Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القراء يبحثون عن "ريتا" في ظلال محمود درويش

قصيدة "سجل أنا عربي" أحرجت الشاعر بسوء تأويل الجمهور لها

الشاعر محمود درويش وإشكالية "ريتا"    (اندبندنت عربية)

لا أحد يعرف على وجه اليقين كيف بدأت قصة الحب البائس التي عقدها القدر بين الضحية والجلاد؛ بين العاشق الفلسطيني محمود درويش و"ريتا" اليهودية، التي تعددت الروايات بشأن من تكون؟، لكن المؤكد أن درويش أدخل ريتا إلى الخيال الفلسطيني لتصير رمزاً يعكس عبره تفاصيل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فما بين خمسينيات وستينيات القرن العشرين، على وجه التقريب، وقع الشاعر في عشق فتاة يهودية، أو اختلقها!. جاءت مع شعبها إلى أرض أجداده، ليُهجّر قسراً في جنح الليل هو وأهالي قريته إلى لبنان، ويطارده وصف "لاجئ" بين ليلة وضحاها، بعدما ذاق مرارة اللجوء المبكر وهو لا يزال طفلاً في السابعة من عمره على يد الإسرائيليين.. هيمن سلطان الحب على قلبه، لكن أبى القدر إلا أن يمطر خيال الحب الحالم بالرصاص ويغرق جثته في الدماء.

بحلول حرب يونيو (حزيران) عام 1967، التحقت الفتاة بالجيش الإسرائيلي، ووقفت البندقية حائلاً ببين عيون العاشقيَن، وحين لاحت ريتا في خيال الشاعر أثناء اعتقاله سياسياً بأحد السجون الإسرائيلية، رآها "تحمل بندقية خفيفة"، ورسم سيناريوهات متعددة لما قد تفعله في تلك اللحظة التي يفكر بها؛ إذ ربما تشرف على استجواب، أو تعذب فتاة عربية في مثل سنها، وفي مثل جمالها السابق، لينتهي إلى تصفية المعشوقة اليهودية بداخله إلى الأبد، ويحييها بدفتر أشعاره في أكثر من قصيدة، وفي أعماله النثرية الأخيرة قبل رحيله، ويثير بها حيرة الجمهور والنقاد عن حقيقة الأمر.

يصاب الشاعر بالقلق من بحث الجميع عن هوية المعشوقة، فيمتنع عن استدعائها إلى الكتابة لفترة من حياته، ويخفيها عن أنظار الجمهور تخوفاً من أن تُحمَّل شخصيتها مضموناً من خارجها، تحديداً كي لا تلقى مصير قصيدة "بطاقة هوية" التراجيدي، وتتحول إلى "سجل أنا عربي" عاطفية، فما قصة هاتين القصيدتين اللتين دفعتا الشاعر إلى الاقتراب منهما على حذر؟ وهل ريتا حقيقة أم اختلقها الشاعر كحيلة درامية تضفي ثراءً فنياً على أشعاره وتملأ جنبات حياته بالصخب معها وعنها؟

قبل أن نبدأ

كانت القضية الفلسطينية قدراً مكدوراً تحمّل شاعرها محمود درويش، الذي تحل ذكرى رحيله اليوم 9 أغسطس (آب)، أوزارها بعدما عُرف بها وعُرفت به، وصارت صليبه الذي يحمله على كتفه، مع آخرين بالطبع. لكنّ درويش المولود في البروة عام 1941 والمتوفى في 2008، عاصر التحولات الدرامية الكبرى لوقائع القضية الفلسطينية منذ الصغر على نحو مغاير، فترسخت في وجدانه، بعدما تسربت إلى طفولته المبكرة معاني الحرب، والمطاردة، والحدود، والعودة، والوطن. وهي معانٍ شكّلت بداخله مفهوماً خاصاً للقضية الفلسطينية، فاستحق أن يصير كما وصف "شاهد المذبحة وشهيد الخريطة"، ويُمسي لسان حال الغالبية العظمى لشعب لا يزال يعاني تحت وطأة الشتات، لتشكّل نصوصه ملامح الهوية الثقافية لفلسطين شعرياً وإنسانياً.

"سجل أنا عربي"

المفارقة هنا أن رغم متلازمة "درويش وفلسطين"، فقد كان حريصاً على ألا يتخذ من مركزية القضية الفلسطينية ذريعةً لذيوع صيته، بل كثيراً ما رفض إلقاء قصائده السياسية تحت إلحاح الجمهور العربي على سماعها منه، بينها "سجل أنا عربي"، ليعلن مقولته الشهيرة: "ارحمونا من هذا الحب القاسي". وهو رفضٌ دبلوماسيٌّ كثيراً ما ردده. وكأنه صرخة للفت انتباه الجمهور والنقاد إلى النزعة الإنسانية داخل قصائده، بالإضافة إلى إساءة تأويلها التي أخرجتها عن سياقها فامتنع عن إلقائها في أحيان غير قليلة.

 

 

مفارقة أخرى في المشهد ذاته، تتمثل في أنه لم تتعرض قصيدة إلى سوء الفهم ومغالطة التأويل واختزال درويش بداخلها بقدر ما تعرضت قصيدته الأشهر "بطاقة هوية"، من بين 4 قصائد في منجزه تمركزت حول القضية الفلسطينية على نحو مباشر هي: عاشق من فلسطين، على هذه الأرض، وعابرون في كلام عابر، رغم تمحور مشروعه حول الهوية بالطبع.

قصيدة "بطاقة هوية"، المعروفة لدى جمهوره بـ"سجل أنا عربي"، نشرت في مجلة الجديد في مارس (آذار) عام 1963، شهر ميلاده بالجسد، الذي شهد أيضاً ميلاده شعرياً في الداخل الفلسطيني والعالم العربي عبر هذه القصيدة، ومع هذا فقد سعى الشاعر إلى الكف عن إلقائها في المحافل، ويرجع سبب عزوفه عن القصيدة على شهرتها، إلى وقوع القصيدة في فخ "سوء الفهم والتأويل المغلوط في العالم العربي"، بالإضافة إلى طبيعتها المباشرة التي تعارضت بالطبع مع دخوله بوابة التجريب الشعري زمن كان في بيروت حتى أعماله الاخيرة. بينما الحقيقة أنه لم يتغن بالقومية العربية على نحو ما فهم جمهور القراء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موطن المغالطة

ويكشف عماد الطراونة في كتابه "حكاية محمود درويش في أرض الكلام"، موطن المغالطة في تلقي الجمهور لهذه القصيدة فيقول، "لم توضع كلمة عربي في سطر القصيدة الأول في سياقها الصحيح، إذ فُهمت القصيدة على أنها نشيد قومي جامع يُسهم في ترميم كبرياء القومية العربية الجريحة بعد نكسة يونيو (حزيران) عام 1967". ويضيف: "الواقع أن كلمة عربي داخل الدولة العبرية تحمل دلالات مضادة على نحو ما يشير المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند في مقدمة كتابه "اختراع الشعب اليهودي"؛ إذ فرضت إسرائيل على مواطنيها الإشارة إلى انتمائهم الديني والقومي في بطاقة الهوية، بينما فرضت على الفلسطينيين أن تكون هويتهم عربية؛ سعياً منها لمحو كلمة فلسطيني من السجلات، فأنت عربي إسرائيلي؛ لأن كلمتي فلسطين وفلسطيني كانتا ممنوعتين في الأراضي المحتلة".

سُئل محمود درويش في حوار صحافي عن كراهته لقصيدة "سجل أنا عربي" فأجاب: "هذا غير دقيق، مشكلتي ليست مع هذه القصيدة، إنما مع قارئها". وأوضح: "أن محمول القصيدة السياسي والرمزي لا يشكل عبئاً عليّ، لكن المشكلة مع القارئ الذي عدّها بطاقة هويتي الشعرية".

استطرد درويش بقوله، "أنْ أقول أنا عربي في إسرائيل هو عصر التحدي للسلطة الإسرائيلية، لأنها تضطهدني بسبب انتمائي القومي. وإصراري على التمسك بأسباب اضطهادي يعتبر تحدياً ثورياً إلى حد ما. ولا أقول إني عربي لكي أعبر عن اعتزازٍ وتفاخرٍ، أقولها لأعبر عن رفض عدوي وعن مقاومتي للعدمية القومية. سأكون مضحكاً لو وقفت أمام مئة مليون عربي وأقول لهم أنا عربي! ماذا يعني لهم ذلك؟ يعني أنني متعصب ولستُ ثورياً".

المعنى نفسه أكده درويش في كتابه "ذاكرة للنسيان" الذي جاء فيه: "سجل! إيقاع قديم أعرفه. أعرف هذا الصوت البالغ من العمر خمساً وعشرين سنة. سجل أنا عربي، قلت ذلك لموظف قد يقود ابنه إحدى هذه الطائرات. قلتها باللغة العبرية لأستثيره. وحين قلتها باللغة العربية مسّ الجمهور العربي في (الناصرة) تيارُ كهربائي سَرى أفلت المكبوت من قمقمه. لم أفهم سر هذا الاكتشاف، كأني نزعت الصاعق عن ساحة ملغومة ببارود الهوية، حتى صارت هذه الصرخة هويتي الشعرية، التي لا تكتفي بأن تشير إلي، بل تطاردني. لم أدرك أني كنت بحاجة لأن أقولها هنا في بيروت: سجل أنا عربي. هل يقول العربي للعرب إنه عربي؟!".

أثينا.. يا أثينا.. أين مولاتي؟/ على السكّين ترقص/ جسمها أرض قديمة/ ولحزنها وجهان: وجه يابس يرتدّ للماضي/ ووجه غاص في ليل الجريمهْ

ريتــــا اليهودية

جمهور ونقاد درويش طاردوا شخصية "ريتـــا" اليهودية، التي استدعاها إلى المخيال الفلسطيني على حذرٍ منه، بعدما أثار تأويل الجمهور لقصيدة "سجل أنا عربي" المخاوف والهواجس بداخله. وتقصوا أثرها، فسألوا عن هويتها، ومن تكون؟، وهل هي حقيقة أم أنها اسم مستعار للعديد من قصص الغرام التي عاشها درويش، بحسب قوله: "إنها إنسانة. ليست محددة"؟

 

 

كان أول ظهور لـ"ريتـــا" في منجز درويش الشعري عام 1967، وأطلت بها على الجمهور في قصيدة "ريتا والبندقية"، ثم تابعها في قصائد "ريتا أحبيني"، و"تقاسيم على الماء" و"الحديقة النائمة". يتتبع الطراونة أثر "ريتــا" في منجز درويش فيقول: "تَكرر اسمُ ريتا في دواوين درويش: "آخر الليل"، و"العصافير تموت في الجليل"، و"حبيبتي تنهض من نومها"، و"أحبك أو لا أحبك"، و"أعراس". كما ظهرت أيضاً في قصيدة "شتاء ريتا الطويل" بديوانه (أحد عشر كوكباً)، وظلت تتردد في أعماله النثرية حتى رحيله".

ريتا خارج القصيدة

أطلق جمهور الشاعر وأصدقاؤه أياديهم وراحوا يفتشون في دفتر أشعاره ويبحثون في يومياته ليحددوا هوية ريتا، فتعددت الروايات بشأنها. وبحسب الطراونة، منهم من أشار إلى أن ريتا هي الكاتبة اليسارية "تانيا رينهارت"، تلميذة عالم اللغويات الأميركي المشهور نعوم تشومسكي، المولودة عام 1943، وخاضت المعارك في مواجهة احتلال فلسطين، وكانت واحدة من أبرع المحللين للسياسة الإجرامية التي تنتهجها حكومات إسرائيل المتعاقبة". وهو ما نفاه صديق هذه المرحلة الراحل سميح القاسم في تصريحات صحافية جاء فيها: "ريتا عابرة جداً في حياته، ومعرفته بها لم تتجاوز أشهراً".

رواية أخرى أشارت إلى أن درويش أحب شاعرة يهودية، استناداً لقوله، "والشاعرة الحسناء تبكي على قدميّ في الليل، وتدلُ الشرطةَ على آثار قدميّ في الصباح". وهي علاقة نفاها درويش شخصياً. هذه الأبيات أثارت بدورها علاقة درويش بالشاعرة الإسرائيلية "داليا ريبكوفتش" في الستينيات، وجعلت البعض يتكهن بأنها ريتا المقصودة في أشعاره، فهي يسارية، معروفة بمناصرتها للقضية الفلسطينية، ومناهضة للاحتلال، وداعية إلى السلام. ربما فتح شهية النميمة أنها سبق وكتبت مقالة، انتقدت فيها السلطات الإسرائيلية بسبب منعها درويش زيارة أهله في فلسطين عام 1948. و"ريبكوفتش" مولودة في عام 1939، ونشرت أشعارها في خمسينيات القرن العشرين، وفارقت الحياة منتحرة في منزلها بتل أبيب عام 2005.

هذه هي ريتا؟

كان جمهور محمود درويش على موعد مع ريتا ثالثة بعد نصف قرن من ذِكرها في أشعاره، بعدما فُتح الستار، وأعلنت عن نفسها في الفيلم الوثائقي "سجل أنا عربي" عام 2014، وكانت هذه المرة الراقصة اليهودية من أصل بولندي "تامار بن عامي"، المقيمة في برلين، وقالت: "بداية علاقتي بدرويش بدأت بعد رقصة أديتها في مقر الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي كان عضواً فيه قبل استقالته، وكان عمري آنذاك 16 عاماً، لنفترق بعدما استدعيت إلى الخدمة العسكرية بسلاح البحرية الإسرائيلية".

تصريحات درويش بشأن ريتــا متضاربة؛ فمرة أعلن أنها مجرد اسم فني، وأخرى اعترف أنها اسم مستعار لشخصية حقيقية، وبين هذا وذاك كان يخشى تأويل قصائده الغرامية لريتا، على نحو ما وقع مع قصيدة "أنا عربي". إذ قال في حوار صحافي عام 2002: "أخشى أن يُؤول الحب بصورة عامة إلى موضوع من خارجه. أتعامل مع المرأة ككائن إنساني، وأُجري معها حواراً شعرياً إنسانياً متكافئاً بين كائنين إنسانيين. للأسف في ريتا تتداخل نساء عدة، صارت ما يشبه الشيفرة، لذلك أقلعت تماماً عن الكتابة عنها لكي لا تتحول (سجل أنا عربي) عاطفية".

يخبرنا درويش، "أنه بحلول حرب يونيو 1967 انتهت القصة. فقد دخلت الحرب بين الجسدين بالمعنى المجازي، وأيقظت حساسية بين الطرفين، لم تكن واعية بها من قبل. تصوّر أن صديقتك جندية تعتقل بنات شعبك في نابلس مثلاً، أو حتى في القدس، ذلك لن يثقل فقط على القلب، ولكن على الوعي أيضاً. حرب 67 خلّفت قطيعة عاطفية في علاقة الشبان العرب والفتيات اليهوديات".

قال درويش أيضاً في "يوميات الحزن العادي" بعد وقوع هزيمة 1967: "عدتُ إلى زنزانتي من جديد، وفكرت بها، ماذا تفعل الآن؟ كانت في مدينة نابلس، أو في مدينة أخرى. واحدة من الفاتحين تحمل بندقية خفيفة. ولعلها في تلك اللحظة كانت تأمر الرجال برفع أياديهم، أو الركوع على الأرض، أو لعلها كانت تشرف على استجواب، أو تعذيب فتاة عربية في مثل سنها، وفي مثل جمالها السابق".

ومهما يكن الحال، وأيا من تكن ريتا؛ اسماً مستعاراً أو امرأة حقيقية، فقد استحضرها درويش رمزاً، وأدخلها الخيال الفلسطيني، وعكس عبرها الصراع الفلسطيني مع العدو الصهيوني. فقصة ريتا في أشعار درويش تحمل أكثر من حدود العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة.

 "بين الإشارة والعبارة هاجساً؟  ماذا تقول؟/ لا شيء يا ريتا، أقلدُ فارساً في أُغنية/ عن لعنة الحب المحاصر بالمرايا ... عَنّي/ وعن حلمين فوق وسادةٍ يتقاطعان ويهربان/ فواحدٌ يستل سكيناً وآخرُ يُودِعُ النايَ الوصايا/ لا أدرك المعنى، تقول/ ولا أنا، لغتي شظايا/ كغياب امرأةٍ عن المعنى".

المزيد من ثقافة