ملخص
عملت الحكومة السورية الجديدة على عدم الاصطدام مع موسكو، وعلى غير المتوقع فتحت قنوات اتصال على أعلى المستويات لترتيب الحضور الروسي، وسط تبادل وفود دبلوماسية وعسكرية رفيعة المستوى وصولاً لزيارتين أجراهما الشرع إلى الكرملين الأولى خلال أكتوبر عام 2025 ويناير الماضي التقى خلالهما بوتين.
مهما بدا الطريق بين موسكو ودمشق معقداً خصوصاً مع وصول السلطات الجديدة إلى سدة الحكم في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد قبل قرابة عامين وانحسار النفوذ الروسي في البلاد بصورة شبه كاملة، يبقى للقاعدتين الروسيتين في البحر المتوسط غرب سوريا سحرهما الخاص لدى القياصرة الذين يرمون بأنظارهم إلى تلك المياه الدافئة وصولاً الحقبة السوفياتية، مروراً بحكم سيد الكرملين فلاديمير بوتين.
ويدور الحديث اليوم عن مصير ما تبقى من قواعد روسية في سوريا بعد انسحاب طاول جميع النقاط ومراكز القوة على امتداد الجغرافيا السورية، إذ يتضح مستقبل بقاء القاعدتين - وهما حميميم الواقعة في ريف اللاذقية والأخرى في طرطوس - جلياً اليوم بعد التوصل إلى تفاهم نهائي يضع حداً للغموض حول بقاء روسيا الحليف السابق لنظام عائلة الأسد لعقود طويلة.
ولعل المفارقة بأنهما أي القاعدتين كانتا أشهر منصتين لإطلاق الصواريخ وامداد الطائرات الحربية طوال فترة الحرب السورية ومنذ بدء التدخل الروسي خلال عام 2015، حيث قصف قوات المعارضة والمدنيين في قرى وبلدات شمال سوريا تحول الحال اليوم بأنهما ستعملان على تدريب ذات القوات التي كانت تشتبك معها على خطوط التماساً إثر انضمامهم إلى الجيش السوري الجديد.
وكشف نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو عن توصل حكومته مع دمشق إلى اتفاق يجري إعداده بصورته النهائية يضع في المحصلة الشكل النهائي لحضور القواعد الروسية في سوريا، ومن المرجح توقيع الاتفاق النهائي قبل نهاية العام الحالي، لافتاً إلى كون المنشآت العسكرية التابعة للروس ستستخدم في سوريا بصورة جزئية وبصورة مشتركة بين البلدين، حيث تشمل تدريب العسكريين السوريين وتقديم الدعم اللوجستي لهم.
العودة السورية المتدرجة
ويأتي الاتفاق النهائي بعد مفاوضات وتفاهمات بين الدولتين بأعقاب سقوط النظام السابق أفضت إلى مذكرة تفاهم مرحلية في أغسطس (آب) الماضي، في وقت تسلمت فيه الهيئة العامة للمنافذ والجمارك المواقع التجارية التي شغلتها موسكو خلال الفترة السابقة ومن ضمنها مرفأ طرطوس، إضافة للمستودعات والمنشآت الملحقة بها وتسلمها مطار اللاذقية الدولي من القوات الروسية، وأعلنت عن إعادة تأهيله تمهيداً لإعادة تشغيله واستقبال المسافرين.
ووصف المسؤول الروسي في حديث تلفزيوني، الاتصالات مع السلطات السورية الجديدة بالإيجابية، مشيراً إلى تطور الحوار السياسي بين الجانبين للانتقال إلى تطوير العلاقات الاقتصادية.
في الأثناء عملت الحكومة السورية الجديدة على عدم الاصطدام مع موسكو، وعلى غير المتوقع فتحت قنوات اتصال على أعلى المستويات لترتيب الحضور الروسي، وسط تبادل وفود دبلوماسية وعسكرية رفيعة المستوى وصولاً لزيارتين أجراهما الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الكرملين الأولى خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025 والثانية خلال يناير (كانون الثاني) الماضي التقى خلالهما نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وينظر المتخصص في الشؤون العسكرية العقيد المتقاعد أحمد العجم إلى أن حاجة الجيش السوري الجديد في بداية تشكيله إلى التدريب، وراء قرار اللجوء إلى الروس، معتبراً أن هذه الخطوة فيها كثير من الحكمة.
وبرر ذلك إلى كون العقيدة الروسية القتالية لازمت الجيش السوري لعقود طويلة منذ عهد الاتحاد السوفياتي، وحتى بعد استقلال سوريا خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، واعتبر إعادة بسط حكومة دمشق على أراضيها في الساحل بعد أعوام طويلة من السيطرة الروسية عليها يعد نجاحاً مبهراً للدبلوماسية، والنظر إلى تلك القواعد بعين المصلحة المشتركة.
وأضاف، "من المفيد أن تستفيد إدارة الجيش الجديد من الخبرات الروسية، ومن الحكمة تعويض الفاقد من خبرات الجيش القديم، لا سيما في الشأنين الفني والتقني بتأهيل القوات الجديدة وقيادتها وإمدادها بالخبرة المناسبة والمتوافرة، علاوة على التجهيزات الفنية والتدريب عليها، ولا بد من عدم إضاعة فرصة إزاحة اسم سوريا من قائمة العقوبات المفروضة من قبل الولايات المتحدة على شراء السلاح".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع "بالتالي فإن إجراء صفقات توريد سلاح من موسكو يمكن دراستها، وعلى رغم الإيجابيات من جلب السلاح الروسي فإن ذلك يمكن أن يوتر العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب".
وأقرت روسيا بقاء قاعدتي طرطوس واللاذقية غرب سوريا من أصل 114 قاعدة ونقطة عسكرية حتى عام 2024 كانت موزعة في جميع المحافظات السورية من دون ما ننسى القاعدة الثالثة في مطار القامشلي التي انسحبت قواتها خلال يناير (كانون الثاني) الماضي بعد اندلاع النزاع بين دمشق وقسد، والذي امتد من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب إلى الريف الجنوبي من المحافظة ومن ثم الرقة ودير الزور ومع وصول النزاعات إلى الحسكة نقلت القوات الروسية جنودها ومعداتها إلى قواعدها في الساحل.
وتدخلت موسكو بصورة مباشرة في الشأن السوري مع بداية اندلاع الحراك الشعبي خلال عام 2011، وعمدت على تعطيل قرارات مجلس الأمن الدولي باستخدام (الفيتو) إلى جانب الصين لوضع حاجز أمام أي قرار دولي ينهي المعارك الدائرة بين نظام الأسد والثوار.
بناء نظام دفاعي
إزاء ذلك يصف مراقبون العلاقة بين دمشق وموسكو بالمتناقضة في حين يتحدث الباحث السياسي الروسي، رولاند بيجاموف عن مفاوضات تدفع نحو تعزيز قدرات المدفعية والطيران والمدرعات الجيش السوري، إضافة للخبرة الروسية وهذا مهم جداً بالنسبة إلى السوريين لأنها تمنح الجيش الجديد في دمشق استفادة حقيقية ومهمة بالنسبة إلى القادة السوريين.
ويردف في تصريحه الخاص ورداً على تساؤلات حول مستقل العلاقات العسكرية بين البلدين، قائلاً "تحتاج سوريا إلى أسلحة فعالة منها الثقيل والخفيف كما تحتاج القوات الجديدة بالدرجة الأولى إلى التنظيم كقوة دفاعية بعد سقوط النظام السابق وما ألحقته به إسرائيل من تخفيض قدرات السوريين الدفاعية وتدميرها، وهي تحتاج إلى بناء قدراتها العسكرية من جديد، ولا بد من اللجوء إلى روسيا في ضوء أن واشنطن أو الغرب ليستا مهتمتين بتقديم الدعم إلى دمشق، وأعتقد أنه طبيعي لأنه ليس من أهداف الغرب وجود سوريا كدولة قوية من الناحية العسكرية".
وينظر الباحث الروسي بيجاموف إلى أنه حتى وإن دخلت دمشق بحلف مع واشنطن لكنها ستحل بالمرتبة الثانية بعد إسرائيل، ومن هنا تحاول سوريا تنويع علاقاتها، ولا سيما مع روسيا بالمجالات العسكرية والتقنية.
وحضرت موسكو بالساحة السورية سياسياً وعسكرياً منذ اندلاع الحراك الشعبي لإسقاط حكم بشار الأسد الذي تهاوى حكمه في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) وفر هارباً إلى موسكو، حيث يقيم وعائلته في أحد أحياء العاصمة الروسية الفاخرة، ووفر له الكرملين الحماية واللجوء السياسي لأسباب إنسانية.