Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التشكيلي السوداني حسن موسى خارج "الزنزانات الفنية"

يشكو من انشغال الفنانين العرب بالإنجازات الفنية الغربية ويواجه في فرنسا عزلة مزدوجة بجماليات الحرف العربي

حسن موسى يعمل على إحدى لوحاته (اندبندنت عربية)

على عكس حاله في الغرب، فإن التشكيلي السوداني د. حسن موسى ليس اسماً معروفاً في معظم رقاع العالم العربي. وهذا على الرغم من أنه ثالثة الأثافي - مع إبراهيم الصلحي والراحل أحمد شبرين – في زمرة سفراء الثقافة التشكيلية السودانية الذين نفذوا إلى الساحة الدولية.

ونال موسى هذا المقام بفضل أعماله الفنية العديدة المتمردة على القوالب الجاهزة والقيود والحدود، وأيضاً بفضل كتاباته التي ينطبق عليها الشيء نفسه. وهذا على الرغم من (وربما بفضل) عزلته في قرية نائية بجنوب فرنسا حيث يعيش إلى الآن مع زوجته ورفيقة "نضاله الفني" الفرنسية باتريسيا.

وظل الدكتور موسى يعرض أعماله منذ السبعينيات داخل السودان وخارجه بما في ذلك العواصم الأوروبية الغربية إضافة إلى كبريات المدن الأميركية ولكن القليل من العواصم العربية أبرزها بيروت. وهو، بلا شك، فنان متفرد ليس في تعدد أساليبه التشكيلية وإتقانه كلاً منها بمهارة مدهشة فحسب، وإنما في أشياء صغيرة أيضاً تراها في معارضه وتشمل "التشكيل الحي"، مثل خلق لوحة عملاقة من البداية إلى النهاية أمام أعين الزوار، أو تقديمه "لوحات سريعة" هدية لكل زائر ينجزها هذا الفنان على أطباق الورق، مثلاً، محمولة على أيديهم.

التشكيلي الرحّالة

المتابع لأعمال موسى يلاحظ أنه تشكيلي "رحّالة" لا يستقر به المقام في مكان واحد على الرغم من أنه يمكن أن يرجع إليه متى شاء. فعلى عكس أغلبية الفنانين، الذين ما إن ألفوا أسلوباً معيناً من الرسم والتلوين وراق مزاجهم له حتى لبثوا فيه بقية العمر، يرفض موسى أن يتخذ من تيار معين في التشكيل قوقعة يدخل فيها ويحتمي بها من رياح التغيير. كما أنه يرفض الحدود والتصنيف والزنزانات الفنية. ذلك أن الفن التشكيلي بالنسبة إليه هو الكون نفسه مفتوحاً لكل من يرغب في سبر أغواره وتصوير أو تأويل ما شاء منه في لوحاته. ولم ينفك موسى، حتى دخول الدنيا في عزلتها الحالية هي أيضاً، عن إنتاج الجديد وإقامة المعارض بشكل شبه متصل وإصدار الكتب والدراسات التي يتجاوز عددها الخمسة والعشرين.

ازدواج العزلة

في عزلته المزدوجة هذه تحدثت "اندبندنت عربية" إلى الدكتور موسى. وعلى الرغم من أن هذا الفنان يرتاد سائر ضروب التشكيل ومختلف وسائطه من الورق إلى الكانفا والقماش والخشب، فقد اخترنا أن يدور حديثنا حول جماليات الحرف العربي باعتباره فرعاً مهماً في شجرة إنتاجه الغزير. فقال بدءاً: "منذ منتصف الستينيات ثبّت التشكيليون السودانيون الكتابة كفضاء متعدد التراكيب الجمالية، لكن الكتابة كممارسة سحرية مازالت تؤثر في الخيال الشعبي الذي تلخصه حكمة جدتي حين تختم المناقشة بقولة "الشافي الله والكاتل الله". وحين أتأمل في شطحات الإفتاء في فيروس الكورونا من الجزافيين وشركائهم الذين يرتجلون الوصفات السحريات في (فيسبوك وتويتر وإنستغرام)، لا أستبعد أن يؤدي تردي الخدمات الصحية (أو عدمها) في السودان، إلى رد الاعتبار إلى ترياق الكتابة في مقاومة هذه الجائحة".

ويشرح هذا بقوله: "الذاكرة الشعبية السودانية تحفظ للكتابة بعداً سحرياً يتيح للأهالي الأميين استثمار المكتوب في علاج بعض اعتلالات الصحة النفسية والجسمانية، أو في استعادة المفقود متاعاً كان أو حبيباً. والناس من جيلي في السودان ربما عاصروا آخر سنوات العلاج بالتمائم المكتوب عليها الأدعية وبالـ"بَخْرَة"، وهي وريقة عليها أدعية، وبالـ"مِحَايَة" وهي نصوص من القرآن غالباً تكتب على الآنية بحبر الفحم وتغسل ليشرب المعتل ماءها. وقد تنبه بعض رواد التشكيل الحديث في السودان – مثل الصلحي وشبرين – إلى المعاني الجمالية في المكتوب الشعبي واستثمروها في إضفاء بعد سوداني على مغامرتهم الحروفية. بل إن شيخ الخطاطين السودانيين عثمان وقيع الله حرّر نفسه من قيود الكتابة الأدبية الرسمية كافة لينطلق في دروب التجريد التي قادته إلى عوالم جديدة ومثيرة".

ضرب من السحر

يقول موسى إنه – قبل المدرسة - دخل على الكتابة من باب الرسم وهو يرى إخوته الأكبر يكتبون على كراساتهم ما بدا له "ضرباً من السحر العجيب". ويضيف: "اتخذت لي أقلاماً وأوراقاً أضع عليها "خربشات" كانت مقروءة لي وحدي كنص بصري. ولاحقاً – في دقائق خارج الزمان - خطّ لي شقيقي إبراهيم اسمي بهجين من الفارسي والديواني على حقيبتي القماشية قبيل أول أيامي المدرسية، وأعتقد بأن رحلتي الفنية بدأت هنا. وبعدما تعلمت الكتابة - تلك الشفرة السحرية التي تفتح مغاليق عوالم غريبة من القصص والأخبار - تكشّف لي أمر جديد وهو أن استخدامها المدرسي الأداتي يخون معانيها الجمالية كممارسة تشكيلية غرافيكية. فاجتهدت، كرسّام، في تقصي دروب الكتابة الجمالية التي تذهب إلى ما وراء الخط الجميل القائم على قوالب "الأقلام الستة" التقليدية (النسخ والرقعة والديواني... الخ).

و"النص البصري" الذي يشير إليه موسى يتخذ لديه مادته الخام اليوم من حروف الأبجدية العربية (والصينية أحياناً). وقد بلوره في عدد من كتبه (وسوادها الأعظم أصدرته دور نشر فرنسية) مثل "قاموس فرنسي إنجليزي كله بالعربي" و"حكايات الخطاطين والسلاطين" و"أبجدية شهرزاد".

خط وسياسة وأكل عيش

يحدثنا موسى عن تجربته الأكاديمية في مجال الخط ويسترجع بعض ذكرياته قائلاً: "في بداياتي بكلية الفنون كان يعلمنا الخط أستاذ متمكن من صناعته، لكنه كان يتحلّى بمزاج "صنايعي" بعيد كل البعد عن جملة الأسئلة النقدية الجمالية (كقضايا التمثيل والتجريد) والسياسية (كمسألتي الهوية والديمقراطية). وذات يوم ألهمنا ضجرنا الشاب مشاكسة الأستاذ حول منفعة الخط التقليدي بمواجهة التجديد والتجريب، فرد علينا: "يا بني مالك ومال البهدلة؟ دا الخط يكسّبك دهب". ربما كان الرجل محقاً، وقتها، وهو يرى أعيان "مدرسة الخرطوم" (تيار الفن التشكيلي الذي أغرق خلال الستينيات والسبعينيات في استلاف عناصر التراث السوداني) وهم يتصدرون محافل البروباغندا التي أقامها نظام جعفر النميري ويتلقون الجوائز المادية والرمزية ويعرضون الأنواط والأوسمة التي كان يوسمهم بها بمناسبة ومن دونها. لكن هذا الذهب لم يكن لنا ولم نكن له".

باليه نايلي

من المحطات التي يتوقف عندها موسى عمله في مطلع الثمانينيات، في بدايات هجرته إلى فرنسا، مصمماً غرافيكياً لفرقة "باليه نايلي" للرقص الشعبي من المغرب الكبير (تحت إدارة سعيد حميدي الجزائري وزوجته الفرنسية ريجان). وفي إحدى جولاتها عرض موسى فكرة استخدام الخط العربي في أشرعة طولية لحل مشكلة ترحيل الديكورات المصاحبة لمجموعة الرقصات الشعبية من بلدان المغرب الكبير لأن الأوتوبيس المخصص للمجموعة كان لا يتسع لها وللديكوات معاً. فأثّث خشبة المسرح بعشرة أشرعة أفردها وخطّ عليها كتابة غرافيكية من طراز الثلث أثناء الفصل الأول من الاستعراض الراقص. ويقول: "ما سحرني فعلاً كان تلك اللحظات بين رقصتين حيث أجدني وحدي على الخشبة والجمهور يتابعني فكأنني راقص يبذل حركات الحبر والفرشاة تحت الأضواء". ويضيف أن تجربة الخط على الخشبة "فتحت بصيرتي لعقلنة عروض غرافيكية كان آخرها عرض" الدم أتقل من الموية" (الدم أثقل من الماء) الذي قدمته مطلع العام الحالي في غاليري "موزاييك رومز" في لندن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هوية العرب وتراثهم

يشكو موسى من انشغال الفنانين العرب بالإنجازات الفنية الغربية، قبولاً كان هذا الانشغال أو رفضاً، ويقول: "آل العديد من أولئك التشكيليين على نفسه مهمّة في جسامة الخروج بالمجتمع العربي المعاصر من أزمته الحضارية بالعودة إلى التراث. ولكن غاب عن خيالهم أن هذه العودة لا تقتصر على تراث أسلاف العرق والعقيدة من دون غيرهم لأن العودة في حد ذاتها لا تفيد كثيراً ما لم تشتمل على جملة تراث الإنسانية بأكمله. وغاب عن فطنتهم (الصفوية بالضرورة) أن القيام بأعباء تلك المهمة الجليلة يقتضي من الإمكانات ما يتجاوز الوسائل الفكرية والمادية المتواضعة المتاحة للجماعة التشكيلية وحدها. وفي مسد الأزمة انزلق أغلب الحروفيين في عُصاب الهوية وانكفأوا على مبحث المكوّنات الخصوصية لجمالية عربية غامضة يميّزون عليها فنون العرب عن فنون الآخرين، يقصدون بهؤلاء الآخرين الغرب عموماً والأوروبي خصوصاً".

ويمضي موسى قائلاً إن المشكلة هنا هي أن الفنانين العرب "يجعلون من الغرب مرجعاً أعلى، سواء من موقف التقليد أو المضاهاة أو من موقف التضاد والرفض وكلاهما يخطئ، إذ إن هناك النماذج الحضارية غير الأوروبية، كالحضارات الهندية والصينية والهندو- أميركية الغائبة عن مباحث الهوية في مضمار التشكيل العربي. وهذا على الرغم من أن أقل ما يمكن أن تقدمه لنا هذه النماذج هو أن تساعدنا في الانعتاق من هوس القياس على ما فعلته أوروبا وما تركته، دعك من آفاق التصدير والاستيراد الهائلة التي تفتحها الحضارات الأخرى أمام التشكيليين وغيرهم من المبدعين".

بطاقة شخصية

ولد حسن موسى في مطلع يناير (كانون الثاني) 1951 في مدينة النهود، إقليم كردفان في غرب السودان الأوسط. تخرّج في قسم التلوين بكلية الفنون الجميلة في الخرطوم عام 1974 ونال الدكتوراه في تاريخ الفنون من جامعة مونبلييه الفرنسية عام 1990 وكانت رسالته عن "التحوّل في المراجع الثقافية عند أهل السودان الأوسط خلال مثال الفنون التشكيلية المعاصرة". وظل منذ مطلع الثمانينيات يعيش ويعمل بالتدريس والتشكيل والكتابة النقدية مع زوجته باتريسيا في جنوب فرنسا، ولهما اثنان من الأبناء.

المزيد من ثقافة