Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لم أتوقع مناقشة العنصرية مع ابنتي مختلطة العرق

الاستماع إلى طفلتنا ابنة الثلاثة أعوام وهي تعبر عن رغبتها غير مرة بأنها تريد أن تكون شقراء كان بمثابة جرس إنذار

أخبرتنا مراراً بأنها ليست راضيةً عن لون شعرها وتريد أن تكون شقراء (إندبندنت)

بينما كنت أسير مع ابنتي البالغة من العمر 3 أعوام في أحد شوارع بانكوك، بحثاً عن مطعم يقدّم طبق الشعيرية التايلاندي "باد تاي"، طرحَت عليّ ببراءة السؤال الآتي: "أبي، أين هم جميع الناس العاديّين؟" كانت تلك هي المرّة الثانية التي نسافر فيها إلى أرض الابتسامات، لكنها المرّة الأولى التي لاحظتُ فيها وجود اختلافٍ ملحوظ عمّا تكون الحال عليه في بلدنا. ادّعيتُ بأنني لم أفهم ما قالت، من أجل دفعها إلى شرح ما تعنيه. فقالت "أين هم الناس الذين يشبهوننا؟" طبعاً ما قصدت قوله كان أين هم جميع الناس البيض؟

لم أستطع تمالك نفسي من الضحك من كثرة ما فوجئت بذلك. أردتُ أن أعطيها على الفور مرآةً كي تتمكّن من رؤية وجهها البيضَوي الجميل، وبشرتها السمراء الناعمة، وشعرها البنّي الحريري، وعينيها اللوزيتين. إنها مزيج من عرقين مختلطين - أبيض وجنوب شرق آسيوي - لكن كما يبدو فهي لم تكن تدرك ذلك. هذا على الرغم من أن والدها البيولوجي فيتنامي، وكذلك شقيقها البالغ من العمر 22 شهراً، هو من التركيبة العرقية ذاتها.

اعتبرنا أن الفرصة ملائمة لتوعيتها بالثقافات، والانتماءات الأخرى، كي تتقبّل الاختلافات، وينمو في داخلها شعور بالفخر بإرثها. لكن عندما رجعنا إلى لندن، عادت الأوهام في ما يتعلّق بعرقها تراودها من جديد. وما كان مثيراً للقلق هو أن براءتها الفطرية  تبدلت إلى اضطراب عصبي.

أخبرتنا مراراً بأنها ليست راضيةً عن لون شعرها، وتريد أن تكون شقراء، إلى درجة باتت معها ترفض مشاهدة أفلام ديزني مثل فيلم الرسوم المتحرّكة Moana، لأن بطله أسود البشرة. وبدا تعريفها للجمال مرتبطاً بالبشرة البيضاء وخصيلات الشعر الذهبية والعيون الزرق. لكنّنا كنا دائماً نعمل على طمأنتها إلى أنها تبدو مثالية كما هي، لكن الأمر كان أشبه بمعركةٍ مستمرّة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في أعقاب حادثة مقتل جورج فلويد، لقيَت صورة طفلٍ أسود، وأبيض يحمل عبارة "إن أحداً لا يولد عنصرياً بل هو شعور يتمّ اكتسابه"، رواجاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي. فهل تعلّمَت هي منّي هذه الآراء؟

الاحتجاجات التي كانت تحدث على بعد مسافةٍ قصيرة من منزلنا في لندن، دفعتني إلى التأمّل والتفكير في ما إذا كنتُ بصفتي رجلاً أبيض، أركّز فقط على حلمي بأن أحسن تربية الأولاد، متناسياً أن الانتماء العرقي لابنتي إنما يوازي من حيث الأهمية هوّيتها الفتية، وشخصيتها المتنامية، بما في ذلك جنسها على سبيل المثال.

افترضتُ بما أنني أعيش في مقاطعة لامبيث في جنوب لندن التي تضمّ عدداً كبيراً من السكّان غير البيض، أن التعدّدية الثقافية هي من المسلَّمات، واعتقدتُ أنها بطريقةٍ ما ستتعلّم التسامح بفعل مبدأ التناضح osmosis. لكن بدا واضحاً لي الآن أن ما نراه هو ليس دائماً قابلاً لأن يُصدّق. فهل كان بإمكاني إذاً أن أفعل المزيد لتعزيز هويّتها العرقية بشكلٍ إيجابي؟ ربما، لكنني أخشى أن تكون المشكلة أكثر تعقيداً.

بدأت تربية ابنتي على تميز اللون الأبيض، من اللحظة التي دخلت فيها دار الحضانة، وهي في أول سنيّها. وسواء أدركَت ذلك أم لا، فقد كانت، ولا تزال هناك طفلةً من الأطفال غير البيض. المرّة الأولى التي بدت فيها فتاةً مختلفة، كانت عندما حضرنا أول احتفال مدرسي لها، أقيم في مناسبة عيد الميلاد، عندما توسّطت سيلاً من الأطفال ذوي الشعر الأشقر، والعيون الزرق. وبما أنه تتملّكنا دائماً نزعة إنسانية قوية إلى الانتماء، لم يكن من المستغرب أن تشعر ابنتي بأن الملامح الأوروبية ستساعدها على الانخراط في بيئتها.

عندما تكون موجودةً في المنزل، تجد أن معظم الكتب تحتوي على صور أطفالٍ بيض سعداء. التمثيل العرقي قد يكون تحسّناً في مثل هذه الروايات خلال الأعوام الأخيرة، ونحن حاولنا من جانبنا شراء قصص لها تضمّ شخصيات غير بيضاء. هي تعشق القصص الخيالية، والأميرات اللواتي يسدلن شعرهن الطويل الغني باللون الأسود، أو البني، أو الإفريقي (نادراً ما يمكن العثور عليهن). هذا الشّح في الشخصيات السوداء والآسيوية إنما ينعكس أيضاً على شاشات التلفاز، وفي الأفلام المخصّصة للأطفال. وعلى الرغم من أن استوديوهاتٍ مثل ديزني تجري تعديلاتٍ ولو بطيئة على سجلها المتواضع في ما يتعلق بالصور النمطية العرقية والجنسانية في الأفلام، فإن الأفلام المصوّرة المماثلة تتضمّن في معظمها شخصياتٍ متجانسة اللون بشكلٍ مثير للإحباط. لكن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن قرار شركة الأفلام House of Mouse اختيار ممثّلة سوداء لتأدية دور رئيس في إعادة إنتاج فيلم The Little Mermaid يشكّل خطوةً إيجابية إلى الأمام.

إذا كنا نريد لأطفالنا أن ينشأوا إلى جانب شخصياتٍ تشكّل قدوةً لهم إنما تشبههم وتبدو مثلهم، وإذا كنا نريد أن يكون لديهم حسٌّ بالانتماء، وإذا كنا نريد أن يشعروا بارتياح تجاه أجسادهم، فلا بدّ من معالجة أهمية تمثيل الأعراق على وجه السرعة.

لكن الأمر لا ينطبق فقط على أهالي الأطفال من غير البيض. فإن حركة "حياة السود مهمّة" (التي تمثّل صرخة ضدّ العنصرية)، يجب أن تشكّل دعوةً إلى الاستيقاظ بالنسبة إلى العائلات البيضاء هي الأخرى. ومع تواصل تظاهرات الاحتجاج حول العالم، تستعيد ذاكرتي الحادثة التي اعترفت فيها إحدى الوالدات بتغيير أحداث قصة روزا باركس، الناشطة الأميركية التي لعبت دوراً محورياً في حركة الحقوق المدنية الأميركية في الخمسينيّات، برفضها التخلّي عن مقعدها في حافلة لراكب أبيض. كانت الأم خائفةً من أن تُجرح مشاعر طفلها عند معرفته أنه يمكن التمييز ضدّ شخص ما بسبب لون بشرته، فأعادت كتابة وقائع تلك اللحظة المميّزة في التاريخ. وما كان يُعدّ في السابق موقفاً شجاعاً ضدّ قمع ذوي البشرة السوداء، تحوّل اليوم إلى معركة مموّهة بين الأغنياء والفقراء.

عندما يكون من غير المحتمل أن يقع طفلك ضحية للعنصرية، فإن اتّخاذ مثل هذه القرارات يظلّ خياراً سهلاً. لكنني أرفض حماية أولادي من واقع مؤلم قد يتعيّن عليهم مواجهته يوماً ما.

إن أفضل طريقة لحمايتهم، وإعدادهم لمثل تلك اللحظة أن نجعلهم يرون حقيقة الظلم، ونقوم بتزويدهم بالأدوات اللازمة لمواجهته متى اقتضى الأمر. يبدأ ذلك بتسليحهم بمقدارٍ كافٍ من الثقة في النفس، كي يدركوا أنه في حين قد يجاهدون للعثور على لصقات لتضميد الجروح تتناسب ولون بشرتهم، أو اللهو بألعاب تشبههم، فإن حياتهم تشكّل أهمية حقيقية الآن وفي المستقبل.

© The Independent

المزيد من تقارير