Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إهانة المصريين" في ترهونة تعيد فتح ملف العمالة الهاربة إلى ليبيا

القاهرة تتعهد بعدم مرور الواقعة ومتخصصون يرون ألا بديل عن منع الوصول للبلاد التي تشهد نزاعات

عناصر من الميليشيات المسلحة التي تنتشر في ليبيا (رويترز)

على وقع موجة استنكار رسمية وشعبية، ومطالبات بالرد، صاحبت انتشار فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر فيه عمال مصريون موقوفون في غرب ليبيا من قِبل عناصر مسلحة موالية لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا، أُجبر خلاله العمال على رفع أياديهم إلى أعلى، والوقوف على رجل واحدة، وفق ما ظهر في لقطات الفيديو، تجدد النقاش حول "ملف العمالة المصرية بالخارج"، الذي وإن بدا محوره في تحويلاته الدولارية الاستراتيجية للاقتصاد المصري، فإن تجاذبات السياسة ما تلبث أن تضفي انعكاساتها عليه بين حين وآخر.

وبين إرجاع سبب الفيديو، للخلاف المتصاعد بين أنقرة والقاهرة (حيث تدعم كل عاصمة أحد طرفي الصراع الليبي)، ومحاولات كل دولة الضغط على مصالح الأخرى عبر رسائل مباشرة وغير مباشرة، بينها العمالة المصرية في ليبيا؛ حيث تسيطر الجماعات الموالية لتركيا على غرب البلاد، واعتبار آخرين، أنه ضمن النتائج الكارثية التي سببها التدخل الخارجي في ليبيا، وما أفرزه من حالة استقطاب كبيرة في الداخل بين معسكري حفتر والسراج في الشرق والغرب، فضلاً عن تداعيات تراجع الأوضاع الاقتصادية وقلة فرص العمل، التي تدفع في النهاية بالمخاطرة، ينتظر مراقبون الرد المصري بعد أن أعلنت وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج نبيلة مكرم عبيد أن "إهانة" عمال مصريين في ليبيا على يد "مرتزقة" أوقفوهم هو أمر "لن يمر".

ومع تأكيد مراقبين على محورية العمالة المصرية بالخارج، كأحد محددات سياسة القاهرة الخارجية، لا سيما في الدول ذات الكثافة العالية في العمالة المصرية (دول الخليج العربي وليبيا)، حيت تمثل تحويلاتهم بالعملة الصعبة، أحد أهم أركان دَخل البلاد بما يتجاوز ربع إجمالي الإيرادات الأجنبية (نحو 26 في المئة من إيرادات مصر بالعملة الأجنبية وفق أرقام الموازنة العامة للدولة للسنة المالية (2019-2020)، يجد العامل المصري بالخارج، خصوصاً في مناطق الاضطرابات، بينها ليبيا، نفسه بين مطرقة تأثير التجاذبات السياسية، وسندان ضيق الأوضاع الاقتصادية وقلة فرص العمل.

 

 

القاهرة ومعضلة عمالتها في ليبيا

بحسب الإحصاءات الرسمية، التي يصدرها بشكل دوري الجهاز المركزي المصري للتعبئة والإحصاء، كانت ليبيا إحدى الوجهات الرئيسة للعمالة المصرية طوال سنوات ما قبل الاضطرابات التي تشهدها الجارة الغربية منذ عام 2011.

ووفق تقديرات الجهاز نفسه، "تجاوز إجمالي عدد العاملين المصريين في ليبيا قبل ذلك التاريخ وإطاحة نظام العقيد الراحل معمر القذافي في العام ذاته مليوني نسمة". إلا أن الرقم ما لبث أن شهد تراجعات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بفعل الاستقطاب الكبير بين معسكري الشرق والغرب ودعم القاهرة للجيش الليبي، وفق متخصصين.

700 ألف عامل

وخلال السنوات التسع التي تلت سقوط القذافي، انخفضت أعداد المصريين في ليبيا تدريجياً إلى أن وصلت لما دون المليون، تحديداً ما بين 700 ألف وبين مليون، بحسب أرقام وزارتي الخارجية والقوى العاملة المصرية، إلا أنه وفق عاملَين مصرييَن في ليبيا تحدثا لـ"اندبندنت عربية"، فإن الأرقام الحقيقية شهدت صعوداً خلال السنوات الأخيرة بشكل غير رسمي.

يقول السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، إن "ملف العمالة المصرية في الخارج دائماً على قائمة اهتمام صانعي ومتخذي قرارات السياسة الخارجية المصرية، لا سيما مع تلك الدول التي يوجد على أراضيها عدد كبير من العمالة المصرية".

يضيف، "فيما يتعلق بالحالة الليبية وتعرض مصريين لإهانة متعمدة من قِبل مسلحين موالين لحكومة الوفاق بدوافع سياسية فهو أمر يتناقض مع المواثيق والقوانين الدولية والإنسانية"، وأشار إلى "أن تعقيدات الوضع بالمشهد الليبي تضيف مزيداً من التحديات أمام زيادة أعداد العمالة المصرية في ليبيا"، وشدد على أن "ما حدث مع العمال المصريين أمرٌ لا يمكن قبوله أو تجاوزه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالتوازي مع الإدانات المصرية وإعلانها التواصل على أعلى مستويات للتحقيق في الفيديو، قالت وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إنها "شعرت بغضب شديد عندما رأت هذا الفيديو وشاهدت عمالة مصرية بسيطة لا حول لها ولا قوة تعامل بهذه المهانة من قبل مرتزقة أوقفوهم".

وأضافت أنها مقتنعة "كمواطنة مصرية" أن هذا الأمر "لن يمر". وشددت على أن "الدولة المصرية بكل مؤسساتها وأجهزتها تضع حماية المصريين على رأس أولوياتها في الداخل والخارج".

وأشارت في هذا السياق إلى أن مصر سبق أن شنت "ضربات جوية في ليبيا عام 2015 رداً على ذبح 22 (قبطياً) مصرياً" على يد مجموعة تابعة لتنظيم داعش بمدينة سرت على البحر المتوسط. وقالت إن "الدولة المصرية لا تصمت في ما يتعلق بأي تعدٍ على المصريين".

من جهتها، دعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، الثلاثاء، السلطات بطرابلس إلى تحقيق فوري بشأن احتجاز مصريين في ترهونة والكشف عن مصيرهم، وقالت إن "الممارسات التي تعرض لها مصريون في ترهونة انتهاكٌ لالتزامات ليبيا بموجب حقوق الإنسان". معربة عن قلقها من اعتقال واحتجاز وسوء معاملة عدد كبير من المصريين بمدينة ترهونة.

وكانت وزارة الداخلية في حكومة الوفاق الليبية، أعلنت أنه تم البدء بالتحقيق في الواقعة، فيما اعتبر الجيش الوطني الليبي أن ما حدث تجاه المصريين في ترهونة "جريمة حرب"، مبدياً اعتذاره "لمصر وشعبها على أفعال ميليشيات الوفاق الإرهابية"، على حد وصفه.

العمالة المصرية في مناطق النزاع

مع تكرار التحذيرات الرسمية، من قبل وزارة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة بعد سفر العمالة المصرية إلى مناطق الاضطراب، بينها ليبيا، بسبب تدهور الأوضاع، "لا تزال حركة العمالة المصرية مع الجارة الغربية للبلاد مستمرة"، بحسب شهادات لعاملَين مصريَين.

يقول "أ.ش"، البالغ من العمر 47 عاماً، "لم تنقطع حركة العمالة يوماً، لكن قلّ شكلها الرسمي، وزاد ما هو غير رسمي. تحديداً عبر دروب التهريب في الصحراء أو حركة الترانزيت، مروراً بدول أخرى قبل الوصول للوجهة النهائية في ليبيا".

ويضيف المواطن المصري، الذي يمتلك أحد مصانع الملابس غرب البلاد، "تدهور الأوضاع الاقتصادية وقلة فرص العمل تدفع آلاف المصريين إلى المجازفة بحياتهم ولو بطرق غير شرعية، شخصياً حاولتُ البقاء في مصر بالفترة ما بين 2013 و2016، لكن ضيق العيش دفعني للرجوع إلى ليبيا عن طريق تونس (معبر رأس جدير الحدودي)". وتابع، "أقمت في ليبيا أكثر من 20 عاماً، ولم يعد من الممكن تجاوز الفترة في ظل الأوضاع الاقتصادية القائمة بأغلب البلدان العربية".

مواطن مصري أخير، أخبرنا، "أن هناك العديد من طرق التهريب، أو التحايل، التي ينتهجها مصريون للذهاب إلى ليبيا، وهي إما السفر عبر مطارات في دول بالمنطقة كتركيا والسودان وقطر وتونس والإمارات، وصولاً إلى الوجهة النهائية في ليبيا، أو عبر جماعات المهربين في دروب الصحراء"، مشيراً إلى أن تكلفة التهريب ودخول المصري إلى ليبيا تبلغ نحو 400 دينار ليبي (290 دولاراً أميركياً)".

أضاف، "يحاول المصريون الموجودون في ليبيا حماية أوضاعهم وأنفسهم عبر أمرين رئيسيين، إما دفع مبالغ بشكل مستمر للميليشيات المسيطرة على المناطق التي يقيمون بها، أو مشاركتهم في أعمالهم، بالإضافة إلى تجنب الحديث في السياسة لعدم احتسابهم على طرف".

 

 

هل من حل لأزمة العمالة المصرية؟

وفق التصريحات المصرية الرسمية فقد استوعب نمو اقتصاد البلاد بعد الإصلاحات الهيكلية التي انتهجتها السلطات أواخر عام 2016، أعداداً ضخمة من العمالة العائدة من مناطق النزاع، وتحديداً ليبيا. وهو ما انعكس على أرقام البطالة الرسمية التي تراجعت إلى 7.7 في المئة بالربع الأول من العام الحالي، انخفاضاً من 8 في المئة خلال الأشهر الثلاثة السابقة، ومن 8.1 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها قبل عام. إلا أنه وبفعل تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد عاد الرقم إلى الصعود، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، ليصل إلى 9.2 في المئة بالفترة من نهاية مارس (آذار) الماضي إلى نهاية أبريل (نيسان) الماضي.

وطالت التداعيات السلبية لكورونا تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والصادرات والاستثمار والسياحة، المصادر الأساسية للعملات الأجنبية للاقتصاد المصري، والداعم الرئيس للاحتياطي من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري.

يقول رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، "تدهور الأوضاع الاقتصادية في عدد من البلدان العربية، بخاصة بالدول التي تشهد صراعات واضطرابات منذ سنوات يصعّب من مهام استقرار سوق العمل وحركة العمالة الوافدة منها وإليها"، معتبراً أن "الخيار الأفضل يبقى عدم مخاطرة المواطنين بأرواحهم أياً كانت حساباتهم، والذهاب لمناطق النزاع بحثاً عن فرص عمل".

وبحسب عبده، فإن" وجود عمالة مصرية في ليبيا، مع العلم أن دعم القاهرة لطرف، يزيد من خطورة الأوضاع على حياة هؤلاء المواطنين، كما يزيد من كاهل الدولة للدفاع وحماية أبنائها أينما وجدوا"، معتبراً في الوقت ذاته "صعوبة الأوضاع الاقتصادية وقلة فرص العمل ليست أسباباً كافية لإلقاء المواطن بنفسه إلى أتون الاضطراب والنزاعات".

في المقابل، يرى عمر سمير، الباحث في العلاقات الدولية والمتخصص بالشأن الليبي، "أنه غالبا ما تدفع العمالة بالخارج ثمن سياسات بلادها". وأشار إلى أن "العمال المصريين أضيروا في ترهونة بعد تدخل بلادهم على خط الأزمة الليبية بشكل مباشر، وهو ما زاد من التحديات الأمنية والاجتماعية للجالية المصرية في الجارة الغربية".