية "الجغرافيا البحرية لليمن"، ماذا نعني بذلك؟

باختصار، الموقع الجغرافي لليمن يضمن زخماً دولياً وليس سعودياً أو إقليمياً فقط، ذلك أن العملية تجري في منطقة تطل على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، أي على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، لذلك لا يمكن النظر إليها باعتبارها حرباً داخلية يمنية فقط، فالجغرافيا تنقلها تلقائياً إلى مستوى الأمن الإقليمي والدولي.

والثابت كذلك من منظور صن تزو، أن السيطرة على الممرات المائية قد تكون أهم من السيطرة على مساحة واسعة من الأرض، فالقوة التي تستطيع التأثير في حركة السفن والطاقة والتجارة يمكنها أن تجعل الجغرافيا نفسها أداة للضغط الاستراتيجي.

في الإطار ذاته، يحسب لعملية "فجر اليمن" أنها لا تتصل باحتلال أراضي الغير، بل تسعى لتحقيق تأثير استراتيجي يسمح بإجبار الخصم على كشف قدراته وتحريك قواته، عطفاً على استهلاك موارده، والدفاع عن نقاط متعددة، مما قد يكون أكثر قيمة من مجرد الاستيلاء على مساحة جغرافية واسعة.

هنا يكون الربط بين صن تزو وعملية "فجر اليمن" واضحاً، لا سيما في جزئية تحويل الجغرافيا إلى سلاح استراتيجي.

غير أن الجغرافيا لها تأثير آخر يتمثل في النقطة التالية:

التشتيت عبر الجبهات

في الفصل المعنون بـ"المناورات التكتيكية"، يقول تزو "اقتلاعك لشجرة ضعيفة لا يعني قوتك، وسماعك لقصف الرعد لا يعني أنك حاد السمع، ورؤيتك الشمس لا تعني أنك حاد النظر". فالحرب لعبة فنية، وعلى من يخوضها أن يعرف كيف يلعبها بمهارة وحرفية، والجيش المنتصر لا يدخل الحرب مع العدو إلا عندما يكون النصر مؤكداً.

هنا يقطع الحكيم العسكري الصيني بأن مهارة الدفاع تكمن في التخفي بالمواقع الأكثر سرية وعزلة تحت الأرض، ومهارة الهجوم تكمن في السرعة الشديدة والمفاجأة. يعني ذلك باقتدار تشتيت العدو عبر جبهات متعددة، براً وبحراً وجواً، وهذا ما تفعله بقوات الحوثي الشرعية اليمنية والداعمون لها.

وبالنظر إلى معركة "فجر اليمن" نجد أن الحوثي واقع تحت ضغوطات غير مسبوقة، فمن البحر هو محاصر بأكثر من بحرية عسكرية قادرة على توجيه ضربات لفلوله الهاربة.

 

ومن السماء يجد صولات وجولات من نيران القوات الجوية السعودية تحديداً، التي تستخدم حضورها لإصابته في مقتل.

وعلى البر تبدو قوات المشاة قادرة على تغيير الأوضاع اللوجستية بصورة غير مسبوقة، في ظل التنظيم الكبير، الفاعل والمؤثر.

من هنا يمكن قراءة تعدد الجبهات في عملية "فجر اليمن" باعتباره محاولة لجعل المعركة أكبر من جبهة واحدة، وأكثر تعقيداً من أن يستطيع الخصم التعامل معها بمنطق رد الفعل المباشر. فحين يصبح عليه أن يحمي اتجاهات عدة في الوقت نفسه، فإن القوة لا تعود تقاس بعدد الجنود والطائرات والاسلحة فقط، وإنما بقدرتها على إجبار الطرف الآخر على اتخاذ قرارات متعددة تحت ضغط الزمن والمعلومات الناقصة، وهذا تحديداً هو أحد وجوه عبقرية صن تزو "أن تنتصر في إدارة خيارات الخصم قبل أن تنتصر في ميدان القتال".

في الحرب، القائد الاستراتيجي المنتصر هو من يذهب إلى القتال بعدما يضمن النصر، وهو المقدر له أن ينتصر في أولى معاركه، وبعدها ينتظر النصر المظفر والنهائي.

في مواجهة الخدعة

تعتمد جميع الحروب على الخدعة، فـ"حين تكون قادراً على الهجوم لابد أن تتظاهر بعدم القدرة على ذلك، وحين تهم بالتعبئة لابد أن تبدو غير مكترث، وحين تود الاقتراب لا بد أن تشعر الآخرين بأنك بعيد، والعكس صحيح". هكذا يقول صن تزو، ويضيف "قدم طعماً لاستدراج عدوك، وعند طمعه في مكسب صغير اضربه الضربة القاضية قبل أن يستعيد توازنه من جديد".

هل تعرض الحوثي لمثل هذه الخدعة؟

من المؤكد أن ذلك هو ما جرت به المقادير قولاً وفعلاً، فقد تم تركه في الأشهر القليلة الماضية لعملياته النوعية المتدنية والمدانة من القاصي والداني، ومعها تحول الأمر إلى غرور قاتل زرع في عقله أن أحداً لن يرد عليه، وأن فوهات البنادق لن توجه إلى نحره.

 غير أنه على حين غرة، وجد هجوماً واسعاً على أكثر من محور استراتيجي، مع إسناد جوي سعودي، وتقدم للقوات الحكومية في منطقتي ذوباب وباب المندب.

 

ومن الخداع الناجح في عملية "فجر اليمن" أن الهدف السياسي المعلن هو صنعاء، لكن التطور الميداني اللافت في الساعات الأولى كان في ذوباب وباب المندب والساحل الغربي، إذ أعلنت القوات الحكومية السيطرة على ذوباب ومطارها، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا، مع السيطرة على مواقع استراتيجية عند باب المندب.

هنا يبدو واضحاً أن العقول العسكرية التي خططت لعملية "فجر اليمن"، قد قرأت ثم استوعبت تماماً سطور صن تزو، لا سيما قوله "لا تضرب العدو حيث يتوقع أنك ستضربه، اضربه حيث يضطر إلى إعادة توزيع قوته".

فالضغط على باب المندب لا يمثل مكسباً جغرافياً، بل يمكن أن يفرض على الحوثيين إعادة حسابات الانتشار والاحتياط والإمداد. تبدو براعة ونجاعة عملية "فجر اليمن" في أنها لا تتحرك في اتجاه واحد، فهناك نشاط عسكري في الساحل الغربي وتعز ومأرب وصعدة والجوف، إلى جانب الضربات الجوية التي استهدفت، وفق البيانات اليمنية، مراكز القيادة والسيطرة وطرق الإمداد والتحصينات ووسائل الدفع والتعزيز.

من هنا يصبح الخداع أكثر تعقيداً، وتحق مقولة صن تزو "إذا كان العدو لا يعرف أية جبهة هي الجبهة الرئيسة، فإنه يضطر إلى توزيع قوته على جميع الجبهات، مما يعني إجبار الخصم على أن يصبح قوياً في كل مكان، بالتالي ضعيفاً في المكان الذي ستقع فيه الضربة".

العزل بدل المواجهة

لسنوات طوال حاولت السعودية تقديم النصح والإرشاد وعقد الاتفاقات لتجنيب اليمن أنهار الدماء، غير أن جماعة الحوثي، بوصفها أداة وظيفية إيرانية، رفضت أن تصبح سرباً يغرد ضمن الجوقة الوطنية اليمينة، واختارت عزلتها الأيديولوجية بل الدوغمائية بنفسها.

هنا كان واضحاً من البداية أن التخطيط لمعركة "فجر اليمن" أمر يستهدف ما هو أكثر من أعمال الحرب والقتال، إذ يستهدف عزل الحوثيين عن التيار الوطني اليمني من جهة، وعن دول المنطقة التي كثيراً ما دعت ودعمت وحدة الصف.

والفكرة الرئيسة في عملية "فجر اليمن" ليست البحث عن مواجهة شاملة ومباشرة مع القوة الحوثية، وإنما تحويل البيئة العملياتية إلى شبكة من القيود والعزلة.

 

وتنقسم هذه العزلة في واقع الحال إلى أربعة أقسام:

عزلة جغرافية: من خلال جعل الاختباء في الجبال والحصون أمر يخصم من مقدراتهم.

عزلة عن الميدان: بمعنى حرمانهم من رؤية تطورات الساحة القتالية، وحرمانهم من المعلومات الاستخبارية، مما يجعل مقاتليهم أشبه بجزر منعزلة.

عزلة عن الجبهات: وهنا لا يستطيع الحوثي ورجاله إدراك أين تدور المعارك، وكيف للواحد أن يساند الآخر، وأي حلول للظلام الاستراتيجي العسكري. وهكذا فبدلاً من إغراق الخصم في معركة واحدة يستطيع إعداد نفسه لها تصبح أمامه احتمالات عدة، ما ينشأ عنه مشكلة استراتيجية، إذ تتحول كثرة الجبهات من مجرد توزيع للنيران إلى أداة لعزل الخصم وشل قدرته على تركيز القوة.

عزل عن العمق والإمداد: بالدخول في عمق قراءات صن تزو، يبدو واضحاً أن الجيوش لا تعيش على الشجاعة وحدها، وإنما عماد قدرتها يقوم على الإمدادات والحركة والاتصالات، وحال غياب هذه العناصر، منفردة أو مجتمعة، تسقط القوى القادرة على القتال.

وبنظرة أكثر شمولاً، يمكن القطع بأن الحوثيين يعانون اليوم معاناة شديدة من هذه العزلات مجتمعة.

ما الذي يتبقى من قراءات يمكن إسقاطها من عند صن تزو لتواجه حقيقة ما يجري في اليمن؟

خسارة الحرب النفسية والإعلامية

من بين أهم النقاط التي غالباً ما تحسم كبريات المعارك، معارك الحرب النفسية والإعلامية، والمعروف أن من يتحكم في مسارات الإعلام ومساقات الروح المعنوية غالباً من تكون بيده مفاتيح الفوز أو الهزيمة.

 في "فجر اليمن" لا يمكن أن ننزع هذا العنصر عن بقية عناصر إدارة المعركة، ومرة جديدة نعود لصن تزو. فالفكرة المركزية عند الصيني العسكري العتيد هي أن الحرب لا تحسم دائماً بتدمير جيش الخصم، وإنما بإفساد قدرته على اتخاذ القرار والإبقاء على إرادته القتالية، من هنا يمكن القطع بأن انتقاء اسم العملية في حد ذاته يعكس قدرة كبيرة على التلاعب بمقدرات الحوثي النفسية.

الفجر يحمل معنى الانتقال من الظلام إلى النور، ومن مرحلة إلى أخرى، لذلك فإنه يقرأ ضمن سردية استباقية تضمن النصر لصاحبها.

والحرب النفسية والإعلامية لا تقل ضرارة عن وقع القنابل، ذلك أنها تؤثر في مقدرات العدو العصبية، وطرائق تفكيره في الميدان، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: هل القيادة تعرف ماذا تفعل؟ هل خطوط الإمداد آمنة؟ وهل الجبهات الأخرى صامدة أو قادرة على الصمود وإلى أي مدى؟

حين تتحدث التقارير عن عمليات في باب المندب، وتحركات في الساحل الغربي، وضغط باتجاه صنعاء، فإن الرسالة النفسية للخصم هي أن المعركة أوسع وأكبر وأخطر من أن يتم التصدي لها، وبهذا تنكسر الإرادة في الداخل قبل أن تهزم الفرق العسكرية على الأرض.

هل من خلاصة؟

الشاهد أن خمسة أساسيات للنصر توافرت لعملية "فجر اليمن" كما نص عليها كتاب صن تزو:

من ينتصر يعرف جيداً متى يقاتل ومتى لا يقاتل.

من ينتصر يعرف كيف يتعامل مع مختلف أشكال القوة، كثيرها وقليلها.

من ينتصر هو من تحرك جيشه روح معنوية واحدة على جميع مستويات القادة والجند.

من ينتصر هو من جهز نفسه جيداً، ثم انتظر ليأخذ عدوه على غفلة منه.

من ينتصر هو قائد لديه صلاحيات كاملة، وقادر على تغيير المسارات والمساقات في أي وقت وبحسب ظروف المعركة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات