Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيروت تعايش خوفها من دوامة الفقر

يتذكر أهلوها تعرضهم قبل مئة سنة إلى حصار حلفاء وضربات العسكر العثماني وغزو الجراد

ذكريات مريرة تعود إلى ذاكرة بيروت بسبب أيام صعبة تكابدها الآن (غيتي)

الصفحات متقادمةٌ بين يدي وبالغةُ الهشاشة، فأقلبها بحرص شديد، نافخاً بين الفينة والأخرى على تلك الأوراق الملتصقة ببعضها بعضاً، لأفصل في ما بينها برفقٍ مخافة أن تُتلف أو تتمزّق. أحدس أن يداً لا أعرفها قبل نحو قرن، عندما كان كتابي هذا جديداً، عملت بعناية فائقة، بواسطة صمغ لاصق، على ترميم الصفحة الأخيرة من كتاب الأب أنطوان يمّين، الذي يمثّل شهادة مرعبة على المجاعة الكبرى في لبنان. إنّه كتاب- شبح، يسكن الزمن الراهن. نسختي التي أملكها منه نُشرَتْ في القاهرة عام 1921 وتضمّ صوراً قد يتجنّب المحررون حتّى اليوم مجرّد النظر إليها. وقد عمدت قبل زمن إلى تجليد صفحاته المئتين والإثنتي عشرة، بغلاف جلدي أرجواني، عند أقدم حِرفيّ تجليد كتبٍ في بيروت، يعمل في محلّ صغير ليس بعيداً عن وسط العاصمة، ذلك المكان الذي شهد عدداً من الأحداث التي يتناولها الكتاب.

وأنا لا استكثر على لبنانيي اليوم مخاوفهم. فبيروت عام 2020، على الرغم مما يسود فيها من فساد وغضب ثوري وإفلاس وبطالة وجوع، هي المدينة ذاتها التي تكبّدت قبل أكثر من مئة عام صلف العسكر العثماني، وحصار الحلفاء، وغزو الجراد. وأجداد العائلات التي ما زالت تعيش على طول الساحل اللبناني، وفي الجبال المطلّة على العاصمة، تناثروا في رمل المقابر الجماعيّة القابعة في باطن الموضع الذي يشكّل راهناً "كورنيش المزرعة"، ذاك المعبر الصاخب، الذي يضج اليوم بسيّارات المدينة ومركباتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أذكر أوّل مرّة جئت بها إلى بيروت، ولقائي أشخاصاً كباراً في السن يذكرون حكايا أهلهم عن جثث الموتى في الجبال، قرب بكفيا وبرمانا وفي منطقة الشوف، التي دفنت وأفواهها الخضراء اللون جراء محاولة أصحابها النجاة من الجوع عبر لوك نبات القُرّاص وأكله. وكان ضحايا المجاعة في إيرلندا قبل بنحو 70 سنة من ذلك التاريخ، حاولوا، عبثاً أيضاً، أكل نبات القُرّاص للنجاة بأرواحهم.

وللمجاعة الكبرى في لبنان أوجه شبه أخرى مع المجاعة الكبرى في إيرلندا، المعروفة بـ"غورتا مور" ghorta mor . آنذاك، نُكِبَ الإيرلنديون بـ"آفة البطاطا". واللبنانيون في خضم مجاعتهم تلك التي تسبب بها في الدرجة الأولى نهب العسكر العثماني إمدادات الطعام بغية تأمين الغذاء لجيوشهم في جبهات الحرب العالمية الأولى، وكذلك الحصار البحري الذي فرضه الحلفاء على منطقة المشرق، عانوا من غزو الجراد المرعب الذي سوّدت أسرابه وجه السماء.

وكتب جبران خليل جبران، شاعر لبنان الأكثر شهرة، من منفاه في أميركا؛ "مات أهلي جائعين، ومن لم يمت جوعاً قضى بحدّ السيف". وجبران مثل كثيرين غيره من المسيحيين، رأى أن موت 120 ألف لبناني، أو ربّما 200 ألف (نصف عدد السكان الإجمالي) جاء بفعل خطّة إبادة وضعها الأتراك العثمانيون للقضاء على المسيحيين في ما كان يعرف آنذاك بجبل لبنان.

"قضى ثمانون ألف شخص حتى الآن. ويموت الآلاف كلّ يوم"، كتب جبران عام 1916، رابطاً بين تلك الكارثة اللبنانية وبين إبادة مليون ونصف المليون من الأرمن على يد الأتراك في السنة التي سبقتها.

وكذلك كتب الأب أنطوان يمّين عن الجثث التي رفعت من شوارع بيروت بعرباتٍ تابعة للبلدية، وعن أولئك الذين كانت الحياة ما زالت تجري في عروقهم فكانوا يدفنون وهم أحياء أحياناً إلى جانب الموتى، في موضعٍ عند واجهة بيروت البحرية القديمة، خلف "الرملة البيضاء". كما كتب عن عمالة الأطفال في الدعارة، وعن شعب لا يعاني من غزوة الجوع فحسب، بل أيضاً من انتشار وباء الكوليرا والتيفوئيد. وآنذاك أيضاً، حُكِي عن حالاتٍ أكل فيها بشرٌ لحم بشرٍ آخرين، في طرابلس وبيروت وجنوب لبنان. وفي النهاية حين دخل الجنود البريطانيون إلى لبنان من فلسطين في 1918، أُمِروا أثناء تقدّمهم شمالاً بمضاعفة ما يحملونه من طعام إلى سكان العاصمة اللبنانية. وكتب أحد الجنود البريطانيين عن رجل كان يتضوّر جوعاً في "الدامور"، البلدة المسيحيّة جنوب بيروت، وقد راح ذاك الرجل يحبو على رجليه ويديه مثل حيوان، من أمام مدخل بيته، كي يرحّب به.

بيد أن اللبنانيين اليوم قد يقعون على قصص تذكّر بعض الشيء أيضاً بحكايا عن أغنياء من بيروت استمروا في رفاههم في المأكل والمشرب والعيش وسط تلك الكارثة، وبأخبار عن مرابين و"تجّار أرواح" ارتفعت معدّلات فوائدهم من 25 في المئة إلى 150 في المئة خلال الحرب. إنّه الفساد في منتهاه. عليك أن لا تذكر شيئاً من تلك الحقائق أمام مصرفيي بيروت وصيارفتها في هذه الأيّام.

وكتب الأب أنطوان يمّين أيضاً عن "الطعام" الذي لجأ إليه سكّان القرى كي يتجنّبوا الموت. "فقد قضموا حشائش الحقول والأغصان ونبات العليق، قبل أن يحصدهم الموت. وتلاشت أجسادهم، والتهبت ركابهم، وأكتافهم، ومرافقهم، وهاموا باحثين عن حبوب الشعير وسط روث الحيوانات ..." ولقد تداعت البيوت فوق جثث عائلات بأكملها، كتب يمّين.

وفي المقابل ثمّة آخرون كتبت لهم النجاة. إذ عمل هوراد بليس، رئيس "الكليّة البروتستانتيّة الأميركيّة"، تُسمّى "الجامعة الأميركيّة في بيروت" اليوم، على إنقاذ طلابه من الخدمة العسكريّة في الجيش العثماني. وحين حضر جمال باشا المشرف على الإبادة الأرمنية في 1915 وأحد أكبر قادة العثمانيين في بيروت آنذاك، لزيارة تلك الكليّة في 1917، كتب بليس عن تلك الزيارة، "حظينا بزيارة كريمة من سعادة محمّد جمال باشا". وقد بدا أن تلك الصداقة الخطيرة مع الحاكم العثماني، على الرغم من "إشكاليتها" بحسب وصف مؤرخ تربوي لبناني، هي التي ساهمت في إنقاذ الكليّة وبقائها طوال الأعوام اللاحقة. فقبل سنة واحدة ممّا كتبه بلس، علّق جمال باشا الوطنيين اللبنانيين على أعواد المشانق في وسط بيروت، في الموضع الذي يسمى اليوم "ساحة الشهداء". كذلك عُرِفَ جمال باشا آنذاك بـ"السفّاح" عندما غادر البلاد التي كانت لا تزال "سوريا الكبرى" في 1918، وذلك على الرغم من استمرار السجال حول مسؤوليته عن المجاعة اللبنانية.

ومن دون شكّ ساهم حصار فرنسي– بريطاني فُرِض على السواحل المشرقيّة خلال الحرب العالمية الأولى، في التسبب بالجوع. إذ ترافق الحصار مع عمل العثمانيين على مصادرة المحاصيل ورفض الأتراك السماح للقطارات بنقل القمح من سوريا إلى لبنان، تاركين خطوط القطار حكراً على الجيوش العثمانية. وأُجبر الشبّان اللبنانيّون على الالتحاق بالجيش العثماني، فتعذّر عليهم بسبب ذلك مساعدة عائلاتهم إذ حلّت المجاعة. والد سائقي الشخصي في بيروت، وهو سائق كبير في السن، اعتقل في يوم زفافه وأجبر على الالتحاق بالجيش العثماني.

وكتبت امرأة أميركيّة كانت تسكن بيروت آنذاك واصفة "مرورها بنساء وأطفال يفترشون جنبات الطرق وأعينهم مغمضة ووجوهم مروّعة شاحبة. وكان من الأمر العادي معاينة أناس يبحثون في أكوام النفايات عن قشر ليمون أو عظام مرميّة وغيرها من الفضلات...". ثمة امرأة أميركيّة أخرى كانت تعمل مع رئيس "هيئة الصليب الأحمر الأميركي" في بيروت، جالت على مدى يومين في أنحاء لبنان عام 1917 وعاينت "عائلات بأكملها تتلوّى ألماً وأسىً فوق الأرض العارية لأكواخهم البائسة..."، إذ باع هؤلاء كلّ قطعة من ممتلكات بيوتهم لشراء الخبز، وفي أحيان كثيرة باعوا أيضاً قرميد الأسقف لتلك الغاية.

ووصف سكان بيروت من الأجانب في ما بعد كيف كانوا يُغلقون نوافذ بيوتهم في الليل كي لا يسمعوا توسّلات الجوع، وصرخات "جوعان" التي يطلقها بين الفينة والأخرى أطفال على حافة الموت. ومن بين أول الصور التذكارية التي التقطها جنود الحلفاء حين بلغوا بيروت، ثمة صورة مروّعة على بطاقة بريدية تظهر أطفالاً يتضوّرون جوعاً في ميتم المدينة عام 1915، وعظام أطرافهم ناتئة كالأعواد، ووجوههم أشبه بجماجم تعلو بطونهم المنتفخة المتورّمة.

ولم يكن عسيراً الوقوع على ما خطّه جبران، الشاعر المتسامح ذو المسحة الفلسفيّة، مشيراً إلى العثمانيين كـ"وحوش" وسط ذاك الجحيم الأرضي، وذلك حين كتب "مات أهلي". مات اللبنانيون، كتب جبران "لأن الأفاعي أبناء الأفاعي نفثوا السموم في الفضاء الذي كانت تملؤه أنفاسُ الأرز وعطور الورود والياسمين". وقد عانى المشرق المجاعة أيضاً في سنوات سبقت. إذ غرق لبنانيون في باخرة "تايتانيك" (أسماؤهم ما زالت محفورة في لوحة بالنصب التذكاري للسفينة في مدينة بلفاست) كانوا هاربين أيضاً من مجاعة حدثت عام 1912، لكن على نطاق أصغر.

بيد أن محن اللبنانيين تناستها بقية الأمم في الأعوام التي تلت، كما حصل خلال الحرب الأهلية بين العامين 1975 و1990، وكما قد يحصل اليوم. إذ قد تضيع مصائبهم الراهنة ويجري تجاهلها في ظلّال خرائب الجار السوريّ. إنّ وزير الخارجية الفرنسي الذي زار لبنان هذا الشهر ليبلغ حكومته البائسة أن مصيرها بات في يدها، ربّما تذكّر أيضاً أن السفن الحربية الفرنسية التي ساهمت في فرض الحصار البحري على سواحل المشرق حالت دون وصول إمدادات الطعام إلى بيروت خلال الحرب العالميّة الأولى.

لم تقتصر المسؤولية عن المجاعة الكبرى في لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، على العثمانيين وحشود الجراد. القتلى الفرنسيون في فردان، الموقعة الأكثر دموية لفرنسا خلال تلك الحرب، تجاوزوا الـ162 ألفاً، وذاك إن أضفنا عليه أو أنقصنا منه بضعة آلاف قليلة، يوازي ما تكبّده اللبنانيون بالتزامن آنذاك. فلا عجب أن يشعر شعب لبنان اليوم بالخوف أمام هذه العبارة: "المجاعة".

© The Independent

المزيد من آراء