ملخص
تزامناً مع الجدل المصاحب لأرشيف تدوينات الناشط المصري علاء عبدالفتاح بعد وصوله لبريطانيا، هناك قائمة من التساؤلات المشروعة، بينها كيف يمكن لتدوينات فترات عدم النضج أن تقضي على مستقبل صاحبها، هناك نماذج كثيرة لمشاهير فقدوا فرصاً مهمة في مسيرتهم بسبب التفتيش في ملفات تدويناتهم التي كتبوها قبل أكثر من 10 أعوام، إذ اعتبرت تغريدات عدائية وعنصرية، وتتبنى وجهات نظر لم يعد مرحباً بها في هذا العصر
يوماً بعد يوم تضيق مساحات التسامح مع الأرشيف الرقمي، الذي أصبح بالنسبة إلى بعضهم مثل وحش كامن ومنسي ينتظر فقط أن يحين موعده لينقض على صاحبه، فيجري التعامل مع التغريدات القديمة التي كتبت من دون حسيب أو رقيب على أنها دليل إثبات لا يقبل الشك، ولا يخضع للنقاش، وفي أحيان يكون دلالة على شيء إيجابي.
لكن في غالبية الأوقات تبدو التغريدات القديمة سلاحاً مشهراً، إذ يخضع كثر للعقاب بأثر رجعي ثمناً لآراء قديمة قد تكون قيلت تحت ضغط، أو في ظل تشوش في الرؤية، وعدم وجود معلومات كافية، أو حتى في مرحلة عدم نضج، فظهروا وكأنهم يتبنون آراء عنصرية أو تحض على الكراهية، أو تمثل خرقاً أخلاقياً لا يغتفر.
وعلى رغم أن تلك الآراء قد يكون جرى التراجع عنها في ما بعد من خلال اتباع نمط سلوكي مختلف، أو قد تكون قيلت من الأشخاص في مرحلة نزق سياسي أو فكري معين، أو في مرحلة تشكّل ملامح الوعي الشخصي، فإنه على ما يبدو أن النجاة من هذا الأرشيف تبدو صعبة للغاية في ظل منصات السوشيال ميديا التي تسجل كل شيء، وتظل تدويناتها ترافق أصحابها إلى الأبد، ولا تتركهم آلة الضغط إلا بعد أن يقولوا صراحة إنهم يخجلون مما كانوا عليه، ويرفضون نسختهم القديمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا على وجه التحديد ما حدث مع الناشط المصري علاء عبدالفتاح أخيراً بعدما جرى استدعاء تغريدات قديمة له على موقع "إكس" (تويتر سابقاً) فُسرت على أنها دعوة إلى ارتكاب جرائم ضد البيض واليهود، إذ تزامن ذلك مع وصوله بريطانيا عقب 12 عاماً من قضاء عقوبة الحبس في السجون المصرية، والنتيجة حملة واسعة ضده وانقلب الحال من الترحيب الرسمي عبر رئيس الوزراء كير ستارمر بناشط سياسي يحمل الجنسية الإنجليزية إلى دعوة لترحيله عقاباً على آرائه التي سجلها على الإنترنت، وهو في العشرينيات من عمره، في وقت كانت تمر فيه المنطقة العربية بشكل خاص بأزمات سياسية عنيفة وسط تغييرات في أنظمتها واستقطاب حاد نتجت منه أعمال عنف وموجات اعتقالات لأطراف عدة، لكن القائمة تضم كثراً شرقاً وغرباً يجري التدقيق في تراث تغريداتهم والضغط بكل الطرق لمحاسبتهم عليها.
محاكمة النسخة القديمة من الذات
الأمر هنا يختلف عن ثقافة الإلغاء العقابية الفورية، التي أصبحت هوساً في الأوساط الأكاديمية والسياسية والفنية وحتى الرياضية، إذ يترصد الجميع للجميع، ويسجلون عليهم أي آراء يطلقونها عبر البرامج أو عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، ويأتي العقاب لحظياً سواء بحملات تشفٍّ وسخرية، أو دعوات للإقصاء من المؤسسات، واستبعاد من الأنشطة العلنية، وهناك من يواجه ويستمر في المعركة، وآخرون لا يقوون على المقاومة، ولا تكتب لسمعتهم النجاة أبداً، وإن كان التفتيش في الدفاتر القديمة أحد تجليات تلك الثقافة، لكنه أشد ضراوة إذ يأتي من دون توقع بإعادة فتح ملف منسي تماماً مما يربك الضحايا، بخاصة حينما تستهدف تدوينات قيلت من صاحبها بهدف المزاح، أو قبل انتشار معايير وثقافة الإنترنت ومحددات التدوين، إذ كان كثر يعتبرون حساباتهم الشخصية مساحة للفضفضة، ويطلقون عبارات لا ينتظرون أن تؤخذ على محمل الجد، من دون أن يدروا أنهم يملأون صحيفتهم الجنائية الافتراضية، وسيدفعون ثمن هذه الفضفضة التي ستؤخذ ضدهم سواء من خلال حملات خُطط لها بهدف تصفية الحسابات، أو حتى بالمصادفة.
الشخص الذي يكتب آراءه، ويجري التعليق عليها لحظياً في هذا العصر يبدو مسؤولاً بصورة كاملة عما يقول في هذا التوقيت وهذا الظرف، لا سيما أن المعايير والاشتراطات باتت واضحة ومعلومة وتوقع ردود الأفعال أمر يسير، ولهذا فمن يتبنى رأياً ما مهما كان صادماً لديه استعداد لتلقي تبعاته، فيما ثقافة النبش في تغريدات الماضي تبدو وكأنها محاكمة لفرد ما عن طريقته في التفكير خلال مراهقته مثلاً أو حتى في فترة أصبح يخاصمها فكرياً تماماً.
اضطرار علاء عبدالفتاح إلى الاعتذار المطول، الذي أبدى فيه مراجعته آراءه القديمة فسر على أكثر من نحو، كما فجر نقاشاً موازياً تمثل في إعادة محاكمة ثورة الـ25 من يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر مجدداً، ووضع سلبياتها تحت المجهر، إذ كان الناشط من أبرز وجوهها، فيما آخرون تعاطفوا معه معتبرين أن الطريق أمامه بات مغلقاً وأنه اعتذر، وأبدى ندمه لأنه يواجه خطر الإقصاء تماماً، وقد لا يتمكن هذه المرة من فتح صفحة جديدة في حياته بعدما أصبح في القائمة السوداء في البلد الذي يعلق عليه آماله لبناء مستقبله.
لكن هذا الموقف يفتح باب التساؤل بصورة عامة حول ما هو المدى الذي يمكن أن يحاكم فيه شخص على تغريداته القديمة، وكيف يمكن إثبات توبته، وهل من محددات للتعامل مع تلك المواقف، لا سيما أن لدى غالبية المتعاملين على الإنترنت أرشيفاً يبدو ساذجاً ومحرجاً أو مريباً أو صادماً، لكن الأنظار لا تتوجه إلا إلى حسابات المشاهير الذين يظلون قيد المحاكمة، ولا تسقط تغريداتهم بالتقادم، وقد يفقدون فرصاً مهمة في مسيرتهم بسبب أفكار الماضي التي شاركوها مع المتابعين، ولم يحتفظوا بها للجلسات الخاصة، لتظل تطاردهم بلا رحمة، حينما كانت نظرتهم مختلفة إلى معنى الإساءة والقيم والجريمة الإلكترونية، إضافة إلى أنه يسهل إخراج تلك التغريدات من سياقها بسهولة بمرور الزمن فتصبح دليل إدانة ووسيلة سهلة للمزايدة.
موقع "إكس"... تراث النزق والإساءات
اللافت أن الأمر يتعلق بصورة أكبر بموقع "إكس"، إذ تشتغل النقاشات السياسية والمجتمعية بصورة شديدة الحدة، كذلك فإنه المنصة الأكثر ملاءمة للجدل المحتدم الصريح، بعكس "إنستغرام" و"فيسبوك"، ولهذا فإن غالبية التدوينات الإشكالية التي سببت متاعب لأصحابها جاءت من كوكب "إكس"، إذ إنه يشكل حالة خاصة في سلسلة منصات السوشيال ميديا، ووفقاً للباحث مبارك حمد مبارك الدسمة في بحثه الذي نشر عام 2021 بعنوان "تقويم التغريدات في تويتر في ضوء نظرية الحتمية القيمية" فإن عينة التغريدات التي خضعت لدراسته بعض منها يجري توظيفها بصورة تتعارض مع نظرية الحتمية القيمية، ومن هذه الجوانب الاستعارات القبيحة والتشبيهات المرفوضة والاستفهام الاستنكاري للتوبيخ والتذييل والسب الصريح والتعبير عن الهجاء ضمنياً.
ويضيف أن نتائج العينة أيضاً أكدت أن كتابات "تويتر" يتعارض بعضها مع مبادئ نظرية الحتمية القيمية، والمقصود بالنظرية هو مرجعية المعايير الوجدانية والمعرفية التي تحكم أمراً ما، ومن المفترض أن تسمو وترتقي به، وعلى رغم أن عينة الدراسة اقتصرت على مئات التغريدات السياسية لنشطاء بالكويت، فإنها تبدو منطبقة على كثير من مستخدمي هذا الموقع ذي الطبيعة الخاصة، الذي يعتبر بيئة خصبة للمفردات اللاذعة، ولهذا عادة ما يكون مصدراً للنبش والتنقيب.
وهو ما حدث مع الممثل الكوميدي كيفن هارت، الذي تسببت تغريدات قديمة له في أن يعرض حفل توزيع جوائز أوسكار عام 2019 من دون مقدم رئيس، وهي سابقة لم تكن قد حدثت منذ 30 عاماً، إذ اضطر هارت إلى الاعتذار قبل أسابيع قليلة من الحفل تحت ضغط الحملة التي شنت ضد آرائه على موقع "إكس" التي كان قد قالها عام 2011، وتتعلق بموقفه من المثليين، التي وصفت بالجارحة والمؤذية لمجتمع الميم، ونظراً إلى ضيق الوقت لم يتسن الاستعانة بمقدم بديل لمدخلاته الكوميدية أو للربط بين الفقرات.
وقد اعتذر الممثل المثير للجدل عن آرائه السابقة بعدما أصبح في مهب الانتقادات والاستبعادات العامة، وقال في بيان له تزامناً مع أزمة الأوسكار "أعتذر من كل قلبي لمجتمع المثليين وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين بسبب كلمات قلتها في الماضي وكانت تفتقر إلى الحساسية".
بين ثقل الاعتذار والخوف من الخسارة
لاحقت تغريدات الماضي أيضاً السياسي الأميركي المحافظ كيفن ويليامسون الذي خسر فرصاً عدة للعمل ككاتب في صحف مرموقة عام 2018، بسبب تدوينات عدة كان قد كتبها عبر منصة "إكس" قبل نحو 10 أعوام من هذا التاريخ، ووصف فيها النساء اللاتي يقدمن على عمليات الإجهاض بأنهن يرتكبن جرائم قتل كاملة تستدعي الإعدام شنقاً، إذ جرى استدعاء تلك التغريدات والمطالبة بمحاسبته عليها، واعتبره نشطاء متطرفاً وعنصرياً.
لكن طريقة تعامل ويليامسون كانت مختلفة بعض الشيء، إذ لم يختر الاعتذار بشكل مباشر، واكتفى بتوضيح متكرر أكد فيه أن أسلوب عرضه وجهة نظره ربما هو ما جعل موقفه يفهم خطأ.
الأمر عادة يتعلق بضغوط اجتماعية وسياسية وأخلاقية وتجريد الموقف من أي سياق زمني أو ثقافي ولا يعترف بالمزاح أو النزق، ولهذا فإن بعضهم ينظر بعين التشكيك لفكرة حملات الإلغاء المبنية على تغريدات قديمة، نظراً إلى أن سياسة التشويه والتشهير باتت سهلة للغاية في هذا العصر مما قد يفقد تلك الحملات نزاهتها في كثير من الأوقات، وهو الرأي الذي كان يسوقه عالم النفس واللغة الكندي الأميركي البارز ستيفن بينكر الذي تطارده تغريداته القديمة التي تعود إلى 12 عاماً مضت حتى اليوم والمتعلقة بوجهة نظره في تعاملات الشرطة الأميركية مع ذوي البشرة السمراء، إذ يرى أن هناك مبالغة في الزج بفرضية تعنت رجال الأمن ضد الأميركيين من أصل أفريقي، مشيراً إلى أنه لا ينبغي أن تكون هناك أي أفكار مرفوضة مناقشتها داخل المسار الأكاديمي كي لا يتم فتح الباب لعودة التيارات الأكثر تشدداً وتحفظاً.
ومن بين أكثر التغريدات التي واجه بينكر بسببها حملات وتوقيعات بالآلاف ليتم إقصاؤه من المؤسسات الأكاديمية البارزة تلك التي حاول فيها تبرئة الشرطة من التحيز العنصري ضد السود، تلك التي قال فيها إن الضباط بطبيعتهم يميلون في الولايات الأميركية إلى إطلاق النار بكثافة وإفراط، لأنهم غير مدربين بما يكفي ولا يقصدون السود على وجه التحديد، وهي الآراء التي جرى استدعاؤها إبان أزمة جورج فلويد، وأشعلت الرأي العام حينها، ولا يزال يواجه بسببها استبعادات من الظهور البرامجي، مع موجات متكررة من الإدانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على رغم كونه من أبرز علماء مجاله.
طعنة في الظهر
وحتى الآن أيضاً تدفع النجمة الأميركية وعارضة الأزياء كريس تيغن ثمن ما يسميه محبوها عدم نضوج وما يعتبره آخرون تهوراً وعدم مسؤولية، إذ يجري من حين إلى آخر تذكيرها بتغريداتها منذ عام 2011 التي أوضحت استهتارها بفكرة إيذاء النفس، إذ قالت لمراهقة أن تنتحر وتختفي للأبد، وقد بدأت عاصفة الغضب ضدها منذ عام 2021 حينما تذكر أحد المتابعين تلك التغريدة، وقرر أن ينبه الناس إليها، فيما اضطرت تيغن إلى الاعتذار، وأعلنت أنها تشعر بالعار والندم كونها كانت تتمتع بشخصية متنمرة غير حساسة في الماضي، إذ أساءت بشدة لبعض الأشخاص، واتخذت كلماتها منحى شديد الخطورة، وحينها خسرت كريس تيغن كثيراً من المشاريع، وأصبحت سمعتها مهددة على الدوام، وتراجعت شعبيتها بشكل ملحوظ.
يبدو أرشيف التغريدات بالنسبة إلى من يقعون تحت بؤرة الضوء سواء في مجتمعات السياسة أو الفن أو الأكاديمية مثل طعنة في الظهر من صديق، إذ تنفجر الأزمة في توقيت غير متوقع، ولا يمكن التخلص منها إلا بالاعتذار العلني الواضح والمباشر، إذ قد يفقد بعضهم جمهوره وفرصه في البقاء تحت الضوء، ولهذا استحدث تطبيق "تويتر ديليت" الشريك المعتمد لموقع "إكس" قبل نحو 15 عاماً ليكون معيناً لهؤلاء على تنظيف سجلهم الرقمي، وهي أداة تساعد الأشخاص على حذف التغريدات القديمة بشكل انتقائي وسريع وفقاً لمعايير معينة بعيداً من الطريقة اليدوية غير المجدية.
وعلى رغم أن هذا التطبيق يبدو ملائماً للغاية لهذا الموقع فإن بعضهم يتجاهله، إذ إن موقع "أكس" تشيع فيه نغمة الإساءة والمبالغة، وذلك وفق ما يأتي على الموقع الرسمي للتطبيق نفسه، إذ يبرر ظروف إنشائه من خلال جملة كاشفة "الخطاب العنيف أمر شائع جداً على أكس، يتضمن هذا الخطاب التهديد والتحريض على العنف وتمجيد أعمال العنف والتعبير عن الرغبة في العنف، في بعض الحالات التي لا يوجد فيها سياق واضح للعنف أو الإساءة يسمح أكس بهذا النوع من الكلام".
الموقف هنا بعيد تماماً من فكرة التشهير المعتمد على الاجتزاء أو فبركة التدوينات، إنما هو مواجهة مع الذات القديمة وحسابها بالمعايير التي باتت سائدة لاحقاً، فكل هذه التغريدات مرت مرور الكرام من دون محاكمة جنائية أو أدبية أو مجتمعية، لكنها عندما تصعد إلى السطح بمعزل عن سياقها الزمني تصبح صادمة وكارثية.
وفي حين يبدو الأمر عالمياً أشد قسوة وتتبعه إجراءات رادعة حتى لو موقتة، فإن عربياً عادة يجري اعتماد سياسة الإقصاء الناعم مرة، والصمت مرة حتى تنتهي العاصفة، ثم يعود الأشخاص إلى مواقعهم من دون أن يتكلفوا عناء مراجعة الذات أو الاعتذار المباشر الصريح.