Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ولاية صالح عمار وامتحان سيادة الدولة

الحكومة وحدها تملك القدرة على تقديم تصور لحل أزمة كسلا

رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك (أ ف ب)

مع التطورات المتسارعة لوقائع الفتنة وبوادر الفوضى في مدينة كسلا على خلفية عامة تتصل بتكليف الوالي المدني صالح عمار والياً لكسلا، والتظاهرات التي خرج فيها مؤيدون لصالح عمار الأربعاء الماضي تميّزت بالسلمية من مكون بني عامر والجميلاب بعد شهر ونصف الشهر من اعتصام أنصار الناظر ترك، كان غالبية المتظاهرين من مؤيدي صالح عمار من مكوّن بني عامر وبعض الهدندوة من فرع الجميلاب، ثم المسيرة التي نظّمها أنصار الناظر ترك الخميس الماضي، التي انحرفت عن مسارها، وتسبب بعض أتباعها في الفوضى وأعمال النهب والسلب بسوق من أسواق كسلا (فيه محلات كثيرة لبني عامر)، بدا واضحاً من كل ذلك أن التعقيد في وقائع الفتنة يسير في الاتجاه الذي أراده الناظر محمد محمد الأمين ترك، ناظر عموم قبيلة الهدندوة بشرق السودان منذ البداية، عبر الجسم الأهلي الذي يقوده، المسمّى بـ"المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة".

والحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع أن ذلك الجسم ليس فيه سوى ناظر واحد هو ترك، أما بقية النظار الستة للبجا فقد تبرؤوا من الانتماء إليه، وأعلنوا ذلك في بيان ممهور وموقّع بأختامهم وأسمائهم منذ مارس (آذار) الماضي، ثم بعد ذلك أعلنوا أنهم يدعمون خيار الحكومة في تولية صالح عمار والياً لكسلا.

وعلى إثر اختيار رئيس وزراء الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك، صالح عمار والياً لكسلا قبل شهر ونصف الشهر، أعلن أنصار الناظر ترك عبر "المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة" اعتصاماً في مدينة كسلا، وأغلقوا كوبري نهر القاش، وهو معبر رئيس، ويعتبر شرياناً لطرق المدينة، وعطّلوا الحركة فيه، معبّرين عن رفضهم الوالي صالح عمار، من خلال خطب تضمّنت إساءات عنصرية للمكوّن القبلي للوالي صالح عمار (بنو عامر)، واتهامات تطعن في هُويته السودانية.

وعلى مدى شهر ونصف الشهر لم تتحرك قبيلة بني عامر، على الرغم من الإساءات التي قيلت بحقها، ولم يوجّه ناظر البني عامر (الناظر دقلل علي إبراهيم) أنصاره إلى التحرك المضاد أو الدفاع عن الوالي صالح عمار، لأنه صرّح أكثر من مرة إلى وسائل الإعلام بأن بني عامر ليسوا هم من اختاروا صالح عمار مرشحاً لولاية كسلا، وأنه كناظر قبيلة ورجل من رجال الإدارة الأهلية لا شأن له بتعيين الوالي، ولا يتدخل في قضايا السياسة والدولة، وأن الذين اختاروا عمار هم فرع قوى إعلان الحرية والتغيير بمدينة كسلا. كما أن بني عامر لم يتحركوا في اعتصام مضاد لأنصار ناظر الهدندوة ترك، وهم قادرون على ذلك، فقط لحرصهم على السلم الأهلي، بل إن غالبية العمد وشباب قبائل بني عامر لا يكادون يعرفون المرشح صالح عمار قبل ترشحه، لأنه أصلاً ينتمي إلى القوى المدنية في العمل السياسي.

مع الأسف، خلال الأسبوع الماضي وقعت حوادث قتل راح ضحيتها عددٌ من المكونين، قتلى وجرحى، ما اضطر حكومة ولاية كسلا إلى إعلان حظر تجوّل، وقدوم وفد من الخرطوم يضم وزيري الداخلية والإعلام وعدداً من المسؤولين الحكوميين للوقوف على الأمر.

وعلى الرغم من أن السؤال البديهي الذي يوجَّه إلى أنصار الناظر ترك في ما يسمّى بـ"المجلس الأعلى لنظارات البجا" عن المبررات والحيثيات الموضوعية لرفض تولي صالح عمار ولاية كسلا من طرفهم، فلن يجد السائل موضوعية لسؤاله مطلقاً.

غالبية تصريحات الناظر ترك في خصوص موضوع ولاية صالح عمار تتمحور حول "اقتلاع اللاجئين" ومراجعة الرقم الوطني (الجنسية)، ومنها الفيديو الذي ظهر فيه يوم الخميس الماضي مخاطباً أتباعه في التظاهرة، ومتحدثاً عن وجوب اقتلاع اللاجئين، بينما المناسبة تتصل برفض صالح عمار والياً لكسلا، في إيحاء واضح بأن صالح عمار والمكوّن الذي ينتمي إليه ليسا سودانيين، وهذه بطبيعة الحال حجة متهافتة ومكشوفة، ولا يمكن التبرير والدفاع عنها في أي حوار موضوعي مع الحكومة أو الإعلام عند الحديث عن أسباب رفض الوالي صالح عمار، لأن ادّعاء أن مكون بني عامر أجبني في مدينة كسلا هو محض افتراء وكذب. صحيح يوجد لاجئون من مكوّن بني عامر الذين تمتد قبيلتهم عبر الحدود مع إريتريا، وممن يتحدثون بلغة بني عامر من غير بني عامر من الإريتريين في مدينة كسلا الحدودية.

أما أخطر تصريح للناظر ترك فهو ما أوردته صحيفة السوداني الصادرة السبت الـ29 من أغسطس (آب) 2020 بقوله: "لن نتراجع عن إبعاد الوالي حتى لو وصلنا إلى مرحلة الخراب الشامل"!

فحين يقول ناظر قبيلة كبيرة مثل هذا القول في أي دولة تتقيد بميثاق المواطنة وتحترم سيادة القانون ماذا سيكون الإجراء المطلوب اتخاذه من تلك الدولة حياله؟ إنه تهديد واضح للسلم الأهلي في وجه الدولة، وانحياز خطير إلى سيناريو الفوضى الذي نسأل الله أن يجنّب شرق السودان تداعياته المحتملة من جراء تلك التصريحات.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن سيكون التالي: ما الدافع الذي يدفع الناظر ترك إلى قول مثل هذا التصريح الخطير والمهدد السلم الأهلي؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من العودة إلى التصوّر القبائلي التقليدي لقبائل البجا حول فكرة الأرض المقدسة لديهم، لأن الناظر ترك هنا يستثمر ويستفز التصوّرات النمطية والعقائد التقليدية لأتباعه من البجا في وضع لا علاقة له بذلك.

يضمر الوعي القبائلي للإدارات الأهلية التي يمثلها الناطقون بالبداويت إحساساً بأولوية حكم "البجا" لأنفسهم في أرضهم التاريخية، بعيداً من أي تفكير في مسألة الوطن بمعناه الحديث وحدوده السياسية. هذا الإحساس غالباً ما يجري تصويره لعموم البداويت على أنه مرتبط بالإدارة الأهلية، أو من تثق به هذه الإدارة من السياسيين، وبما يُفضي إلى الفهم بأن أي شراكة في تمثيل شرق السودان لشخص من خارج البداويت، وإن كان من البجا، مثل بني عامر والحباب مثلاً أو العبابدة، هو بمثابة تعدٍ على الحقوق التاريخية لأرض البداويت. ولأن هذا الفهم القبائلي تحديداً يذوّب الهُويات السياسية الأخرى للشخصيات السياسية من غير البداويت، وليس البجا عموماً، فهنا تكمن خطورته وقدرته على تفجير الوضع في شرق السودان بذلك التوظيف المغلوط من قِبل الناظر ترك وأتباعه من أعوام البجا، لأنه فهمٌ يقوم على صلة قرابية، لا تهمها أولويات النزاهة والمواطنة والتاريخ السياسي.

نحن هنا إذن أمام نمط تاريخي بدائي في فهم منطق حيازة الأرض في شرق السودان يُعاد توظيفه بوصفه طقساً مقدساً واجب الدفاع عنه، ويصوِّر للبسطاء من البداويت أن ذلك هو واجبهم. وأمام استثمار خبيث كهذا للوعي الشقي في البداويت من قِبل أنصار الناظر ترك يجري تصوير الوضع للرأي العام في المركز والخرطوم كما لو أنه أمر حياة أو موت بالنسبة إلى البداويت وليس البجا في حكم أنفسهم في أرضهم.

لكن، هذا المنطق الذي يحارب منطق الدولة والقانون والمواطنة ويفتح الباب مشرعاً للحرب الأهلية في شرق السودان حين نتأمل فيه نجده منطقاً مفككاً من ناحيتين، الأولى أن ستة من نظار إقليم البجا لا يشاركون هذا الرأي مع الناظر ترك، بالتالي فإن تقدير أن يكون البجا كلهم رهن إشارة الناظر ترك في سيناريو الفوضى الذي يريده بشرق السودان لن يكون ممكناً.

الناحية الثانية أن جزءاً عزيزاً من أرض السودان وأرض البجا تحديداً محتل في شرق السودان، ولم نرَ تفعيلاً لتلك النزعة الحربية المقدسة عند البجا أو حراكاً وطنياً للبجا بطرق مستقلة حتى عن سلطة الحكومة في مواجهة ذلك الاحتلال الذي لحق بأرضهم!؟

من هنا، سيتضح لنا أن الناظر ترك يمارس تهديداً ومزايدة على المركز من أجل مصالح فئة قليلة من العنصريين والفاسدين وبعض بقايا نظام عمر البشير، الذين ستطالهم يد العدالة في ملفات كثيرة للفساد، حين يتولى الوالي الجديد إدارتها من خلال لجنة إزالة التمكين التي تُعنى بتتبع وكشف قضايا فساد رموز النظام السابق.

هكذا، سنجد أن الاختلاف على صالح عمار قبائلياً هو فقط عنوان أجوف، ولا علاقة له بحيثيات موضوعية لرفضه والياً لكسلا، وأن الأسباب التي يضمرها الناظر ترك ويقولها في الفضاء الشعبوي لا تصلح حججاً أمام أي سلطة قانونية أو مجال إعلامي.

وفي الجانب الآخر نجد أن الاستفزاز العنصري لأنصار الناظر ترك في كسلا لمكون بني عامر، مثل الطعن في هُويتهم السودانية التي يرفض عبرها الناظر ترك عماراً والياً لكسلا، قد أدّى بعد شهر ونصف الشهر من الاستفزاز المتواصل إلى انحياز ميكانيكي وضروري من طرف بني عامر للاصطفاف مع صالح عمار، ما أدّى إلى تحول قضيته من قضية والٍ مدني رشّحته قوى الحرية والتغيير إلى تصويره كما لو أنه مرشح لقبائل بني عامر، أو هكذا أدّى الشحن المستمر لأنصار ترك في رفضهم غير المبرر لولاية صالح عمار في كسلا.

مأزق الدولة السودانية

كان واضحاً أن تلكؤ الحكومة السودانية، نظراً إلى الحراك غير المبرر الذي أثاره أنصار الناظر ترك ضد صالح عمار، قد أدّى إلى إرجاء الحكومة تسيير صالح عمار إلى كسلا، لتسلّم مهام الحكم لشهر ونصف الشهر. وكان هذا القرار في تقديرنا خاطئاً، لأنه أدّى إلى تصاعد الاحتقان شهراً ونصف الشهر، حتى أثارت احتجاجات واعتصامات أنصار الناظر ترك المتواصلة حفيظة بني عامر، واضطرتهم إلى الخروج في تظاهرات حاشدة بالآلاف، رداً للاعتبار وتدشيناً رسمياً من طرفهم للاصطفاف القبلي في تبني صالح عمار، وهي تظاهرات تُعتبر في تقديرنا انحرافاً مضراً بقضية الهُوية المدنية والسياسية للوالي صالح عمار، لكن ضغط أنصار الناظر ترك واعتصامهم والشحن العنصري الذي مارسوه ضد ولاية صالح عمار لأسباب قبلية أدّى إلى ذلك الاتجاه في الاستقطاب القبلي، الذي وضع صالح عمار في خانة لا علاقة له بها البتة. لكن، ضغط القبائل البجاوية وعصبياتها التاريخية المستوطنة في المدينة والإقليم الشرقي بصورة عامة كانا أكبر بكثير من تعبير الهُوية المدنية والسياسية الواضحة لصالح عمار، خصوصاً في ظل تواطؤ ملحوظ من حكومة كسلا وتلفزيونها مع أنصار الناظر ترك عبر واليها بالإنابة (أرباب الفضل)، الذي يُعتبر من بقايا نظام البشير، الذي من مصلحته الاصطفاف الخفيّ مع الناظر ترك في وجه والي حكومة الثورة المدني صالح عمار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد وضعت الحكومة نفسها بالتأخير الذي فرضته على حركة الوالي عمار وإرجاء تسييره إلى حيث يحكم في كسلا في موضع حرج جداً. فهي إذ تبدو اليوم أمام خيارات صفرية حيال إقالة عمار أو تسييره، عليها أن تدرك تماماً أنها خيارات صعبة.

فمن الواضح أن الرضوخ لرغبة ناظر قبائلي مثل الناظر ترك، صرَّح مثل ذلك التصريح الخطير الذي قايض به السلم الأهلي حال إهمال مطالبه، سيكون خياراً خطيراً للحكومة، وضد مبادئ ثورة الـ19 من ديسمبر (كانون الأول) في الحرية والسلام والعدالة، وكذلك ضد حقوق المواطنة وقيم الدستور. فضلاً عن أنه سيكون مصدر فوضى محتملة في ردود فعل بني عامر، الذين هدد كيان منهم يسمى "أمانة قبائل شباب بني عامر" بتنفيذ عمليات قطع الطرق الاستراتيجية لمسار البواخر والسفن المقبلة إلى ميناء بورتسودان من خلال الزوارق في ساحل منطقة عقيق، التي تقع ضمن أرضهم التاريخية المغلقة، ما لم يُستجب لمطالبهم التي من ضمنها تثبيت الوالي صالح عمار والياً على كسلا.

ومن الواضح كذلك أن تثبيت صالح عمار والياً على كسلا بعد خروج تظاهرات بني عامر الحاشدة سيبدو ظاهرياً، على الأقل، في رأي كثيرين، بمثابة انتصار لهم، بينما الأمر في حقيقته ليس كذلك، لأن الوالي صالح عمار مرشح الحاضنة السياسية للحكومة، أي قوى إعلان الحرية والتغيير في كسلا والخرطوم.

التساؤلات المشروعة هنا، التي تحتاج إلى تفكير وطني مسؤول من طرف الدولة السودانية قبل الوصول إلى إجابة حاسمة حيالها وإلى موقف حكومي صارم هي: هل على الحكومة الانحناء أمام عاصفة أنصار الناظر ترك؟ وهل بالفعل يمثل ترك جميع قبائل البجا في رفضه غير المبرر لصالح عمار؟ هل في حال تثبيت حكومة الثورة لصالح عمار وتسييره والياً إلى كسلا، الدولة قادرة على تقدير موقف دقيق وواعٍ باحتمالات استخدام العنف القانوني الهادف إلى فرض سيادة القانون في مواجهة احتمال ممارسة جهة غير قانونية عنفاً خارج إطار القانون؟ وهل المرحلة الانتقالية، التي هي أصلاً مرحلة مضطربة، تحتاج إلى تصرف كهذا من قِبل الدولة حيال الوضع المحتقن في كسلا؟

ثم هل للحكومة ولسلطات الدولة تقديرات ومعلومات كافية بطبيعة الوضع الجيوسياسي والحدودي لولاية كسلا والمهددات الخارجية، بما فيها من تقدير لاحتمالات تدخلات خارجية ترصدها أجهزة الدولة الخاصة، بما يخوّل لها اتخاذ تدابير صارمة، ولا تقبل التأجيل في حسم الوضع، الذي يمكن أن ينزلق إليه شرق السودان عبر كسلا؟ ثم هل تدرك سلطات الدولة العليا أنها على قلب رجل واحد بشقيها مجلس الوزراء ومجلس السيادة وأجهزتها النظامية الموكلة بممارسة العنف القانوني لضمان سيادة القانون على الجميع؟

الحكومة والدولة وحدها من يملك الإجابات الدقيقة عن هذه الأسئلة التي نطرحها، ومن ثمّ هي وحدها كذلك من له القدرة على تقديم تصوّر للمخرَج من الوضع في كسلا.

موقف الوالي صالح عمار

وفي ظل هذه الأوضاع المتوترة أصدر الوالي صالح عمار من الخرطوم بياناً وضّح فيه موقفه، وقال: "شجعت الكثير من الوسطاء على التواصل مع المجموعة التي ترفض تعييني والياً، وأكدت لهم قبولي بأي حل وفاقي، بغرض المحافظة على السلام. وهذا موقف أصيل، لا سيما أن هذه المجموعة (يقصد مجموعة الناظر ترك) لا تعبر عن كل أهلنا في قبيلة الهدندوة، ولعمري لهي قبيلة لها تاريخها ومساهماتها الوطنية الكبيرة، إلا أن هذه المجموعة مع الأسف رفضت كل مقترحات الحلول، وتمسّكت بموقفها المتعنت".

شهادتي في صالح عمار

ما يمكنني قوله في صالح عمار كشهادة لي عن موقفه الوطني، من خلال تشاركنا نقاشاً طويلاً معاً في هموم شرق السودان، قبل أن يُرشّح والياً بأكثر من سنة وكان حينها نائباً لرئيس تحرير صحيفة التغيير الإلكترونية، أن الرجل، بعكس ما يظن عنه كثيرون، ليس مرشحاً لقبيلة من دون قبيلة، كما يريد أن يروّج عنه الناظر ترك، بل هو مرشح تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، وأنه مهموم بمواطني شرق السودان بكل مكوّناتهم من منطلق وطني صادق. ومعنيّ بتطوير ونهضة حياتهم عبر جهود سيبذلها في مجال التنمية المستدامة ضمن برنامجه الطموح، التزاماً بموقفه النضالي والوطني والأخلاقي، الذي يضمر حساسية عالية لمبادئ الثورة في الحرية والسلام والعدالة. وكل من يعرف صالح عمار أو يخالطه يدرك التهذيب والدماثة اللذين جُبل عليهما وحسن تقدير الأمور. ولهذا مع الأسف، في ظل التشويش المتعمد الذي طال شخصه في بازار القبائل البجاوية المستقطبة حوله في شرق السودان، بدا لكثيرين كما لو أنه مرشح قبلي ترفضه قبيلة، وتتبناه قبيلة بجاوية أخرى!

وفي تقديرنا، إن هذا الاستقطاب هو أخطر ما يشوّش على شخصية صالح عمار. فصالح عمار الذي كان رئيساً لاتحاد طلاب كسلا بجامعة الخرطوم هو ابن مدينة كسلا الذي عارض نظام البشير، وناضل ضده حتى آخر لحظة، وهو كذلك ابن هذه الثورة العظيمة، ولهذا فهو لا يقبل الانقسام على القبيلة والعشيرة، لكنه فقط يقبل القسمة على الوطن على الرغم من أنف القبائل!

خاتمة

أخيراً، يقول مستر أ. بول، المفتش الإنجليزي الذي عمل في شرق السودان عشرات السنين إبان الاستعمار البريطاني، في كتابه "تاريخ قبائل البجا بشرق السودان"، وهو كتاب صدر عن جامعة كامبريدج البريطانية في خمسينيات القرن الماضي، ونقله إلى العربية أوشيك آدم علي، "لقد حاولنا أن نضع البجاوي في مناطق أكثر إنتاجاً، وأن نحميه من الفقر والجوع بعيداً من تلك المناطق الهامشية التي عهدها كـ(عيتباي) مثلاً، غير أنه رفض وبإصرار شديد أن يغادر تلك الصحاري المجدبة. كما حاولنا أيضاً أن نجذبه إلى عالم الطب الحديث، وما يجلبه له من خير ومنفعة، لكن أبى إلا أن يتمسّك بوسائل علاجه التقليدية مثل السكين والكي بالنار. إضافةً إلى ذلك فقد حاولنا أن نوفر له المدارس والمعلمين، لكن من دون جدوى. لقد اجتهدنا بقدر استطاعتنا أن نطوّر موارده الشحيحة لنحسِّن مستواه المعيشي، ولنوفر له حياة أكثر أمناً واستقراراً، لكنه فضّل التمسّك بجباله النائية، والسفر عشرات الأميال من أجل قربة ماء.

لعله اقتنع أخيراً أن يتحمّل حاكميه ويرضى بالتعايش معهم، بل وأن يحبهم في بعض الأحيان (يقصد الإنجليز)، وذلك تقديراً وعرفاناً لما أرسوه من سلطة الأمن والقانون... أوضحت التجارب أن هذه الطاعة لم تكن مطلقة، إنما كانت لظروف خاصة ولمرحلة محددة يُجري بعدها الاحتكام إلى السيف، وما يترتب عليه من إراقة دماء. لذلك ظل البجاوي، كما كان في السابق، محارباً مستقلاً لا يعطي أي قيمة لكل التناقضات التي تكتنف حياته... جملة القول: إنه يمثل نمطاً فريداً للحياة التقليدية".

المزيد من آراء