Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وثيقة الـ500 تنذر بـ"خريف الديمقراطية الغربية"

من إقرار تشرشل إلى النموذج الترمبي "قنابل موقوتة" في أحشاء آليات الحكم الليبرالي

مثلما كانت للوباء عواقب اقتصادية واجتماعية فمن المحتمل أن تكون له عواقب سياسية (غيتي)

لم تعد علامة الاستفهام المتعلقة بالديمقراطية ومستقبلها منوطاً بالنخبة المفكرة فقط في الغرب، بل أضحى العوام يتساءلون عن مستقبل الأنظمة السياسية في بلادهم، وذلك في ضوء الظواهر والمظاهر التي حفل بها العقدان الأخيران، من تحلل وتفكك للنظام الذي وصفه ونستون تشرشل، حارس الأمبراطورية البريطانية الأخير، بأنه الأقل سوءاً من غيره، وكان يعني بذلك النظام الديمقراطي.

هل يعيش العالم لا سيما بعد وباء كورونا الخانق والحارق أزمة "خريف الديمقراطية"، وهل أزمة كورونا هي السبب أم أنها كانت العامل الذي أظهر على السطح مثالب الديمقراطية الغربية، وجعلها تطفو ليراها الملأ بأعينهم، ويجعل العقول تتساءل عن الأزمة وأسبابها والمستقبل وأحواله؟

 هذا ما نحاول مناقشته في هذه السطور.

الديمقراطية في خطر

قبل بضعة أيام حذرت أكثر من خمسائة شخصية ومنظمة حول أرجاء العالم من "التهديد" الذي تمثله بعض الحكومات "خلال الأزمة الصحية المرتبطة بتفشي فيروس كوفيد ـ19 المستجد، والذي يهدف إلى تعريض الديمقراطية للخطر".

أطلقت الرسالة بمبادرة من قبل "المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة في الانتخابات في ستوكهولم" بالسويد، والهدف من ورائها تحذير العالم من "الأنظمة الاستبدادية"، التي تستغل هذه الأزمة، لإسكات المنتقدين وإحكام قبضتهم السياسية.

هل هي المخاوف من "الأخ الأكبر" و"الآذان المرهفة" و"آليات المراقبة"، الوثيقة واللصيقة بالتكنولوجيات الحديثة التي قلصت من الحريات الشخصية، واختصمت من ملامح ومعالم وآليات النموذج الديمقراطي الغربي، هل هذه كلها كانت الدافع وراء هذه الرسالة؟

 يبدو أن ذلك كذلك، ولهذا يجزم الأمين العام للمعهد "كيفن كاساس ـ زامورا" على أنه مثلما كانت للوباء عواقب اقتصادية واجتماعية كبيرة، فمن المحتمل جداً أن تكون له عواقب سياسية عميقة جداً.

الخطر المحدق بالديمقراطية تحسب له الموقعون على الرسالة ومن بينهم حائزة نوبل للآداب لعام 2015 "سفيتلانا أليكسيفتش"، والممثل الأميركي ريتشارد غير، والرئيس البولندي السابق الحائز على جائزة نوبل "ليش فاليسيا"، وكذا وزيرة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس بيل كلينتون مادلين أولبرايت.

يعن لنا أن نتساءل أمام هذه الرسالة: أين هو الخطأ الذي جعل الديمقراطيات مهددة للحريات على هذا النحو؟

ديمقراطيات ظاهرة وديكتاتورية خفية

يمكن القطع بأن أزمة كورونا وأزمات أخرى مثل صعود الحركات اليمينية المتطرفة، قد أفسحت المجال لكي تظهر الديمقراطيات المعاصرة، ما هو خفي في باطنها ومنه "سلطات الطوارئ" ذلك الوحش الكامن في جذور المشروع الديمقراطي، والذي يعتبره البروفيسور "زامورا" "جزءاً من ترسانة" الحكومات الديمقراطية، لمواجهة الظروف الاستثنائية، ما يعني أن الديمقراطية الغناء، ضرب من ضروب اليوتوبيا غير القائمة أو القادمة فوق سطح كوكبنا الأزرق المتألم.

كانت جزئية الحجر الصحي في زمن "كوفيد ـ 19" عنصراً من عناصر استدعاء التساؤل حول علاقة هذا الإجراء والحريات الخاصة وتشابكها وتقاطعهما مع العامة، وهل كان من الوارد إيجاد توازن صحيح قادر على تجربة تلك السياسة العامة، وفي الوقت نفسه تصحيحها وتعديلها؟

على أن "كوفيد ـ19" إن تحرينا البحث الموثق والموضوعي لم يكن أبداً العامل الوحيد في أزمة الديمقراطية المعرضة للخطر في جميع أنحاء العالم، ما يجعل السؤال عن الأزمة البنيوية والهيكلية للديمقراطية أمراً قيد البحث من عقول مفكرة غربية لها أوزانها العلمية ورؤاها الثاقبة.

خذ إليك على سبيل المثال ما يذهب إليه البروفيسور "هارولد جيمس"، أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة بريستون الأميركية العريقة، والذي يضعنا أمام حقيقة واقعة وهي أن كثيراً من الناس باتوا يشككون في ما إذا كانت الديمقراطية تعمل لصالحهم، أو أنها تعمل بشكل صحيح أصلاً.

أبعد من ذلك يمكن القول إن هناك شكوكاً وهواجس عميقة لدى الناخبين في أوروبا وأميركا حول جدوى العملية الانتخابية، وهل تسفر بالفعل عن نتائج حقيقية أم أن صناديق الاقتراع أبعد من ذلك؟

يمكن القول إن هناك شكوكاً وهواجس عميقة لدى الناخبين في أوروبا وأميركا حول جدوى العملية الانتخابية، وهل تسفر بالفعل عن نتائج حقيقية، أم أن صناديق الاقتراع بدورها زائفة، والمثال الأميركي دليل على ذلك، إذ يجد الأميركيون أنفسهم أمام ديمقراطيات تباع على الأرصفة، ومناصب تشريعية يصل إليها الأكثر قدرة في جمع التبرعات والقاعدة الكلاسيكية هي أن من "يدفع للجوقة يختار اللحن".

لم تعد الانتخابات في الديمقراطيات الغربية تعبيراً نزيهاً عن اختيار ديمقراطي حر نزيه، بل على العكس من ذلك فإنها باتت تعمق التصدعات السياسية الحاضرة في المجتمعات الأوروبية والأميركية، وتجذّر وتوسّع هوة الشروخ الاجتماعية، وأن أزمة الديمقراطية إلى حد كبير أزمة تمثيل، أو بلغة منضبطة أكثر دقة، غياب التمثيل.

هل يكرر التاريخ نفسه؟

بعيداً من كارل ماركس ورؤيته، فإن الكثيرين من المحللين السياسيين يميلون إلى تشبية فترة "خريف الديمقراطية" هذه، بذات الفترة التي فصلت بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وإن بقي الفارق موصولاً بالأجواء التي أحاطت بالماضي واختلافها عن مشاهد الحاضر، ففي أزمة الديمقراطية السابقة بحسب البروفيسور "هارولد جيمس"، كانت السياقات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبؤس الاقتصادي الذي سببه الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن العشرين، في حين أن الأزمة الراهنة حدثت في وقت يشهد مستويات عالية من العمالة، لم يشهدها التاريخ من قبل... ما سبب خريف الديمقراطية المعاصرة إذن؟

الديمقراطية عوائق وعقبات

يمكن للمحلل المدقق والمحقق أن يؤرخ لفترة المد الديمقراطي الحديث في العالم بسنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما بعد انهيار النموذجين النازي والفاشي، والتبشير الأميركي بالنموذج الليبرالي الديمقراطي، كطوق إنقاذ لبلدان العالم من أخطار الجنوح نحو الديكتاتوريات والأنظمة الشعبوية التوتاليتارية.

كانت عوائق أو معوقات الديمقراطية في ذلك الوقت تتمثل في حاكم مستبد، لا يقبل شراكات ديمقراطية، أو فقر مدقع يجعل مسألة مثل التمثيل السياسي ضرباً من ضروب الرفاهية، وهو المهموم بل المحموم بالبحث عن رغيف الخبز.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين بدأ الإعلام يلعب دوراً في غسيل العقول، لا سيما أن المعركة كانت محتدمة بين معسكري وارسو من جهة برؤاه الأيديولوجية، والناتو من جهة ثانية، عبر أبواقه الإعلامية، ومضى الحال على هذا النحو طوال سنوات الحرب الباردة.

إلى هنا تبقى علامة الاستفهام: ما الذي حدث خلال الثلاثة عقود الأخيرة، وقد انزاح الاتحاد السوفياتي، وأضحت الولايات المتحدة الأميركية "القطب المنفرد" بمقدرات العالم من غير مقدرة على منافسته، ولماذا أخفق النموذج الديمقراطي وفي ظل النيوليبرالية الاقتصادية، في خلق "الجنة الديمقراطية الرأسمالية" الموعودة؟

أكذوبة الديمقراطية الكبرى

أحد أفضل من قدم طرحاً له فلسفته في أسباب إخفاق الديمقراطية الغربية في العقود الأخيرة، المفكر المصري الراحل الدكتور جلال أمين، الذي رأى في القول بأن العالم يعيش أزهى عصور الديمقراطية هو قول مكذوب لا أساس له من الصحة.

في تقدير جلال أمين، أن هناك من سلب رغبة الجماهير في المضي قدماً نحو مزيد من الدمقرطة، فلم تعد شغوفة بمسألة التصويت والاقتراع، فانخفضت الأعداد المشاركة انخفاضاً كبيراً، وقد وجدت "الجماهير الغفيرة" أن المجالس النيابية لم تعد هي الفاعل الحقيقي على صعيد إدارة دفة شؤون البلاد والعباد، ذلك على رغم ارتفاع الدخول وانتشار التعليم، ما يعني أن هناك حلقة ضائعة بعد.

باختصار غير مخل يتمثل في عقل الدكتور جلال أمين أمران: الأول هو نموذج الشركات عابرة القارات المعولمة، تلك التي استلبت من الدولة الوطنية مقدراتها، وجعلت من هياكلها الإدارية، آليات لتنفيذ رغباتها في التمدد والتوسع، داخلياً وخارجياً، فأصبحت الحكومات هي التي تنفذ الأجندات التي ترسمها لها تلك الشركات "الميجا"، كما يطلق عليها.

هنا تبدو الأمة تتضاءل، والولاء لها يضعف، في مواجهة "النخبة الكمبرادورية"، المسيطرة على مقدرات الأمور، وعليه فما الذي يتوقع حدوثه للديمقراطية السياسية؟

النتيجة المؤكدة هي خضوع بل خنوع غير مسبوق من قبل البرلمانات والوزارات والسياسة، لممثلي تلك الشركات إذ لم تعد الحكومات أو الأحزاب، هي من يحدد معالم الطريق للبلاد سياسياً واجتماعياً، بل تلك "الطغمة الحاكمة" التي تمد أياديها الأخطبوطية في كافة مناحي الحياة.

في هذا الإطار يضحى من الطبيعي جداً أن يفقد العوام الشغف للاختيار التمثيلي، وتتضاءل الاختلافات بين الأحزاب والمثال الأميركي ظاهر للعيان، إذ يرى الأميركيون اليوم أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري، قد أصابهما الفساد المالي والأخلاقي معاً، وبجانب ذلك بدأ النسق الاستهلاكي الصنو والرديف  للشركات العالمية يسود، ومعه توارت أي منظومة أخلاقية سياسية أو اقتصادية، فالهدف الواسع والواضح، بل وربما الفاضح للشركات تلك هو نقل الناس من التفكير في الأنساق الأنسانوية إلى المطامع الدنيوية اليومية.

هل الديمقراطية في أزمة كما يتساءل كارلو برودوني في كتابه "حال الأزمة".

الديمقراطية... المأزق غير العابر

من أهم الكتب العالمية التي ناقشت أزمة  الديمقراطية الغربية المعاصرة، يأتي كتاب عالمي الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، والإيطالي كارلو بوردوني،  وعندهما أن أزمة الديمقراطية التي يعيشها العالم الغربي، هي ليست أزمة موقتة  على الإطلاق.

يلفت العالمان البولندي والإيطالي الانتباه إلى مصطلح جديد ومثير في الوقت عينه، "الاستبداد الديمقراطي"، ويشيران إلى أن الجماهير التي خرجت سعياً للديمقراطية، وضد الاستبداد، قد طرأ عليها متغير جديد، فهي باتت مترابطة في ما بينها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أنها باتت مقاومة لمختلف أشكال السلطوية، بما في ذلك ما يسمى "الاستبداد الديمقراطي".

ولعل صفحات "حالة الأزمة" تصدم القارئ، لا سيما في الأوطان رقيقة الحال بالديمقراطية، حين يكتشف من خلال السطور، أن تلك القيمة السياسية العالية الأهمية، لم تعرف طوال تاريخها فكرة العهد أو العصر الذهبي، مرة وإلى الأبد،  فقد ظلت غامضة، يتم التلاعب بها من قبل ولاة الأمر، لا سيما أولئك الذين لديهم شهوة لا تفرغ تجاه الكراسي والمناصب، كأداة لتنفيذ مآربهم.

هنا هل يمكن القول أن جزءاً أصيلاً من أزمة الديمقراطية وخريفها عائد إلى الطريقة التي استعلنت بها على نحو مبتذل، ما جردها من معناها ومبناها الحقيقي "ديموكراسي"، أي حكم الشعب كما تجلى الأمر في اليونان القديمة أول الأمر؟

هناك منظور فلسفي لا يتوجب أن يغيب عن ناظرينا ونحن نبحث في أزمة الديمقراطية المعاصرة، وقد لفت إليه الفيلسوف المصري المعاصر الدكتور مراد وهبه في كتابه الشهير "ملاك الحقيقة المطلقة"، وعنده أن الديمقراطية تعود جذورها إلى أثينا حيث وضع "بروتاغوراس" (487 ق.م -420 ق.م) زعيم الفكر السوفسطائي في القرن الخامس للمرة الأولى في تاريخ البشرية، الأساس النظري للديمقراطية، والتي هي قاعدة لـ"فن الحياة"، ذلك الذي كان غائباً عن البشر، ولهذا  أرسل كبير الآلهة زيزس إلى اليونانيين فضيلتين على أساسهما وانطلاقاً من مبادئهما تنظم المدن، وتنشأ الروابط التي تحقق التعايش في إطار الجماعة التي اضطر الإنسان الأول للعيش في سياقها، خوفاً من هجمات الوحوش الضارية.

أما الفضيلتان فهما: "الاحترام المتبادل والعدالة"، وهنا فإن المعنى الحداثي للديمقراطية غير موصول فقط بالتجمع البشري تحت الخوف، بل بالأكثر بات ركناً أصيلاً في تنظيم العلاقات الإنسانية.

هنا يمكننا أن نسائل حال المجتمعات الغربية عن منظور الاحترام المتبادل والعدالة، وهل يسودان داخل ثنايا تلك المجتمعات، أم أن هناك تفاوتاً طبقياً ومجتمعياً يلغي حالة الديمقراطية من الأصل؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الطبقية عدو الديمقراطية

من الواضح جداً أن قيمتي "الاحترام المتبادل والعدالة"، بحسب بروتاغوراس ، قد خفت وجودهما وتضاءل في العديد من الحواضر الغربية الديمقراطية، فالمسافة بين الأغنياء والفقراء تتسع، والعودة إلى أزمنة العنصرية تلوح بوادرها، وكما رأينا أخيراً لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية بنوع خاص.

لقد أفرز التمايز الطبقي، وسوف يفرز لاحقاً، المزيد من الحركات السياسية الخارجة عن الكادر الحزبي التقليدي، والذي يمضي عبر الأطر الديمقراطية  التقليدية، مثل الانتخابات بأنواعها برلمانية كانت أو رئاسية.

كانت اللبنة الأولى في تجذير قيمتي بروتاغوراس، قد وضعت عام 1648 مع ظهور معاهدة ويستفاليا إلى النور، تلك التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، والركن الرئيس فيها كان عدم الاعتداء والاحترام للدول ذات السيادة، الأمر الذي تم خرقه في العقدين الأخيرين، وتحت أكثر من مسمى، كمحاربة الإرهاب على سبيل المثال، فقد أسقطت أنظمة، وتم تفكيك دول وهدم مؤسسات الحكومة، وأبنيتها  التحتية، ما جعل الرفض للنموذج الديمقراطي الغربي يتأتى من جانبين، من الخارج، وما حدث في العراق نموذج لا يزال أثره السيء  يلاحق التجربة الأميركية  التي فشلت في الوفاء بوعودها بعد عقدين من الغزو تقريباً.

ومن الداخل حيث بدأت الأنساق القومية والعنصرية، ناهيك عن الشعبوية يعلو صوتها رافضة التكلس السياسي تحت لافتة الديمقراطية، ومتحررة من آليات الانتخاب، في أميركا وأوروبا، والنظر لها بوصفها أطراً من القيود، وأصفاداً مكبلة للتغيير الزماني والمكاني، ومن هنا كانت الحركة خارج الأفق والمجال الديمقراطي التقليدي، حيث الأحزاب هي البوق الوحيد المعبر عن الإرادات السياسية.

لقد دخلت الديمقراطيات الغربية في حالة من حالات "السيكولائية الاجترارية "، إن جاز التعبير، أو الجمود الأرثوذكسي السياسي، ولهذا يلاحظ أستاذ العلوم السياسية  في جامعة "ديول" بولاية نورث كارولينا الأميركية، البروفيسور هربرت كيتشليمت، في كتابه "تحولات الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا"، أن الأحزاب السياسية تتغير بالضرورة وبانتظام، وأن قدرتها على التأثير، تتوقف على استجابتها  للظروف، وأن نجاح الديمقراطية بمكوناتها الحزبية، يحتاج إلى تطور رسالتها  الحزبية، وبناء ائتلافات انتخابية جديدة وليس بالضرورة الالتصاق بالنظام التاريخي  للحزب الواحد منفرداً... هل من أسباب أخرى تجعل الديمقراطية نموذجاً غير جاذب في عيون الغربيين؟

فوكوياما وغياب الصدمة

لم تنشغل الولايات المتحدة الأميركية وربما العالم بمفكر أميركي مثلما كانت الحال ولا تزال مع الياباني الأصل، الأميركي الجنسية  فرنسيس فوكوياما، هذا إذا وضعنا صموئيل هنتنغتون جانباً إلى حين.

لم يكن حديث الديمقراطية وأزمتها بعيداً من فوكوياما، وقد وصفها في رؤيته "الشمولية"، عن الإنسان ونهاية التاريخ، بأنها لا يمكن لها أن تنهار، وإنما تتآكل... لماذا؟

الجواب نجده في طيات كتابه الأحدث الصادر منذ أكثر من عام قليلاً تحت عنوان "الهوية: مطلب الكرامة وسياسة الاستياء".

يعطينا فوكوياما طرف الخيط عن تشظي النسيج المجتمعي الأميركي، وكيف أن العنصرية والطبقية، وربما عن قريب المحاصصة المذهبية، والتوجهات اليمينية، كلها باتت تفت في عضد "النسق الديمقراطي" الأميركي.

الأمر المهم الآخر الذي يلفت إليه فوكوياما، هو غياب "الصدمة"، وكأنه هنا يستعيد ما قاله كارل ماركس عن العنف، وكونه، "قابلة التاريخ"، فالغربيون عامة والأميركيون خاصة قد استمرأوا في نظر البعض حالة السلم المجتمعي، والاستقرار الاقتصادي، وغاب المنافس الذي تمثل طويلاً في الاتحاد السوفياتي، والشيوعية  كنظرية تقدمية.

هل يقودنا هذا التحليل إلى القول إن الديمقراطية الليبرالية تحمل قنابلها الموقوتة في أحشائها، وأن الغرب يتمخض الآن بها؟

الجواب يمضي عند فوكوياما في سياق الحتمية التاريخية لتغليب المؤسسة الديمقراطية الحكومية، على الانتماءات الدينية والعرقية، وهذه هي الإشكالية في زمن الشعبوية الجديدة التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية.

الترمبية ومصير الديمقراطية

والشاهد أن سطور "خريف الديمقراطية"، لا يمكن لها أن تتوقف أبداً عند السطور المتقدمة، إذ لا بد لها لكي تكتمل في عقل القارئ من أن تمضي في قراءة معمقة  أخرى مع "الترمبية" التي باتت تجسد "الأسلوب البارانوياتي"، بحسب الكاتب والصحافي الأميركي ستيفان سيبيل.

يحاجج المفكر فوكوياما بأن النظام السياسي الأميركي ما قبل ترمب كان "عديم الأهلية"، ويعزي ظهور ترمب، وقد وصفه بأنه حاكم مستبد، إلى شلل النظام السياسي الحالي، ويخلص إلى أن أميركا بصورتها الحالية، ونظامها المتداعي، قد أصبحت رهينة بيد النخب الأوليغارشية ذات النفوذ، والمصابة بالشلل بسبب عدم قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية رئيسية تنقذ الحياة الديمقراطية.

الديمقراطية الأميركية في مأزق، والليبرالية من ورائها تترنح، وعلى غير المصدق الرجوع إلى تقارير مجلس الاستخبارات القومية الأميركية الأخيرة، والتي تتوقع تفكك النظام الليبرالي العالمي خلال السنوات المقبلة، مع ما يترتب على ذلك من آثار جيوسياسية خطيرة ومثيرة.

هل ترمب أحد الأسباب المسرعة بأزمة الديمقراطية في العالم برمته وليس في الغرب فقط؟

كيف لدولة - إمبراطورية أن تعلو فيها، أخيراً، أدوار الجنرالات، على صوت الرئيس، وترتفع فوق كراسي السياسيين؟

وكيف لرئيس ديمقراطي منتخب مثل ترمب أن يهدد بالبقاء في البيت الأبيض إن خسر الانتخابات الرئاسية المقبلة، معتبراً أنه قد تم تزويرها، فيما يهدد جو بايدن المرشح الديمقراطي المنافس له باستخدام القوات المسلحة لطرده من البيت الأبيض؟

 ثم وربما هذا يكون من الأهمية بمكان، كيف كشفت أزمة تفشي "كوفيد -19" عن الوضعية الكبرى واليد العليا للمؤسسة العسكرية الأميركية، مقابل المؤسسات المدنية الأخرى، إلى درجة رفض وزير الدفاع نشر القوات المسلحة في الشوارع كما رغب بذلك ترمب، ما يعني بصراحة انقلاب على تراتبية الحكم الأميركي.

وهو أمر يدعو إلى أن نضعه تحت المجهر في الأيام المقبلة.