Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ترسم التوجهات الدينية خريطة الانتخابات الأميركية؟

دراسات: الدين يؤثر بشكل عميق في نظرة الناخب إلى قضايا مثل المثلية الجنسية والإجهاض

رفع ترمب الكتاب المقدس صدم البعض ممن ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها دولة علمانية (أ.ف.ب)

جاء رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الكتاب المقدس أمام كنيسة القديس يوحنا في واشنطن، وسط تظاهرات غاضبة أمام البيت الأبيض، وفي أنحاء أخرى من الولايات المتحدة بعد مقتل رجل أسود على يد شرطي، بمثابة مشهد صادم لكثيرين ممن ينظرون إلى الولايات المتحدة، باعتبارها دولة تحكمها القوانين والقواعد العلمانية.

واندلعت الاحتجاجات تنديداً بالعنصرية والعنف الذي يتعرّض له السود من قِبل الشرطة، بعد مقتل جورج فلويد على يد الشرطي ديريك تشوفين الذي ضغط بركبته على عنق الضحية الذي ظل يشكو أنه لا يستطيع التنفس، وذلك في مدينة مينيابوليس بولاية منيسوتا، أواخر الشهر الماضي.

ومع وقوع حوادث نهب وسرقة خلال الاحتجاجات، أثار ترمب غضب المحتجين بعدما وصفهم بأنهم "مخرِّبون" و"إرهابيون محليون"، وهدد الذين يتظاهرون أمام البيت الأبيض بـ"الكلاب الشرسة والأسلحة"، قائلاً "يتظاهرون لخلق المشكلات، لا من أجل فلويد".

وبعد أن فضّت الشرطة الاحتجاجات أمام البيت الأبيض، خرج ترمب سيراً على الأقدام لزيارة كنيسة القديس يوحنا بولس الثاني، التي طالتها أعمال التخريب خلال المظاهرات، ثم وقف رافعاً الكتاب المقدس، وقال: "لدينا بلدٌ عظيمٌ. أعظم بلد في العالم، وسوف نضمن أمنه". لكنه في الوقت نفسه هدد بنشر آلاف الجنود المدججين بالأسلحة وعناصر الشرطة.

مشاهد متكررة
وعندما ردّ خصومُه من الحزب الديمقراطي، استخدموا الأداة نفسها. إذ تكرر المشهد ذاته برفع الكتاب المقدس، لكن هذه المرة من قِبل رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيولسي، وأحد أبرز قيادات الحزب الديمقراطي، التي وقفت في اليوم التالي في الكونغرس، لتقرأ بعض الآيات من سِفر الجامعة عن وقت الشفاء. كما أنها أشارت من قبل إلى انتمائها إلى الكنيسة الكاثوليكية.

 

هذه المشاهد المتكررة على الساحة السياسية الأميركية على مدار الإدارات المتعاقبة، هي انعكاس لواقع الدّور الذي يلعبه الدين في الحياة السياسية في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن الآباء المؤسسين للبلاد عمدوا إلى "الفصل بين الدولة والدين" المجسَّد بشكل رئيس في الكنيسة آنذاك، فإنّ الاثنين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. فرؤساء الولايات المتحدة استغلوا الخطاب الديني أداة لكسب أصوات المتدينين داخلياً. ويقول المؤرخ الأميركي سام هاسلبي، مؤلف كتاب "أصول القومية الدينية الأميركية"، "الجدلُ المتجدد حول ما إذا كانت أميركا تأسست كأمة مسيحية هو بالأساس جدلٌ سياسيٌّ".

تداخل الدين والسياسة
وعلى الرغم من أن الاقتصاد والرعاية الصحية والتقاعد عوامل رئيسة للتصويت الانتخابي، فإن قضايا مثل الإجهاض والمثلية الجنسية تشكّل عوامل أخرى مهمة، وهي قضايا تتعلق بالعقيدة الدينية بالأساس.

وحسب دراسة بعنوان "الدين وسلوك التصويت"، منشورة في مجلة جامعة ماكندري، فإن الدين يؤثر بشكل عميق في الطريقة التي ينظر بها الناخب إلى قضايا مثل المثلية الجنسية والإجهاض والبيئة والاقتصاد، ومن ثمّ تشكل هذه المعتقدات الراسخة في عقل الناخب مبادئ توجيهية، لمساعدته على تحديد المرشح الرئاسي.

وبالحديث عن المسيحيين، باعتبارهم الكتلة الأكبر بين سكان الولايات المتحدة، وحسب دراسة عام 2019 لمعهد بيو للبحوث، فإن 65 في المئة من الأميركيين البالغين قالوا إنهم "مسيحيون". لكن تتعدد التوجهات السياسية لهذه الكتلة التي يتسابق السياسيون على كسب أصواتها بطرق مختلفة.

 

ويتسع الانقسام الديني والثقافي بين الناخبين الديمقراطيين والجمهوريين، وسط مزيد من الاستقطاب الحزبي والتوترات المجتمعية، خصوصاً في ظل المشهد الحاليّ، الذي تحوّل من الانتفاضة ضد العنصرية، التي لا يزال السود يعانون منها بعد نحو ستة عقود على انتفاضة حركة الحريات المدنية التي قادها القس الأميركي الأسود مارتن لوثر كينغ، إلى معركة تكسير عظام بين الحزبين قبيل أشهر قليلة من انتخابات الرئاسة والكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) هذا العام.

وتتداخل الخريطة الدينية والسياسية في الولايات المتحدة إلى حدّ كبير عندما يتعلق الأمر بالتصويت لبعض القضايا ذات الطابع الجدلي، وأهمها الحقّ في الإجهاض. ويوضح معهد غالوب، في دراسة موسّعة صادرة عام 2017، "البروتستانت يواصلون تشكيل أكبر مجموعة دينية في أميركا بنسبة 48.5 في المئة، يأتي بعدهم الكاثوليك 22.7 في المئة، ويمثل المورمون 1.8، واليهود 2.1، والمسلمون 0.8، إضافة إلى 2.9 في المئة من ديانات أخرى. وتوجد كتله تشكّل نحو 21 في المئة ليس لديهم هُوية دينية رسمية".

الحقوق المدنية
وفي ما يتعلق بالحقوق المدنية، يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن المتدينين أو أصحاب التوجهات الدينية المحافظة لا يؤمنون ببعض هذه الحقوق، لكن يجادل آخرون أن العقيدة الدينية كانت ملهمة في التغيير الاجتماعي وحركة الحقوق المدنية.

وأثارت شخصيات بارزة عدة في حركة الحقوق المدنية دافعها للقتال من أجل الحرية والمساواة من منظورها الديني، مدعومةً بالاعتقاد بأن جميع الرجال والنساء هم أبناء الله، ومن ثمّ سعت تلك الشخصيات إلى التأكيد على أن العدالة والمعاملة العادلة وتكافؤ الفرص مُنحت للناس من جميع الأعراق والخلفيات الثقافية والديانات. وذكر تايلور برانش، المؤرخ وكاتب السيرة الذاتية لمارتن لوثر كينغ، أن حركة الحقوق المدنية "دمجت الوعد السياسي بتساوي الأصوات مع العقيدة الروحية المتمثلة في تساوي النفوس".

وتشير دراسة صادرة عن جامعة كامبيل حول تأثير الكنائس البروتستانتية الرئيسة في حركة الحقوق المدنية، إلى أنه خلال حركة الحقوق المدنية لعبت الكنائس الرئيسة "الميثودية المتحدة واللوثرية والمشيخية والأسقفية والمعمدانية وكنيسة المسيح المتحدة وتلاميذ المسيح"، دوراً مؤثراً في الثقافة الأميركية أكثر من الإنجيليين، لأنهم حشدوا الدعم للحركة، وشاركوا بنشاط فيها، حتى سمحوا بخرق القوانين إذا كان بإمكانهم مساعدة شخص آخر. ودعت الحكومة إلى سن التشريعات ودعم القوانين الخاصة بالحريات المدنية، بل سبقت الشعب في المطالبة بالمساواة للأميركيين الأفارقة.

وفي حين تميل الكنائس البروتستانتية الرئيسة إلى الليبرالية، فإن نظيرتها البروتستانتية الإنجيلية لعبت دوراً رئيساً "في صعود التوجهات السياسية والاجتماعية المحافظة في الولايات المتحدة"، وعلى سبيل المثال يحظى ترمب بدعم الناخبين الإنجيليين ممن يرفضون الإجهاض.

المتدينون الأكثر تأييداً لترمب
وتقول غالبية وسائل الإعلام الأميركية، إن ترمب يحظى بدعم المتدينين (أصحاب التوجّه المحافظ)، لكن اللافت في دراسة غالوب هو ما يتعلق بالتوجهات الدينية السياسية، فنحو 37 في المئة من إجمالي الأميركيين الذين شملتهم الدراسة من بروتستانت ومسلمين وكاثوليك، "يتدرجون من متدينين للغاية إلى معتدلين"، في حين أعرب 48 في المئة (أقل من النصف) من المتدينين عن تأييدهم ترمب. لكن، تظل نسبة تأييده بين المتدينين أكثر من أولئك الأقل تديناً.

وعلى الرغم من أن الدراسة لم توضِّح الأسباب، فإن ترمب أظهر مراراً دعمه لحركات الحقّ في الحياة المناهضة الإجهاض، وهي قضية مثيرة تتعلق بالمتدينين الذين يعتبرون الإجهاض قتلاً للنفس. لكن في الوقت نفسه يحظى ترمب بتأييد أقل بين غير البيض بغض النظر عن تدينهم، ويمكن تفسير ذلك أيضاً في نطاق كثير من القضايا، وعلى رأسها رفضه إدانة الفوقيين البيض.

على أي حال، تشير الدراسات المختلفة إلى العلاقة بين التدين وتحديد هُوية الأحزاب السياسية، فنحو نصف الجمهوريين متدينون للغاية، مقارنة بنحو ثلث المستقلين والديمقراطيين، حسب دراسة أخرى لغالوب. لكن، أظهرت دراسة أخرى لمعهد بيو صادرة عام 2014 أن نسبة الأميركيين الذين ينتمون إلى الحزب الجمهوري أو يميلون إلى تأييده تبلغ 37 في المئة مقابل 44 في المئة للحزب الديمقراطي.

البروتستانت والحزب الجمهوري
وعلى صعيد الانتماءات الدينية المسيحية للأحزاب، وفقاً لدراسة معهد بيو، فإنّ الكاثوليك يميلون بشكل أكبر إلى الحزب الديمقراطي بنسبة 44 في المئة مقابل 37 في المئة، في حين يميل الإنجيليون البروتستانت إلى الحزب الجمهوري بنسبة 56 في المئة، مقابل 28 في المئة للحزب الديمقراطي.

لكن، في حين ينتمي 78 في المئة من الأميركيين السود للبروتستانتية، كما أنهم أكثر تديناً ويميلون بشدة إلى التوجهات المحافظة، فإن أكثر من 70 في المئة من السود يميلون أو ينتمون إلى الحزب الديمقراطي، ما يعني أنهم ليسوا مؤيدين ترمب. وبشكل عام يشكّل السود نحو 14 في المئة من الأميركيين.

 

وكشف تحليل أجرته أيضاً مؤسسة بيو، لانتخابات التجديد النصفي 2018، استمرارية كبيرة في أنماط التصويت من قِبل كثير من المجموعات الدينية الرئيسة. إذ صوّت غالبية الإنجيليين البيض لمرشحي الحزب الجمهوري لمجلس النواب بالمعدل نفسه الذي صوتوا به عام 2014. وفي الوقت ذاته، دعم الناخبون غير المنتسبين دينياً واليهود مرشحي الحزب الديمقراطي بهامش كبير، حسب استطلاع الانتخابات الوطنية.

لكن، في ما يتعلق بالتوجهات نحو ترمب، ذكر آلان كوبر، مدير بحوث الدين لدى بيو في لقاء مع مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، عُقد في مارس (آذار) الماضي، أن بعض الإنجيليين "منزعجون من سلوك ترمب الشخصي". ولفت إلى أنّ استطلاعاً أُجري في فبراير (شباط) الماضي، كشف أن نحو ثلثي الإنجيليين البيض إمّا أنهم مستاؤون من سلوك الرئيس الأميركي، وإمّا لديهم مشاعر مختلطة حيال ذلك. ومع ذلك فإنّ الغالبية الساحقة ترى أنه يحارب من أجل ما يؤمنون به، أي القضايا الجدلية خصوصاً الإجهاض.

السود يميلون إلى الديمقراطيين
وأضاف كوبر، "البروتستانت السود يتشابهون في مستويات التدين، وفي معتقداتهم اللاهوتية مع الإنجيليين البيض، لكنهم يختلفون سياسياً". ووفقاً لاستطلاعات انتخابات 2016، فقد صوّت 90 في المئة من السود لهيلاري كلينتون، وهو المعدّل الأكثر انحرافاً عن أي مجموعة دينية رئيسة في الولايات المتحدة، مقابل ثمانية في المئة فقط لترمب. وهذا ربما يفسّر لماذا لم يعبأ ترمب باتهامات خصومه السياسيين له بالعنصرية على مدار أربع سنوات من الحكم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من اتهام ترمب بالعنصرية، خصوصاً في الاحتجاجات الأخيرة، فإن فينيت شارما، من مؤسسة هندوسية أميركية، أوضح خلال اللقاء أن ترمب نجح من خلال سياساته في التواصل مع اليهود والهندوس الأميركيين. في حين فقد الديمقراطيون كثيراً أو البعض من دعم هاتين الفئتين، في ظل تزايد معاداة السامية أو الهندوس بين قادته الصاعدين من أقصى اليسار، وهذا قد يعني خسارة الديمقراطيين عشرات الآلاف من الأصوات في ولايات حرجة مثل ميشيغان وأوهايو وبنسلفانيا.

وبالنسبة إلى السود، أظهر استطلاع أجرته لجنة العمل السياسي "بلاك باك" في فبراير (شباط) الماضي، أنه في حين يؤيد الناخبون السود إلى حد كبير الحزب الديمقراطي، ويتوافقون بشكل كبير على مبادئه، فإن أكثر من النصف يشعرون بأن الحزب لا يُولي اهتماماً كافياً بالمجتمع الأسود.

وحسب الاستطلاع، فإنّ السود وجدوا الديمقراطيين مشتتين للغاية، بسبب تركيزهم على عزل ترمب أكثر من القضايا التي تهم الناخبين السود، ما جعلهم بعيدين عن التكتل الرئيس الذي اعتمدوا على دعمه عقوداً. ومع ذلك قال 70 في المئة إنهم سيصوتون لمرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على الرغم من أن أكثر من ثلث الناخبين السود الذين شملهم الاستطلاع أعربوا عن رغبتهم في "ترشيح شخص آخر" بدلاً من جو بايدن.

الكاثوليك والتصويت
الآن، إذا اُنتخب بايدن سيكون الرئيس الكاثوليكي الثاني فقط في تاريخ الولايات المتحدة بعد جون كينيدي، ومن ثمّ يبقى السؤال: هل يحصل بايدن على دعم كبير من الكاثوليك؟ ويلفت كوبر إلى أن الكاثوليك البيض "يميلون بشكل أكبر إلى الجمهوريين في السنوات الأخيرة". وفي انتخابات 2016، صوّتوا بنسبة 61 في المئة لدونالد ترمب، في حين ذهبت أصوات معظم الكاثوليك من أصل إسباني لهيلاري كلينتون. ويشير إلى أن الأميركيين من غير البيض، من جميع مستويات التدين، عالية ومتوسطة ومنخفضة، يميلون إلى الحزب الديمقراطي بنسب متساوية تقريباً.

لكن، تظهر انتخابات الكونغرس عام 2018، تحولاً في أنماط التصويت بين الكاثوليك، مقارنة بالانتخابات السابقة لها، إذ انقسم الناخبون الكاثوليك بالتساوي بين الأحزاب.

المزيد من تقارير