Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفجير نطنز بفعل فاعل فكيف سيكون الرد؟

تترك الرواية الإيرانية حول ما حدث التكهنات مفتوحة على جميع الاحتمالات

يقول ابن منظور في "لسان العرب" بتفسير كلمة حدث: "الحَدِيثُ نقيضُ القديم والحُدُوث نقيضُ القُدْمةِ حَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً وأَحْدَثه هو فهو مُحْدَثٌ".

ما يعني أن ما حصل في اليومين الأخيرين في منشأة "نظنز" الإيرانية لتخصيب اليورانيوم هو "حادثٌ" بفعل فاعل أحدثه أحدهم ليصبح مُحدَثاً على غير ما كان الوضع السابق عليه.

والأحداث – بفعل فاعل – تفتح الكلام على أكثر من تفسير وأكثر من اتجاه لمعرفة أبعاد ما حدث وكيف حدث ولماذا حدث، وما هي تداعيات الحادث أو الحادثة، إن كانت بفعل فاعل أو بفعل نائب الفاعل.

حدث غير طبيعي

بغض النظر عن أي تفسيرات وتحليلات، فإن مجرد حصول تفجير داخل هذه المنشأة، يُعدُّ حدثاً أو حادثاً غير طبيعي ويحمل الكثير من الدلالات، حتى إن لم يكن بفعل فاعل من الخارج – خارج البلاد، أو من خارج الحزام الأمني الذي يحيط بهذه المنشأة وأخواتها الأخرى.

وقد يزداد التعقيد إذا ما كان الفاعل من داخل الحزام الأمني لما يعنيه من انكشاف هذه المنشأة وأخواتها على جميع الاحتمالات التي لا تصبّ في صالح الرواية الإيرانية في السيطرة والمراقبة والأمن.

الرواية الإيرانية حول ما حدث، تترك التكهنات مفتوحة على جميع الاحتمالات، بين الخطأ البشري الذي يبدو أن طهران تميل إلى تكريسه كتفسير رسمي لما حصل، وبين تفجير مفتعل، وهو ما عزّزته وكالة الأنباء الرسمية "إرنا" التي أشارت إلى ضرورة حصول أو إحداث تغيير في الاستراتيجيات الإيرانية في التعامل مع الحادث، إذا ما كانت واشنطن تقف وراءه أو تل أبيب، لأنه يمسّ بالخطوط الحمر الإيرانية، والتي إذا ما تم التغاضي عن المساس بها، فإن إمكانية تكرارها تصبح أكثر وقعاً وخطراً على منظومة الردع الوطنية.

ولعل المثال السوري خير مؤشر لطهران، بعدما استباحت الطائرات الإسرائيلية والأميركية الأجواء السورية ليس فقط ما بعد الأحداث في دمشق، بل ما قبلها عندما دمّرت هذه الطائرات منشأة "الكبر" النووية قيد الإنشاء في محافظة دير الزور، وغيرها من المراكز والمنشآت الحيوية والحساسة، وبقيت وما زالت من دون ردّ سوري عليها.

وبحسب الرواية الرسمية الإيرانية التي أوردها المتحدث الرسمي باسم الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية بهروز كمالوندي تأكد أن انفجاراً وحريقاً غامضاً شبّ في إحدى الحظائر في المنطقة المفتوحة التابعة لمنشأة نطنز، من دون وقوع خسائر بشرية أو تسرّب إشعاعي نووي بحسب التقرير الذي رفعته الجهات الإيرانية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

الإخفاء ليس سهلا

وإذا كان من الصعب الوقوف حالياً على طبيعية هذه الحادثة أو التفجير، إلّا أنّ ما سيواجهه الجانب الإيراني في الاستمرار بإخفاء هذه الحقيقة وطبيعتها لن يكون سهلاً، نظراً إلى كون هذه المنشأة تخضع ولا تزال لعمليات تفتيش دورية من قبل مفتشي الوكالة الدولية التي تدخل في إطار تعزيز الثقة بسلمية البرنامج الإيراني عامة. كما أن الرواية التي قدّمها المجلس الأعلى للأمن القومي حول "تحديده بدقة لسبب الحادث، لكن إيران لن تفصح عن نتائج التحقيقات الآن لأسباب أمنية"، وهذا لن يدوم بسبب انفتاح هذه المنشأة أمام المفتشين وضرورة معرفتهم لأسباب وحقيقة هذا الانفجار والخطوات التي يفترض أن تُتّبع وتُتّخذ لحماية هذه المنشأة وغيرها من المنشآت أمام حوادث مماثلة منعاً لحصول تطورات لا يمكن حصر سلبياتها وخسائرها المادية والبشرية والبيئية في المستقبل.

وفي محاولة الوقوف عند أبعاد هذه الحادثة وأسبابها أو المسبّبين لها، فإنّ الطبيعة الأمنية التي تتمتّع بها المنطقة الممتدة من محيط مدينة قم والطريق الدولي الذي يربط بينها ومدينة أصفهان تُعتبر من الأعلى على مستوى إيران، لأنها تشمل محيط أهم وأبرز المنشآت النووية من محطة فردو إلى مفاعل أراك ومنشآت كاشان الموصولة عبر الجبال بمنشأة نطنز.

 وتخضع هذه المنطقة لمراقبة أمنية وحراسة مشدّدة لا تسمح لأي طرف بالتحرك في هذا المحيط ما لم يكن من أبناء المنطقة، ما يعني أن إمكانية حصول تسلّل لمجموعة تخريبية من خارج المنطقة والوصول إلى داخل هذه المنشأة يكاد يكون صعباً وشبه مستحيل، ما يسمح باستبعاد احتمالية حصول اختراق من الخارج.

"نمور الوطن"

وإذا ما تم تبنّي الرواية التي تتحدّث عن وجود اختراق عبر مجموعة "منشقين موجودين في الأجهزة الأمنية الإيرانية" ينتمون إلى جهة أطلقت على نفسها اسم "نمور الوطن"، وهو ما يمكن التأسيس عليه في حال كان التفجير بفعل أطراف معارضة للنظام استطاعت اختراق المنظومة الأمنية البشرية التي تقوم على حراسة هذا المرفق الحيوي، ما سمح لها بإدخال المواد التفجيرية وتركيبها، من دون التركيز على استهداف المباني الرئيسة، إنّما الاكتفاء بتوجيه رسالة مباشرة تكشف عن ضعف الأجهزة الإيرانية في توفير الحماية لأكثر المواقع أهمية للنظام.

إعلان هذه المجموعة مسؤوليتها عن التفجير، والسياق الذي أتى به من خلال ما سرّبته هيئة الإذاعة البريطانية BBC عن تلقّيها معلومات عن حصوله قبل ساعتين من وقوعه، لا يلغي أو ينفي احتمالية أن يكون التفجير "مفتعلاً"، وأن جهات داخلية استغلّت هذه الجماعة المعارضة على ما فيها من خطورة وسلبيات وسهّلت عملية الوصول والتفجير، من أجل استخدام هذا الحادث في عملية الضغط على مراكز القرار في النظام لإجباره على تليين مواقفها الرافضة لأي حوار مع المجتمع الدولي، خصوصاً واشنطن حول الملف النووي.

بالتالي فإن العودة إلى الحوار والتفاوض، يتيح فتح باب التعاون مع المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتطوير وتحديث المنشآت النووية الإيرانية التي تضمّنتها معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وينص عليها الاتفاق النووي الموقع بين طهران ومجموعة دول 5+1 ويؤكدها قرار مجلس الأمن رقم 2231، بخاصة أن هذا التعاون تعرّض إلى انتكاسة كبيرة بعد قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق وإدراج أي تعاون دولي مع إيران في المجال النووي على لائحة العقوبات الجديدة.

بالتالي فإن الحوار والتفاوض مع الولايات المتحدة يصبح ملحّاً من أجل الاستمرار في تحديث المنشآت النووية وتعزيز سلامتها وأمنها، ما يسمح للاعتقاد بوجود صراعات وتصفية حسابات داخلية بين أجنحة داخل النظام على خلفية الحاجة إلى تخفيف التوتر والذهاب إلى التفاوض مع واشنطن، وإلّا  كيف يُفسّر وقوع الانفجار أو الاعتداء في قسم يُعتبر قيد الإنشاء غير مكتمل ولا يوجد فيه أي نشاط يتعلّق بعملية التخصيب وغير موصول بالشبكة الداخلية الإلكترونية التي تسمح بحصول هجوم "سايبيري" من الخارج، الأمر الذي يسقط هذه الفرضية، فضلاً عن أن المكان المستهدف أو مكان الاستهداف لا يقع في محيط "خزانات وحاويات للغاز" لتكون الرواية مشابهة للرواية التي قُدّمت رسمياً حول التفجير الذي وقع بمحاذاة موقع بارتشين، شرق طهران قبل أيام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحرج الإيراني في تسويغ أسباب هذا التفجير يبدو كبيراً في أي فرضية قد يذهب إليها، حتى في اعتماد فرضية تعرّض المنشأة لهجوم بطائرة مسيّرة، أو حتى حربية بحسب الرواية الخبيثة التي نُقلت عن الصحافي الإسرائيلي ايدي كوهين واستخدام إسرائيل لطائرة من نوع "F 16" تزوّدت بالوقود في أجواء إحدى الدول العربية، نظراً إلى أن إيران سبق أن أعلنت إسقاط عدد من طائرات التجسّس المسيّرة اقتربت من أجواء المنشآت النووية في محيط أصفهان ونطنز وأراك.

حصن دفاعي متطوّر

وتُعتبر هذه المنشآت بمثابة حصن دفاعي متطوّر ومجهّز بكل المنظومات الصاروخية المضادة للأهداف الجوية من طائرات وصواريخ من نوع "تور ام "1 وS300  وS200 التي طوّرتها إيران تحت اسم "سوم خرداد".

واستخدمت طهران المنظومة الأخيرة في إسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة فوق مضيق هرمز قبل نحو عام من نوع BAMS-373D أو غلوبال هوك MQ-4 الأحدث في العالم والأكثر تطوّراً، علماً أن القيادات العسكرية في الجيش وحرس الثورة الإيرانيين أكدوا في الأيام الأخيرة أن قدرات إيران الصاروخية تسمح لها بإسقاط أي جسم طائر، إن كان صاروخاً أو طائرة مسيّرة أو مقاتلة حربية تتجرأ وتخترق أجواء البلاد.

في المقابل، إن لجوء النظام الإيراني إلى اعتماد أي من الروايات أو السيناريوهات السابقة، لا يمكن أن يلغي وجود عمل تخريبي قامت به مجموعة استطاعت اختراق المنظومة الأمنية، ولن تتردّد إيران في ربطها بأجهزة استخباراتية أميركية أو إسرائيلية، بخاصة إذا ما وجّهت الاتهام إلى جماعة مجاهدي خلق أو إمكانية أن يكون عملاً من الخارج قامت به إما تل أبيب أو واشنطن.

وفي الحالتين، فإن الحادث يشكّل تحدّياً للنظام ويضعه أمام سيناريوهات الردّ أو السكوت، وهو لن يكون بمنأى عن تداعيات أي من الخيارين.

 ولعلّ الدلالات التي صدرت في الموقف الذي عبّرت عنه وكالة "إرنا" مؤشر إلى حراجة الموقف الإيراني عندما أكدت أن طهران حاولت "منع التصعيد والأوضاع التي لا يمكن التنبؤ بها أثناء الدفاع عن موقفها ومصالحها الوطنية".

المزيد من متابعات