Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دعوات إلى دولة مدنية في لبنان من أمام طريق مسدود

التراجع من الباب الخلفي للنظام إلى المذهبية بدل التقدم من ذلك الأمامي للطائف إلى عبور الطائفية

المرجعيات الدينية تلعب أدواراً مهمة في السياسة (أ ف ب)

الدعوات دورية منذ اتفاق الطائف قبل ثلث قرن. كلما حدث تأزم في لعبة السلطة والمحاصصة الطائفية لوح مسؤولون وأمراء طوائف بالدعوة إلى دولة مدنية. ولا أحد يأخذ هذه الدعوات بجدية، حتى أصحاب الدعوات فإنهم يتصرفون على أساس أنها شعارات لتحقيق أهداف أخرى تحت عنوان الحقوق الطائفية والمذهبية.

والدعاة، ومن بينهم رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس المجلس النيابي وهو رئيس حركة "أمل" الشيعية نبيه بري، يعرفون أكثر من سواهم أن الطريق الذي رسمه اتفاق الطائف للعبور إلى الدولة المدنية مسدود من البداية بقوة حراس النظام الطائفي. فالمادة 95 من الدستور المعدلة عام 1990، تنص بوضوح "على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية".

لكن الهيئة لم تُشكَل منذ انتخاب المجالس النيابية على أساس المناصفة. وما حدث هو العكس، التراجع من الباب الخلفي للنظام إلى المذهبية، بدل التقدم من الباب الأمامي للطائف إلى عبور الطائفية. والله يستر، (ما دامت الأصوليات السنية والشيعية تضرب المنطقة) من أن يبدأ لبنان قرناً من المذهبية بعدما أنهى 100 سنة من الطائفية، هي عمر لبنان الكبير.

ذلك أن الدولة المدنية ليست مدينة مشعة نصل إليها حاملين أثقالنا الطائفية والمذهبية وعصبياتنا القبلية والأسرية، فتغسلنا منها لنصبح مواطنين. ولا هي ذات مفهوم واضح ومحدد في العلوم السياسية، إذ يراها فريق بديلاً من العلمانية التي يريدها، ويتصور فريق آخر أنها مرحلة انتقالية إلى نظام علماني، وتعمل الأكثرية للحفاظ على النظام الطائفي. إنها مشروع نبنيه يومياً، ونتطور مع تطوره ونرتقي من عصبياتنا وأهوائنا مع ارتقاء بنيانه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 يقول عدد من الخبراء إننا أساساً، باستثناء الأحوال الشخصية، في دولة مدنية وإن كان النظام طائفياً. فليس في الدستور دين للدولة ولا دين لرئيس الدولة، خلافاً لكل الدول من حولنا. ولا لرجال الدين سلطة سياسية. لكن هذه صورة ناقصة في مشهد من الممارسات الطائفية والمذهبية، حيث إن بين الداعين إلى دولة مدنية من يصر على ما يسميه "التوقيع الشيعي" عبر وزير المال إلى جانب التوقيع الماروني عبر رئيس الجمهورية والتوقيع السني عبر رئيس الحكومة. فالمرجعيات الدينية تلعب أدواراً مهمة في السياسة. ولا دولة مدنية بالمعنى البسيط ما دام المجتمع طائفياً، ولم يصبح بأكثريته مجتمعاً مدنياً. حتى مشروع الزواج المدني الاختياري الذي جرى إقراره بالأكثرية في مجلس الوزراء باقتراح من رئيس الجمهورية الأسبق الياس الهراوي، نام في جارور رئيس الحكومة، وحكمت عليه المرجعيات الدينية بالموت.

والواقع أن النظام الطائفي بكل ما فيه من أمور سلبية، يتمتع بأمر واحد إيجابي على طريقة المثل القائل، "لا سوء حظ من دون بعض الحظ". إذ هو يفرض التسليم بالحريات لضمان التعدد، ويحول دون ظهور سلطوية أو ديكتاتورية. لكن المشكلة، من الآن إلى أن نبني الدولة المدنية، هي سوء إدارة النظام الطائفي التعددي، حيث إن في لبنان 18 طائفة. فالحد الأدنى من الإدارة المعقولة للنظام الطائفي هو الحفاظ الدقيق على التوازن بين الطوائف. وهو، بكلام آخر، قيام دولة أرقى من الطوائف وفوق المصالح الضيقة لكل طائفة. وهو أيضاً أن يأتي إلى السلطة الأرقى في طوائفهم، لا الأقوى بالسلاح أو المال أو العصبيات. وقد جاء وقت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، رأينا شيئاً من ملامح دولة أرقى من الطوائف، قبل طغيان الصراع الداخلي والخارجي. وكل ما لدينا في معظم التاريخ الحديث هو سلطة، لا دولة، دون مستوى الطوائف. فلا نحن نطبق في القرن الـ21 ما حدده أرسطو في قوله، "الدولة جماعة مواطنين عاقلين أحرار، لا جماعة مؤمنين". ولا ما ينطبق على تجاربنا سوى قول ابن خلدون، "إن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن تستحكم فيها الدولة".

والتحدي أمام المؤمنين بالدولة المدنية والداعين إليها، هو البدء ببناء مشروع دولة، مجرد دولة في لبنان، دولة تحمي حدودها وتضمن المناخ الملائم للتنمية الاقتصادية وتقدم الخدمات "البلدية" للناس.

المزيد من تحلیل