Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خبراء يحذرون من فشل نظام اختبار كورونا بسبب البطء والقرارات الخاطئة

تقرير استقصائي: قرارات غامضة تحيط بمشروع بناء شبكة مختبرات طبية جديدة ومعركة في المحكمة العليا حول برامج وتطبيقات "تشوبها العيوب" ويجري اليوم توسيع هذا النظام بتكلفة مليارات الجنيهات

"المزاعم المطروحة لا تشير إلى انتهاك القانون" (رويترز)

قال خبراء صحة بريطانيون وعاملون بارزون في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" NHS لـ"اندبندنت" إن بشراً فارقوا الحياة نتيجة تأخيرات في نظام فحوص كورونا وفي قرارات إنشاء مختبرات كبرى خاصة لتحليل عينات الفحوص والتعامل معها. وكشف تقرير استقصائي موله "برنامج الداعمين" Supporter Programme عن مخاوف سادت على نطاق واسع تتعلق بنظام "مختبرات المنارة" Lighthouse Lab، المعد للتعامل مع اختبارات وفحوص فيروس كورونا، والذي لم يُطبق على نحو كامل إلا في أواخر أبريل (نيسان)، أي بعد أسابيع من ذروة انتشار كوفيد 19 في بريطانيا.

ووجه ثلاثة من كبار خبراء الأمراض في بريطانيا تحذيراً للمسؤولين في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" NHS عبر رسالة بعثوها لهم، واطلعت "اندبندنت" عليها، إذ أشاروا في رسالتهم إلى احتمال تسبب الاستراتيجية المتبعة بمشكلات ستؤدي "لا محالة إلى إزهاق الأرواح"، فيما هي مشكلات "يمكن تلافيها". كما دعوا في رسالتهم إلى إجراء تغييرات في الاستراتيجية قبل موجة الفيروس الثانية.

وذكر الخبراء أن المختبرات الخاصة يلزمها في الغالب 72 ساعة كي تصدر نتائج الفحوص بعد تلقيها العينات، وذاك يجعل الاعتماد عليها على نطاق واسع وضمن استراتيجية أكبر، غير مجد. وقالوا إزاء ذلك إن المختبرات المحلية يمكنها إصدار النتائج بعد 6 ساعات فقط من وقت إجراء الفحص. كما توصل تقريرنا الاستقصائي إلى المعطيات التحذيرية الآتية:

قال مديرو الصحة العامة المحليون إنهم وبدل تلقيهم الدعم لاحتواء مظاهر تفشي الفيروس وتحديدها، فقد جرى "تهميشهم" ولم يتمكنوا من الوصول إلا إلى الحد الأدنى من مجمل المعلومات والبيانات، وذلك حتى مطلع الشهر الحالي (يونيو/ حزيران) حين فاق عدد الوفيات في بريطانيا الـ42 ألف شخص.

ثمة مزاعم قانونية تُشير إلى أن أكثر من 1000 فحص أجري في الأسبوع بالمختبرات جاءت نتيجته سالبة عن طريق الخطأ بسبب مشكلات من ناحية الدقة يعاني منها نظام الفحص المتبع.

خبراء في الصحة، من بينهم السير بول نيرس، الحائز على جائزة نوبل ومدير معهد فرانسيس كريك Francis Crick في لندن، اعتبروا أن قرار تكليف المختبرات بإجراء مهام الفحوص، والذي منح الشركات الخاصة ملايين الجنيهات، يمثل خطأ على المستوى التكتيكي ارتكب بعد فوات الأوان ومن دون الاستشارات اللازمة، وهو يبقى حتى الآن محاطاً بالغموض.

أفاد عاملون في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" NHS بأنهم انتظروا لنحو سبعة أيام كي يتسلموا نتائج الفحوص.

يرى أفراد عاملون في المختبرات أن المعايير المتبعة تفاوتت على نحو كبير بحسب مواقع المختبرات، وأن هناك نسبة غير قليلة من عينات الفحوص جرى تجاهلها.

أمام الموجة الجديدة المنتظرة من كوفيد 19 والتي قد تفصلنا أشهر عنها، فإن نتائج فحوص أشخاص يُعتبرون مرضى لم ترسل حتى الآن إلى مسؤولي الصحة المحليين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من هذه المعطيات التحذيرية فإن ثمة ما يُشير إلى استمرار الحكومة في المضي بنظامها المُسمى "نظام مختبرات المنارة" Lighthouse Laboratory scheme مع خطط لتأسيس سبعة مختبرات جديدة في أنحاء مختلفة من المملكة المتحدة. وأصدرت "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" Public Health England في وقت سابق من هذا الشهر (يونيو) بلاغاً عن عقد بقيمة 5 مليارات جنيه إسترليني "لتعيين موردين" بهدف تأمين إمدادات وتجهيزات التشخيص والبحث ولـ"توفير قدرات الفحص" ليس فقط لمصلحة "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" ووزارة الصحة والشؤون الاجتماعية البريطانية، بل أيضاً لإدارات "الخدمات الصحية الوطنية" NHS وللمؤسسات الصحية في ويلز واسكتلندا.

وقالت مصادر لـ "اندبندنت" إن هذا كان جزءاً من المرحلة الثانية لخطة توسيع عمليات الفحص والاختبار، وهي المرحلة التي ستتضمن تأسيس مختبرات إقليمية في أنحاء بريطانيا. ويشير بلاغ العقد إلى أن إطار العمل سيطبق طوال سنتين مع إمكانية تمديده، كما يشير إلى أنه صمم كي يدعم "جميع الركائز الخمس التي تنهض باستراتيجية الفحص والاختبار، والتي وضعتها وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية".

سباق لزيادة الفحوص

بالنسبة للخبراء الذين يقدمون المشورة للحكومة فقد كانت حاجة بريطانيا واضحة منذ مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي لنظام فحص واختبار شامل يهدف إلى مكافحة فيروس كورونا. وتُظهر محاضر اجتماعات هيئة "المستشارين العلميين في أوقات الطوارئ"، المعروفة بـ Sage، أنه جرى تسليط الضوء على مشكلات الفحص والاختبار التي طُرحت في ذلك الشهر في ووهان الصينية، مهد كورونا. وفي الأسابيع التي تلت أشارت النقاشات الدائرة إلى "الأهمية الكبيرة" لمسألة رفع مستوى فحوص التشخيص بغية السيطرة على الوباء. بيد أنه ومع حلول منتصف مارس (آذار)، وفيما كانت منظمة الصحة العالمية WHO تدعو الدول إلى "الفحص والفحص والمزيد من الفحص"، فإن "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" لم تجر أكثر من 4 آلاف فحص في اليوم الواحد حين كان هدفها إجراء 10 آلاف فحص في اليوم. ومع دخول البلاد في تدابير الإغلاق في 23 مارس سُجل إجراء 5 آلاف فحص في اليوم، وسط نقص عالمي عام بالمواد الكيماوية الضرورية لإجراء الفحوص وبماسحات العينات، وغيرها من المعدات المطلوبة. وقد أشار المراقبون باهتمام في ذلك الوقت إلى ألمانيا، التي اقتربت آنذاك من تحقيق 100 ألف فحص في الأسبوع.

وداخل "داونينغ ستريت" (مقر الحكومة البريطانية) فإن صبر المسؤولين كان قد نفد تجاه "دائرة الصحة العامة في إنجلترا"، ودارت نقاشات عدة شارك فيها مستشارون حكوميون أمثال أندرو غيليغان، إضافة إلى مدير صندوق "ويلكوم تراست" Welcome Trust للدعم السير جيريمي فرار، والسير جون بيل، العضوين في هيئة "سايج" أيضاً.

وخلال ظهوره في برنامج "ذا أندرو مار شو" The Andrew Marr Show يوم الأحد الماضي اعترف السير جيريمي بالأخطاء المرتكبة في طريقة مواجهة بريطانيا للجائحة، قائلاً "لقد سبقتنا، وكنا شديدي البطء، ولذلك انفلت عقال الجائحة ولم يعد بمقدورنا السيطرة عليها".

وقال لـ "اندبندنت" أحد المستشارين الحكوميين البارزين، وهو من المطلعين على القرارات التي أطلقت نظام "مختبرات المنارة"، إنه كان هناك خلال مراحل المواجهة الأولى "تقصير في التفكير الاستراتيجي" من جهة الحكومة، وذلك من ناحية عدد الفحوصات التي كان ينبغي تحقيقها. فقد قالوا، بحسب ما ذكر المستشار البارز، إن هناك "نمواً خطياً" في القدرات التي خُطط لها من قبل "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" ومختبرات "الخدمات الصحية الوطنية" NHS، في حين كانت الحاجة تتمثل بـ"النمو المتسارع" وبـ"الدعوة لهذا النمو". وقد تقرر آنذاك أن المقاربة المركزية ستكون أكثر فعالية في مواجهة الجائحة، وستسهم في تحقيق سيطرة أكبر عليها، بدل من مجرد نشر مختبرات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" والمختبرات الأكاديمية وتخصيص التمويل لها بهدف تمديد عملياتها وتوسعتها. كما أشير إلى ضرورة تأمين الإمدادت الضرورية، المتمثلة بالمواد الكيماوية وماسحات العينات وغيرها من الأدوات المطلوبة لإنجاح عمل نظام المواجهة، باعتبارها عاملاً رئيساً في تحقيق أهداف ذلك القرار.

وجاء الأمر بعد شهرين من إطلاق هيئة "سايج" (الاستشارية) التحذير الأول بمثابة سباق مع الزمن لتطبيق برنامج الفحص خلال المرحلة الرئيسة من الأزمة، وللمساهمة في تحقيق هدف مات هانكوك (وزير الصحة البريطاني) المتمثل بإجراء 100 ألف فحص في اليوم الواحد مع نهاية أبريل. وتساءل المستشار البارز في هذا الصدد قائلاً، "هل مثل هذا القرار الأمر الصحيح الذي كان ينبغي القيام به؟ ما تحقق بالفعل كان معجزة حقيقية". وذلك على الرغم من عدم تطبيق التحسينات السريعة إلا بعد الانطلاق الذي شهد تأجيلاً غير قليل.

الأذى وقد وقع فعلاً

وكان تقرر اعتماد نظام "مختبرات المنارة" Lighthouse Lab كجزء من "الدعامة الثانية" في خطة وزارة الصحة البريطانية لتكثيف عمليات الفحص. وإذ كانت "الدعامة الأولى"، التي ضمت في تكوينها هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" و"دائرة الصحة العامة في إنجلترا"، تعني إجراء 25 ألف فحص في اليوم، فإن "مختبرات المنارة" صممت للبلوغ بالفحوص مستويات قصوى، فتشمل جميع سكان بريطانيا عبر مراكز فحص يمكن الوصول إليها بواسطة السيارات وعبر فحوص تجرى في المنازل.

وانطلق "مختبر المنارة" الأول في ميلتون كينزبيوم 9 أبريل في مكاتب "المركز البريطاني للبيولوجيا" UK Biocenter، وهو وكالة أعمال غير ربحية تأسست عام 2011. وافتتح المختبر الثاني يوم 20 أبريل في "إيديرلي بارك" في تشيشير Cheshire، وأشرفت عليه شركة "ميديسونس ديسكوفوري كاتابولت ليميتد" Medicines Discovery Catapult Ltd، بتمويل من الوكالة الحكومية البريطانية "إينوفايت يو كي" Innovate UK. وبعد أيام قليلة افتتح المختبر الثالث في جامعة غلاسكو، وتمركز بحرم مستشفى جامعة الملكة إليزابيث في العاصمة الاسكتلندية. وانضم في ما بعد إلى هذه المختبرات الثلاثة مختبر خاص في إيرلندا الشمالية تديره شركة "راندوكس" Randox ومختبر آخر أيضاً في كامبريدج تديره شركتا إنتاج الأدوية العملاقتان "أسترازينيكا" AstraZeneca و"جي أس كي" GSK. وحيا الوزراء السرعة التي تم فيها إنشاء تلك المختبرات، وتحدثوا عن نمط جهود غير مسبوق. بيد أن الخبراء قالوا لـ "اندبندنت" إن الأذى كان قد حل بالفعل في تلك المرحلة. فهذا النظام برأيهم مُني ببداية عقيمة، وذاك يعني أن المختبرات كانت عاجزة عن التعامل مع الفحوصات خلال ذروة انتشار الفيروس قرابة 8 – 9 أبريل.

من جهته البروفيسور كولن فينك، من "مايكروباتولوجي ليميتد" Micropathology Ltd، مختبر الأمراض الجرثومية الرئيس في بريطانيا الذي يقدم خدماته لأكثر من 200 مستشفى منذ أكثر من ربع قرن، قال إن "الحكومات بتوجهاتها المختلفة على مدى الأعوام كانت أصابت نفسها في مقتل، لأنه عندما قفز فيروس كورونا أخيراً من نوع حيواني إلى النوع البشري كان ثمة تحذير آنذاك يُشير إلى وقوفنا فوق قنبلة موقوتة، وأن لا أحد في بلدنا كان مستعداً للأمر، فيما كان ينبغي إعداد العدة. فما كان ينقصنا أمام ذلك الوضع هو بنية تحتية متكاملة. وقد جاء الأمر بمثابة فشل راح يتفاقم عبر تجاهل الحكومات لمسبباته في مراحلها الأولى، حين كان ينبغي عليها التحرك. حتى أنهم لم يتحروا إن كان بمقدور مختبرات مثل مختبراتنا إجراء المزيد من الفحوصات.

قدرات إجراء الفحوص

وتابع البروفيسور فينك حديثه عن قدرات إجراء الفحوص قائلاً، "أعتقد أن الحكومة كانت في موقف يائس وأن مختبرات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" سجلت تراجعاً مخزياً على مدى الأعوام. وكان ينبغي من دائرة "الصحة العامة في إنجلترا" القيام بمقدار أكبر بكثير من الفحوصات، بيد أنها فشلت تماماً في ذلك ولم يجر إلقاء المسؤولية على أحد". وأشار إلى أن "الخيار الوحيد أمام الحكومة تمثل في إطلاق "مختبرات المنارة" Lighthouse Lab تلك. بيد أن الأمر بدا كمثل استئجار حصان، فيما كان بالإمكان الحصول على سيارة رولز رويس. وذاك كان بمثابة باقة من الخيارات العديمة الكفاءة". ورأى البروفيسور فينك أن الأمر "بالتأكيد" قاد إلى إزهاق مزيد من الأرواح، مُشيراً إلى القرار الذي اتخذ بشهر مارس وقضى بوقف إجراء الفحوص في المراكز الاجتماعية في الأحياء وفي دور الرعاية وذلك حين بدأت الجائحة بلوغ ذروتها. وتظهر بيانات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" أن أكثر من 25 ألف مريض جرى إرسالهم إلى دور الرعاية بين 17 مارس و16 أبريل قبل توافر إجراءات الفحص الروتينية.

البروفيسور آلان ماكنالي، من معهد البيولوجيا المجهرية والأمراض المعدية في جامعة بيرمينغهام، الذي تطوع للعمل في "مختبر المنارة" Lighthouse Lab بميلتون كينز على مدى 12 أسبوعاً، قال إن "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" ومختبرات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" وحدها كانت ستجهد لتحقيق المقدار المطلوب من الفحوصات، لكنه رأى أنه كان يمكن تعبئة المختبرات الأكاديمية والكليات الطبية على نحو أسرع لإنجاز المهمة. وأضاف أنه "ما كان جوهرياً هو الوقت الذي استلزمنا للوصول إلى استراتيجية فحص فعالة. لماذا لم نعرف إلا في أواخر فبراير (شباط) ومطلع مارس أنه كان علينا إجراء فحوص أكثر مما نقدر عليه راهناً؟ بالتالي لماذا تطلب اتخاذ القرار بشأن كيفية القيام بذلك كل هذا الوقت. وأضاف ماكنالي قائلاً أنه ليس مهماً إن كان الأمر سيتحقق عبر المسار الأكاديمي أم عبر "مختبرات المنارة"، بل المهم كان التوصل إلى اتخاذ القرار بوقت أبكر بكثير. ورأى أنه "لو باشرت مختبرات المنارة عملياتها أبكر بأربعة أسابيع لأحدثت تغييراً ضخماً. إذ إن السيطرة على الوباء لا تتم عبر طريقة واحدة. والأكثر أهمية في هذا المسار برأيي هو الفحص، والتتبع والعزل، ونحن لم نطبق أياً من هذه القواعد".

"المشكلات التي يمكن تلافيها"

اتخذ قرار إنشاء مختبرات خاصة جديدة بدل توسعة الأنظمة الصحية الموجودة من دون استشارة مرجعيات القطاع الصحي. ولم يكن للشركات التي منحت عقود المشروع أي خبرات، أو القليل منها في أحسن الأحوال، بإجراء ذلك النمط من الفحوص التشخيصية الشاملة. وأشارت وزارة الصحة إلى خبرة العلماء والمتطوعين الذين شاركوا بالمشروع واعتبرت أن عمر خبرتهم في إجراء الفحوص يبلغ "مئات السنين". وفي هذا السياق قام معهد فرانسيس كريك بلندن بتطوير طريقة خاصة في الفحص، كما قام بمساعدة هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" في شمال لندن بإجراء مئات الفحوص في اليوم الواحد. وقال مدير المعهد، السير بول نيرس، لـ "اندبندنت" إنه يرى عدم تعبئة المختبرات المحلية في جميع أنحاء البلاد وعدم الاستفادة منها بمثابة خطأ ارتكبته الحكومة. وتحدث نيرس عن ذلك قائلاً "لقد اتصلت بداونينغ ستريت في وقت مبكر، لكن بدا أن المسار المحلي غير واردٍ أبداً". وأضاف "كان ذلك برأيي خطأ تكتيكياً، لأنه كان واضحاً منذ البداية أن الحل الذي تمكن إدارته محلياً من شأنه أن يكون فعالاً. وقد تطلب الأمر الانتظار إلى أن بدأت المختبرات الكبرى بالتحرك، وذاك اقتضى وقتاً طويلاً بسبب النقص في الاستعدادات. وما قمنا به في معهد كريك The Crick كان يمكن القيام به واعتماده في مختبرات الجامعات وكليات الطب في جميع أنحاء البلاد، والتي تعطلت بسبب تدابير الإغلاق. وتحدث السير بول نيرس عن قدرات معهد كريك قائلاً إنه "يمكن لمختبرنا المحلي في كريك The Crick إصدار نتائج الفحوص خلال 24 ساعة، وحتى في أقل من 12 ساعة. المختبرات الكبيرة كي تحقق ذلك يلزمها نحو خمسة أيام وهذه لا ترتجى منها فائدة تقريباً. لقد ساد فشل في التفكير بشكل خلاق في التعاطي مع الفحوص، كما أن قرار إنشاء تلك المختبرات أحيط بهالة من الغموض، على الأقل بالنسبة لي. من اتَخذ هذا القرار؟ ولماذا اتُخذ؟ ومن نصح باتخاذه؟ وكم كانت كلفته"؟

في الخامس من مارس أعلنت الحكومة البريطانية أن فيروس كورونا يمثل مرضاً ينبغي الإبلاغ عنه، وذاك يعني أن القانون يُلزم الأطباء، في المستشفيات والعيادات، كما يلزم المختبرات، إبلاغ "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" عن الحالات التي يشخصونها وأن يرفقوا بلاغاتهم بمعلومات مفصلة عن المرضى للمساعدة في السيطرة على الوباء. بيد أنه، ووفق نظام الفحص، الذي تشرف عليه شركة التدقيق الكبرى "ديلويت" Delloitte  فإن ماسحات العينات تُرسل إلى "مختبرات المنارة" مزودة بشيفرة خيطية (شريط شيفرة) bar code، ومن دون بيانات عن المريض. ثم ترسل نتائج فحص كل شيفرة خيطية إلى القسم الرقمي NHS Digital في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، حيث تُجمع مع المعلومات عن المريض  قبل إرسالها إلى "دائرة الصحة العامة في إنجلترا"، والتي بدورها ينبغي أن يكون بمقدورها توزيع البيانات الرئيسة إلى الأطباء في العيادات ومديري المؤسسات الطبية، علماً أن خبراء قالوا لـ "اندبندنت" إن هذه المقاربة المجزأة تسببت بمشكلات عدة من ناحية تبادل المعلومات. كما أن هناك أسئلة طرحت فيما إذا كانت تلك المقاربة وافية من ناحية تطبيق تدابير الوقاية الصحية المتصلة بنمط الأمراض التي ينبغي الإبلاغ عنها، وهو الأمر الذي يفترض إجراء المختبر اتصالاً مباشراً بـ"دائرة الصحة العامة في انجلترا".

وفي هذا الصدد قال جايسون كوبيل، محامي القضايا العامة البارز، إن "على مختبرات المنارة واجب قانوني يلزمها إبلاغ دائرة الصحة العامة في إنجلترا بكل نتيجة إيجابية من فحوص كوفيد 19، الذي هو وفق تدابير الوقاية الصحية مرضٌ ينبغي الإبلاغ عنه. وأي تقصير في إبلاغ دائرة الصحة العامة في انجلترا من دون عذر مقبول يعد مخالفة جنائية". ويضيف السيد كوبيل، الذي يتولى أيضاً تمثيل الشركة التي رفعت دعوى قضائية على المختبرات بسبب نظام الفحص المعتمد، إن "ما يثير القلق من وجهة نظر رقابية هو اعتبار فرض الواجب القانوني على المختبرات تدبيراً ضرورياً، الأمر الذي يظهر تلك المختبرات التي لا تلتزم من تلقاء نفسها، ويترك دائرة الصحة العامة في إنجلترا معتمدة على إشعارات وبلاغات مؤسسات أخرى لا تشملها تلك الواجبات القانونية".

من جهته هيو رايسبرو، المستشار والمدير التنفيذي السابق لفرع بريطانيا من "سينلاب"Synlab، وكالة المختبرات الأوروبية الكبرى، قال إن قرار عدم توسعة المختبرات الموجودة والعاملة وعدم زيادة قدراتها التوظيفية وشبكات معلوماتها تسببا بحالات التأخير و"حتماً بإزهاق حياة الناس". وأضاف رايسبرو أنه "وبالنظر إلى الهيكلية القوية التي تتمتع بها مختبرات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" والمقرونة بقدرتها بإجراء الفحوصات نظراً لامتلاكها التجهيزات وفرق العمل والروابط الفنية التقنية التي تمكنها من إعادة نتائج الفحوص للأطباء في عياداتهم ولمديري المؤسسات الطبية، فإنني متفاجئ من عدم اتخاذ الحكومة قراراً بتعزيز تلك القدرات، بدل قيامها بإنشاء مختبرات جديدة من الصفر مع كل ما يفترضه ذلك من مخاطر وتعقيدات وإرجاءات حتمية".

وفي 15 مايو (أيار) قام ثلاثة من الأطباء البارزين العاملين في عيادات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، والذين سبق وقادوا مساعي على الصعيد الوطني هدفت إلى تطوير علاجات الأمراض، بإبداء قلقهم إزاء ما تقوم به "مختبرات المنارة" من عمليات، وبعثوا برسالة إلى مسؤولي قطاع الصحة في البلاد عبروا فيها عن مخاوفهم تجاه ما يحصل. والأطباء هؤلاء هم توم لويس، وماريون وود، ومارتن مايرس، وقد بعثوا برسالة مخاوفهم إلى البروفيسور تيم بريغس، المسؤول عن برنامج هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" الذي يحمل اسم "تحقيق الصواب من المرة الأولى"، وإلى جو مارتن، رئيس الكلية الملكية لعلم الأمراض. وحذروا في رسالتهم تلك من أن يؤدي النقص في البيانات المتعلقة باستبانات المرضى إلى "تعذر" مطابقة المرضى بملفاتهم الموجودة عند هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، مشيراً إلى أن تأثير ذلك في الخدمات الصحية المحلية لا يمكن التقليل من أهميته، فسلامة المرضى، بحسب ما قال، "يمكن أن تتعرض للخطر جراء النقص في التواصل مع أنظمة هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" وبُناها".

وجاء في رسالة الأطباء الثلاثة أن مختبرات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" بوسعها تأمين خدمات أسرع وأكثر تكاملاً، وذكروا حرفياً أن "الفترة التي تستغرقها المختبرات الرئيسة كي تصدر نتائج الفحوص تقدر بـ 72 ساعة بعد وصول العينات إلى المختبرات. وهذا أبطأ من أن يحقق عملية تعيين وتتبع فعالة، حتى لو جرى تحديد الحالات الإيجابية على نحو دقيق. وهناك تقارير كثيرة عن نتائج لم يتم إرسالها إلى الأفراد أصحابها، أو أنها بلغتهم متأخرة لأسابيع". وكتب الأطباء الثلاثة في رسالتهم أن "استراتيجية الفحص الوطنية المتبعة راهناً تقود إلى مشكلات تتعلق بالعناية الدقيقة وبالتجاوب مع متطلبات الصحة العامة، وذاك سيؤدي حتماً إلى دفع الثمن من أرواح الناس، وهو أمر يمكن تلافيه تماماً".

وحين سألنا الدكتور لويس التعليق على الرسالة، وهو عالم مايكروبيولوجيا ورئيس قسم علوم الأمراض في برنامج "تحقيق الصواب من المرة الأولى" التابع لهيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، قال "أعتقد أنه من بين عينات الفحوص الـ100 ألف التي أخذت في كل يوم، فإن نسبة الثلثين منها جرى أخذها خارج مختبرات المستشفيات. وتلك النتائج جاءت أبطأ من أن يستفاد منها عيادياً، وهي لم تساعدنا في توجيه جهودنا وتصويبها". وأضاف لويس "إن أقرينا بأهمية الفحص لجهة تخفيفه من أثر الفيروس ومساهمته الأكيدة بإنقاذ الأرواح، فإن الحقيقة التي تقول إن هذه الفحوص هي دون المستوى المطلوب تشير إلى وجوب استخلاصنا العبر. لذا إنها فرصتنا الآن لإجراء التقييم والاستفادة منه، وأمامنا على الأرجح ثلاثة أشهر كي نصحح الأمر قبل موجة الفيروس الثانية".

وكان عالم الأمراض في الكلية الملكية قال في مايو المنصرم إن استخدام ما يتوافر من مختبرات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" سوف "يقلل من مخاطر التشتت والازدواجية في العمل التي يتسبب بها إرسال عينات الفحوص إلى المختبرات البعيدة". وقامت الكلية في وقت سابق من الشهر الحالي (يونيو) بوضع خريطة طريق تهدف إلى تحسين استراتيجية الفحوص البريطانية، وقالت محذرة، في سياق خريطة طريقها، إن الفحص ليست أمراً "يُجرى ويحصى" وحسب. وأشارت الكلية الملكية في توصياتها إلى مشكلات شائعة من بينها "الضعف في استخلاص العينات، والضعف في التوسيم وفي تدوين التفاصيل، والبطء في إصدار نتائج الفحوص، والضعف في مراقبة الجودة، والتبادل غير الفعال لنتائج الفحوص، والتعامل غير المناسب مع النتائج، وقصور المساهمات والأدوار العيادية". وتابعت الكلية الملكية في توصياتها قائلة إن "العديد من هذه المسائل شهدناها فعلاً في الآونة الأخيرة، وهي تحتاج جميعها وعلى نحو طارئ إلى المعالجة". كما ذكرت التوصيات بوجوب توفير البيانات على المستوى المحلي، وبضرورة إدراجها في السجلات الطبية، وشددت أيضاً على "وجوب التمسك بالمستوى العالي للفحوص".

ثقب البيانات الأسود

يقول المسؤولون المحليون الذين يحاولون السيطرة على تفشي الفيروس في مناطقهم إن المشكلة التي واجهوها وما زالت مستمرة تتمثل بتعذر الوصول إلى بيانات المرضى المفصلة بغية مساعدتهم في رصد التواصل المحتمل مع حاملي الفيروس وكشفه. وذكر أحد المسؤولين قائلاً "بصفتي مدير من مديري شؤون الصحة العامة، أقول بصراحة ومن دون أي شك إنني تعرضت للتهميش. إذ بلغتنا البيانات في مطلع يونيو وما أظهرته أشار إلى أن العديد من المناطق، وعلى خلاف ما توقعه بعضنا، يسجل معدلات مختلفة في نسب انتقال العدوى. وكنا بدأنا نشعر بالإحباط تجاه ما تقوم به "دائرة الصحة العامة في إنجلترا"، وفي الدائرة بدورهم بدأوا يشعرون بالإحباط أيضاً تجاه البيانات التي كانت تصلهم، وذاك مثل خطراً محتملاً، لأننا لم نكن نستخلص أبداً من تلك البيانات أي إشارات عن تفاقم انتشار قادم، وهذا الأمر ما زال على حاله ونعيش اليوم في ظله. فنحن ما زلنا لا نتسلم سجلات البيانات. بل أن ما نتسلمه يتمثل بملخص للبيانات لا أكثر، فقط أعداد الذين أجروا الفحوص وتأكيداً لخضوعهم لها من دون أي معلومات إضافية عن حالات المرضى الحقيقية". وهم أضافوا تلك المعلومات الأساسية المتعلقة بالمرضى، كمثل أمكنة عملهم أو دور العبادة التي يرتادونها، وهذه معلومات لا يسجلها في العادة خط هاتف "الفحص والتتبع" الذي أطلقته هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، NHS 119، علماً أنها معلومات جوهرية لتحديد بؤر التفشي.

وتابع هذا المسؤول المحلي قائلاً "إحدى نواحي الفشل في هذا النظام تمثلت في مهمة الوصول إلى التوافق على صيغة تبادل البيانات بين قسمي هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، NHS 111 وNHS 119، حيث تُدخل البيانات في النظام معلومات المرضى. ومن ثم التوافق بين الأطراف التي تقوم بالفحوصات، من بينها "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" والمستشفيات المحلية، وبشكل خاص "مختبرات المنارة" والإدارات المحلية". وفي هذا الصدد قالت "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" إنها قامت بتزويد أطباء الصحة العامة ببعض البيانات المتعلقة بمن بلغوا مرحلة المرض، بيد أنها اعترفت بأن المقدار الأكبر من البيانات لم يتوافر إلا مع حلول هذا الشهر (يونيو).

أما العاملون في المختبرات والمطلعون على سير أعمالها فرأوا أن مسألة البيانات هذه ازدادت تعقيداً بسبب معضلة الإحصاء المزدوج للمرضى، وذلك عندما يجري حساب العينة المأخوذة من أنف وحلق مريض واحد، مرتين. وذكروا أيضاً أن بعض المرضى توجبت إعادة فحصهم لأن العينات الأولى المأخوذة منهم لم تفصح عن نتائج واضحة، والسبب في معظم الأحيان كان عدم إجراء الفحوصات بالطريقة المناسبة.

واستطراداً في هذا الموضوع قالت مصادر "دائرة الصحة العامة في إنجلترا" إنها كانت بدأت بتلقي البيانات منذ شهر أبريل وإن فرق الوقاية الصحية التابعة لها قامت في بعض الحالات بإرسال معلومات المرضى إلى مديري مؤسسات الصحة العامة المحلية. وتابعت مصادر الدائرة قائلة إنه جرى خلق سجلات بهدف متابعة العمليات، حيث يمكن للمسؤولين من خلال هذه السجلات الاطلاع على عدد الفحوص المنجزة وعلى مقدار الحالات الإيجابية (الإصابات) في مناطقهم.

وفي الموضوع عينه قال آلان ويلسون، رئيس معهد علوم الطب الحيوي، إن هذه المسائل والمشكلات كان يمكن تلافيها لو قامت الحكومة بالاستعانة بالمختبرات التي كانت موجودة سلفاً والاستثمار فيها لزيادة القدرات. ورأى ويلسون "أن ذاك كان من شأنه المحافظة على روابط تكنولوجيا المعلومات، ما كان سيعزز البيانات وأنظمة التبليغ عن النتائج، وكنا سنحصل على مصدر واحد للمعلومات بدل تشعب المصادر المعقدة الموجودة في الوقت الراهن". وتابع ويلسون قائلاً إن قرار تأسيس "مختبرات المنارة" سُدد ثمنه من حياة الناس، وأشار إلى أن "الاستنتاج الذي لا مفر منه في هذا الأمر يقول إنه كان بإمكاننا الحد من انتشار هذا المرض لو قمنا بفرض الإغلاق وإطلاق عمليات الفحوص في وقت أبكر، ولو قمنا بإجراء ذلك بطريقة محددة الهدف. كان بوسعنا حينها أن نحد من انتشار المرض، وكان من الصعب عدم القول إن ذاك كان سيؤدي إلى تقليص عدد الوفيات".

وفي السياق ذاته، قالت رئيسة رابطة مديري الصحة العامة ADPH، الدكتورة جينيل دو غروتشي، إن المسؤولين في هذا الحقل تعاونوا مع وكالات وطنية لضمان "حصول الفرق العاملة بمجال الصحة العامة على نسق ثابت وذي جودة عالية من البيانات التي يحتاجونها للاستمرار في تحمل مسؤولياتهم، وذاك يتضمن نتائج الفحوص". بيد أنها قالت كذلك إن "رابطة مديري الصحة العامة ADPH ما زالت مستمرة في المطالبة بالوصول إلى بيانات "الدعامة الثانية" وإتاحتها لجميع مديري الصحة العامة". إذ إن توافر ذاك النسق الثابت من البيانات الدقيقة والسريعة والعالية الجودة، بحسب وصفها، "سيمثل أداة أساسية في تطبيق الخطط المحلية لمواجهة انتشار الفيروس، وهي الخطط التي يتحمل مسؤوليتها مديري الصحة العامة".

داخل المختبرات                              

وعن المختبرات ووقائعها قال مطلعون على أحوالها إن العاملين فيها بذلوا جهوداً كبيرة وحققوا نتائج مذهلة تمثلت بالعمل التأسيسي الذي قاموا به في هذه الفترة القصيرة. بيد أن المطلعين كشفوا عن حجم المشكلات العويصة التي واجهت تلك المختبرات، وعن المسائل التي اعتبر البعض أنه كان يمكن تلافيها لو قامت الحكومة باعتماد المختبرات الموجودة أصلاً واستفادت من خبراتها. وأشار أحد العاملين في المختبرات إلى أن الأمر مثل "مصدراً لعددٍ غير قليل من السجالات التي قامت بين فروع "مختبرات المنارة". فقد سادت في مختبر ميلتون كينيس، بحسب ما قال، "رغبة بفحصِ كل فحص. وكنا نطبع الرموز المشفرة bar codes الخاصة بنا. وبذلنا كل ما في وسعنا لفحص كل أنبوب اختبار، علماً أنني أعرف أنهم في مختبرات منارة أخرى كانوا ليرمونها في مستوعب المهملات". وبلغ معدل الإبطال والخطأ في مختبر ميلتون كينيس نسبة 1 أو 2 في المئة، فيما قارب هذا المعدل في مختبرات أخرى في إحدى المراحل نسبة الـ40 في المئة، بيد أن هذه النسبة الأخيرة تراجعت في مطلع يونيو. ونشأت سجالات حامية جداً بين المختبرات حول هذا الأمر". وأثارت شركة "ميديسون ديسكوفيري كاتابولت" في بعض الحالات مسألة بلوغ معدل الإبطال والخطأ نسبة الـ40 في المئة، إلا أنها تلكأت عن تقديم بياناتها الخاصة.

مواقع الفحص في بريطانيا

عضو آخر في فريق العمل بموقع الفحص بـ"إلديرلي بارك" قال إن المشكلات المتعلقة بالرموز المشفرة barcodes افترضت في معظم الأحيان أن الفحوص "غير صالحة للاستخدام". وفي السياق عينه، أشار عاملو مختبرات آخرون إلى العديد من المشكلات المتعلقة بالرموز المشفرة، والتي منها: "إلصاق الرموز المشفرة في اتجاه مقلوب، ما يعني تعذر قراءتها في المختبرات"؛ "رموز مشفرة تالفة أو غير واضحة"، و"رموز مشفرة ملصوقة بالأغلفة أو اللفائف حول الأنابيب بدل أن تكون ملصوقة بالأنابيب نفسها". وقال هؤلاء العاملون إن هذه المسائل أثيرت مراراً وتكراراً مع شركة "ديلويت" Deloitte". واستطراداً في الموضوع عينه أشار مطلعون إلى أن ثمة إرجاءات وحالات تأخر أخرى كذلك تسبب بها على ما يبدو ضياع الفحوص بين المختبرات جراء أخطاء تقنية. وقال أحد العاملين في المختبرات إن الكثير من الفحوص جرى إعادته إلى مركز "ميلتون كينيس"، وأضاف "الناس الذين يشيرون إلى تلك المسألة يقولون إنه استلزمهم انتظار خمسة أيام كي يحصلوا على نتيجة فحوصهم، وهذا هو السبب. فذاك أرخى على مجريات العمل صعوبات إضافية". وتحدث عامل آخر عن مجريات عمله وزملائه وقال إنهم "أُغرقوا" بعينات فحوص تحمل رموزاً مشفرة "لا يمكن إدخالها في المسح الضوئي، فتعذر بذلك ربط المرضى بالرموز المشفرة، والأمر كان في مثابة كابوس".

وفي هذا السياق، أقر الوزراء في الحكومة البريطانية بإرسال 67 ألف فحص إلى الولايات المتحدة الأميركية كي تخضع تلك الفحوص للتحليل هناك، وقد جرى في ما بعد "إبطال" 30 ألف فحص منها، ما عنى وجوب إعادة إجرائها. وحين أعلن وزير الصحة مات هانكوك بنبرة انتصار في أواخر أبريل أن المملكة المتحدة تحقق 100 ألف فحص، فقد شعر العاملون في المختبرات إذاك "بالأذى والحزن" جراء الاستخدام الواضح لأدوات الفحص المنزلي، التي تُطلب بواسطة البريد، لزيادة عدد الفحوص.

وقال لـ "اندبندنت" البروفيسور آلان ماكنالي، الذي ترأس المناوبات في مختبر ميلتون كينيس، إنه وعلى رغم التحديات فقد حققت "مختبرات المنارة" النجاح، بيد أن ذلك كان ليتحقق في وقت أسرع". وذكر ماكنالي في هذا الصدد أنه "وأمام كل العقبات التي كان على مختبرات المنارة مواجهتها، فإنه ما من منطق يبرر عدم قيام المختبرات الأكاديمية بدورها في مواجهة تلك الثغرات والأخطاء". ورأى البروفيسور ماكنالي أن "الأمر مثل تحدياً هائلاً. إذ في غضون أسبوعين كان لدينا 250 متطوعاً، ورحنا نحاول تحقيق آلاف الفحوص في اليوم الواحد. وذاك بالنسبة لي مثل أكبر محنة شهدتها في حياتي. وفكرت في بعض اللحظات أن أترك كل ذلك وأمضي. بيد أن المتطوعين أنقذوا الوضع وجعلوا الأمر يتحقق. لقد كانوا مدهشين". وأضاف "ليس لدي أي فكرة عن سبب تركيز الفحوص هناك في تلك المختبرات الجديدة، إذ إن الأمر لم يمثل خياراً واضحاً مسلماً به، فهم ليست لديهم خبرة في أساليب تشخيص الأمراض المعدية وقد تطلبهم الأمر وقتاً أطول لرفع مستوى عملهم، بيد أن السرعة التي حققنا فيها كل تلك الجهود كانت هائلة".

أخطاء الفحوص والمعارك القانونية

أنفقت "مختبرات المنارة" ملايين الجنيهات الإسترلينية من أجل تمويل الحصول على المعدات والأجهزة والبرامج التي تتيح لها إجراء الفحوص وتحليلها. ويقبع اليوم أحد قرارات التمويل تلك في صلب معركة حقوقية بالمحكمة العليا، كما يخضع لمراجعة قانونية. وفي وسع "اندبندنت" اليوم أن تكشف عن احتمال وجود أخطاء بأكثر من نتيجة 1000 فحص في الأسبوع بـ"مختبرات المنارة"، وذلك نتيجة النظام الذي اختير واعتمد في تحليل عينات ونتائج الفحوص. وفي هذا السياق تواجه الشركتان المسؤولتان عن "مختبرات المنارة" في بريطانيا – "ميديسينس ديسكوفري كاتابولت ليميتد" و"يو كي بيوسنتر ليميتد" – معركة حقوقية بالتوازي مع مراجعة قانونية أثيرتا ضد وزير الصحة مات هانكوك جراء منحه هاتين الشركتين في أبريل الماضي عقود إنشاء المختبرات. وتظهر وثائق المحكمة العليا قيام شركة "دياغنوستكس. آي ليميتد" Diagnostics.ai Ltd برفع دعوة ضد القرار الذي اتخذته المختبرات في أبريل والقاضي باعتماد التعاون مع الشركة المنافسة "أوجينتك" UgenTec على رغم تقرير تقييمي أعدته شركة "يو كي بيوسنتر" UK Biocenter يشير إلى فشل "أوجينتك" في تحديد بعض الفحوص الإيجابية، مقابل تمكن نظام "دياغنوستكس. آي" من تحقيق ذلك من دون أخطاء. وبحسب ما تعتقد المحكمة العليا، فإن نظام "أوجينتك" فشل في تحديد ثلاثة فحوص كوفيد 19 إيجابية في عينة تتكون من 2000 فحص أجرته "يو كي بيوسنتر". ويقول ادعاء المحكمة: "جميع العينات ذات الصلة جرى تحديدها عينات إيجابية عبر الحل الذي قدمه الطرف مُقيم الدعوى. ولو جرى افتراض تحقيق 100 ألف فحص كوفيد يومياً، فإنه، واستناداً إلى نتائج الفحوص المرحلية، من المنطقي القول إن 150 حالة كوفيد 19 إيجابية ستُشخص سلبية عن طريق الخطأ عبر الحل المعتمد من قبل "أوجينتك". وهذا سيساوي أكثر من 1000 نتيجة فحص كوفيد 19 في الأسبوع مشخصة على نحو خاطئ ومدرجة كحالات سلبية". وأضاف ادعاء المحكمة أن عملية التزود بالأدوات اللازمة، كما عملية تقييم العمل "شابتهما العيوب ولم تكونا ملائمتين، إذ إنهما مثلتا تهديداً جسيماً لبرنامج فحص كوفيد 19 في المملكة المتحدة ولسلامة المرضى الذين ترعاهم هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" NHS".

كما يرى ادعاء المحكمة أن نظام "دياغنوستكس. آي ليميتد" Diagnostics.ai Ltd تم التصديق عليه من قبل بحث عيادي منشور وهو يماشي المعايير التي أرساها "المعهد الوطني للصحة وجودة العناية Nice".

ووفق وثائق المحكمة فإن نظام "أوجينتك" UgenTec لم يجر التصديق عليه من قبل بحث منشور، بالتالي لا يماشي معايير معهد Nice. ومن جهته الدكتور سايمون كلارك، الأستاذ المساعد في علم الأحياء الدقيقة والخلوية بجامعة ريدينغ، والذي لا صلة له في المسألة، قال لـ "اندبندنت" إنه "من المنطق التفكير في الأمر، في حال صحة هذه الأرقام القائلة بأن هناك 1000 شخص ربما جرى إغفاله. وهذا مقلق لأنه يعني أن ثمة 1000 شخص لا يخضعون لتتبع المخالطة وهم يمكنهم الاختلاط في المجتمع ونشر الفيروس".

وفي رد فعل على هذه الدعاوى قال المركز البريطاني للبيولوجيا UK Biocentre، الذي أجرى التقييم، إن المزاعم المطروحة لا تشير إلى انتهاك القانون، والسبب، بحسب "الرأي العلمي" للمركز، هو أن العينات الإيجابية الثلاث التي فشل حل "أوجينتك" في تشخيصها واعتبرها سالبة كانت حالات من "التخوم". ورأى المركز البريطاني للبيولوجيا أن "دياغنوستكس. آي" اعتمدت معطيات عيادية طبية لتحسين خاصية الدقة في نظامها، لذا فإن نتائج الفحوص لا يمكنها أن تمثل "مقارنة عادلة أو منطقية"، ولو تلقت "أوجينتك" المعطيات ذاتها لاستطاعت "ربما" تحديد وتعيين تلك الفحوص. وقال محامو "دياغنوستكس. آي" من جهتهم إن هذه الآراء لم تكن جزءاً من تقرير التقييم بل كانت تبريرات غير مقبولة صدرت بعد جلاء الحقيقة. ومن المرجح أن تعرض القضية أمام المحكمة في سبتمبر (أيلول) المقبل. أما الرئيس التنفيذي لـ "أوجينتك"، ستيفن فيرهوفين، فقال أن ما يقال عن أخطاء ارتكبها برنامج شركته هو كلام "غير صحيح". ورفضت وزارة الصحة البريطانية التعليق على الخطوة القانونية، بيد أنها قالت إن برنامج "أوجينتك" جرى استخدامه على مدى أشهر وخضع لعمليات ضمان الجودة، إلا أنها لم تقدم تفاصيل إضافية. وعندما اتصلنا بممثل عن الحكومة للحصول على تعليق حول تحقيقنا الاستقصائي، قال المتحدث الحكومي إن "مختبرات المنارة تشكل جزءاً من أكبر شبكة للمختبرات التشخيصية في التاريخ البريطاني وهي أنشئت في فترة لا تتجاوز أشهراً قليلة". وأضاف إن للمملكة المتحدة "واحداً من أكبر برامج الفحوص في العالم وهو يستند إلى خبرات ومصادر عدد من الشركاء في القطاعين العام والخاص، وهو من دون أدنى شك قام بكبح انتشار الفيروس وأنقذ حياة البشر".

© The Independent