Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسم "ماندالا" وتلوينها تأمل وعلاج نفسي

كون من الأشكال واللوحة تتمدد بقدر ما نريد بزيادة الدوائر والخطوط

المعالجة بالـ "رايكي" نوال فليحان جلبت من الهند صوراً تستخدمها في التأمل تسمى "تانترا" (اندبندنت عربية)

عبّر الإنسان عن نفسه منذ بدء العصور وقبل اللغة بالرسم، وتزخر الكهوف القديمة برسوم الحيوانات التي كان يتغذّى عليها الإنسان، حتى أن بعض الرسوم المكتشفة في كهوف جنوب فرنسا وشمال إسبانيا تعود إلى 38 ألف سنة قبل الميلاد بحسب كتاب الصورة لجاك أمون.

ويقول الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبري في كتابه "حياة الصورة وموتها" إنّه "خلال آلاف السنين أدخلت الصورة الناس في نسق من المقابلات الرمزية بين النظام الكوني والنظام الاجتماعي من قبل أن تأتي الكتابة لتصفف شعر الأحاسيس والرؤوس".

فالرسم كان الوسيلة الأولى للتعبير قبل اللغة والحروف، ولأن بيكار الفن قطره واسع، فلقد جمع في دائرته المهيبة كل ما يسرّ النفس البشرية جمالاً وطرباً محاكياً الحواس والعاطفة والعقل في آن.

العلاج بالرسم

عدا عن الجمالية والزينة وإمتاع الرؤية، فإن الرسم أيضاً دخل في مجال العلاجات النفسية، والتي تنعكس أيضاً على صحة وسلامة الجسد.

ففي دراسة عام 2017 توصّلت الباحثة كريستينا بلومدال من قسم علوم الرعاية الصحية في أكاديمية Sahlgrenska ساهلغرينسكا في السويد إلى أن جلسات العلاج بالفن قد يكون لها دور في علاج الاكتئاب المتوسط إلى الشديد، إذ كان هدف الدراسة تطوير وتقييم برنامج العلاج من طريق الفن بعامة، ومن هذه الفنون الرسم بأنواعه، فما أن نشاهد لوحة حتى تدخل تفاصيلها وألوانها في مخيلتنا، وتحرّك مشاعر مختلفة، مهما اختلف نوع الرسم من التجريدي والسوريالي والزخرفي والتشكيلي والهندسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي العلاج بالرسم كما أشارت الدراسة السابقة، كانت كل جلسة تبدأ بكلمة قصيرة يتحدث فيها المريض عن نفسه، ثم يمارس تمرينات الاسترخاء، قبل أن يخضع لجلسات العلاج بالرسم، وتقول الباحثة إن المعالج يطلب رسم موضوع محدد، ويترك المريض يرسم كيفما يشاء للتعبير عن نفسه بحرية وبالطريقة التي يريدها، ثم التحدث عن الصورة التي رسمها وأهميتها بالنسبة له، وكذلك فإن الصورة تكون بمثابة مرآة تمكّن المريض من رؤية نفسه والتعرّف على جوانب شخصيته، كما أن رسم الصور ومناقشتها مع المعالجين يساعد على تعزيز التفكير الذاتي لدى المرضى، وتحفيز الدماغ على إدراك ما يحدث خارج العقل الواعي، مع العلم أن الهدف ليس القطعة الفنية بحد ذاتها إنما ما يستطيع المريض أن يعبّر عنه من مشاعر وأفكار وهواجس، ويعمل العلاج بالفن عموماً على حالات القلق والاكتئاب والضغط العصبي وفرط الحركة ونقص الانتباه وضعف الإدراك وعوارض الشيخوخة.

"ماندالا" بدوائرها وألوانها

من أنواع الرسم الهندسي انتشر رسم "ماندالا" وتلوينها في السنوات الأخيرة الماضية، مع انتشار ثقافة التأمل بشكل عام، وكلمة "ماندالا" تعني في اللغة السنسكريتية الدائرة، وهي رمز التواصل الأعمق مع الذات والكون ككل لدى الهندوس والبوذيين، بهدف تحويل العقول العادية إلى متنورة، ومما لا شك فيه أنها من أكثر الأشياء البصرية غنى بالتفاصيل والألوان.

وترسم بالرمال والأزهار والطباشير في التيبيت والهند، وانتشرت في العالم بين الرسامين كتحدّ فني ذاتي لما تحتوي من تفاصيل ودقة وعناصر بصرية متماثلة ومنسجمة.

ولرسم هذه الخطوط الهندسية التي تتصل بالدائرة يحتاج الشخص إلى التركيز المضاعف، فهي ليست رسماً بخطوط حرّة، لذا تشغل الذهن مثلما يفعل التأمل، ما يخفف الضغوط ويعطي إجازة للقلق بشأن تفاصيل الحياة الكثيرة، و"ماندالا" كرسم يحتاج إلى الكثير من الدقة والتخطيط والتأني والصبر والتناغم والانسجام.

رحلة إلى العقل الباطني

تقول المعالجة بالـ "رايكي" (علاج ياباني للنفس والجسد والرّوح) نوال فليحان لـ "اندبندنت عربية" إنه إضافة إلى "ماندالا" التي نرسمها ونلونها، أنها جلبت من الهند صوراً تستخدمها في التأمل تسمى "تانترا"، إذ يتركز البصر والتحديق على نقطة الوسط، فيذهب الذهن برحلته إلى ما وراء العقل الواعي، وهذا النوع من التأمل العميق يعلّم التركيز، ويأخذ العقل في رحلة إلى العقل الباطني.

"ماندالا" في الدماغ

واعتادت كريستين هلاجيان (21 سنة) على رسم الشخصيات الكرتونية منذ طفولتها، وما إن رأت "ماندالا" على وسائل التواصل حتى وقعت بغرامها خصوصاً أن لديها شغفاً بالثقافة الهندية كما تخبر، وبدأت ترسم على دفاترها وكتبها المدرسية الزهور على شكل "ماندالا"، وعلى الرغم من تخصصها في التمريض إلا أن هذا الرسم ظلّ جزءاً من حياتها، وتقول إنها عادة ترسم الأشياء التي تحبها وتملؤها بأنماط "ماندالا"، مثل القمر والشمس، وأعضاء الجسم، والأحرف، وغيرها، وتفضلها أكثر من مجرد رسم "ماندالا" الدائرية المعروفة، "أحب أن أرسمها لأنني أستمتع بالتفاصيل، فهي تريحني بشكل خاص عندما أريد أن أريح ذهني، أو عندما يكون مزاجي هابطاً، وأرسم دائماً بمرافقة الموسيقى، وهذا يساعدني على تصفية ذهني والاسترخاء والتركيز على شيء واحد مع الرسم، وأرسم للمتعة فقط وأضعها جانباً".

وتعلمت كريستين طريقة هذا الرسم على الإنترنت، وهي لا تحب إدخال الألوان على رسوم "ماندالا"، بل تكتفي بقلم الرصاص والأسود على البياض، وتقول إنها تشعر بالجمال والبساطة في هذه الألوان، أما الرسم المفضل لديها فهو الدماغ الذي رسمت النصف الأيمن منه "ماندالا" معتبرة أنه الجزء الفني الذي يزدهر وينمو ويبدع بجمالية، بينما الجزء الآخر المرسوم على حقيقته هو الجزء اللوجستي بحسب قولها.

"ماندالا" لا تنتهي

وفي سياق متصل، تخبر ديما حمادة (31 سنة) أن الرسم لديها موهبة، ودرست الهندسة الداخلية، لكنها لم تحب اختصاصها، وأنها أقامت أول معرض لها بعد تخرجها تحت عنوان "بداية النهاية"، وكان عملها يحتوي على الكثير من الغضب، كما تقول، ثم تحول نمط رسمها ووجدت في "ماندالا" شغفاً جديداً، فكانت ترسمها على أحجار البحر وتكتب عليها مقولات معبّرة، ثم وجدت أن الأمر أصبح شائعاً جداً، فتوقفت عن رسمها على الأحجار، وأصبحت ترسمها على أحجام كبيرة على القماش.

وتشير إلى أن "ماندالا" تعدّ من الهندسة المقدسة، وفيها تماثل في الرسم والألوان وقد يكون برأيها أن هذا ما يدعو إلى الهدوء أتناء رسمها وتلوينها، وتعتبر أنها تعبّر عن نفسها جيداً برسمها لها، وهي تحتاج لدقة كبيرة وصبر، وتقول إن الرسم يلهينا عن العالم الخارجي.

وديما معالجة "ثيتا" (معالجة باستخدام موجة الدماغ "ثيتا" لإحداث تغيير إيجابي في الحياة)، وهي تستخدم رسوم "ماندالا" أثناء التأمل، وترسم ديما بحرية أكبر عندما لا ترسمها، وتعتبر أن الدقة في رسمها وتلوينها متعب وممتع في آن، و"ماندالا" لا تنتهي إذ يمكن الإضافة إليها دائماً من الحجم إلى التفاصيل، وتبدأ رسمها بالبيكار للنواة وتصل إلى استخدام وعاء دائري كبير، وترسم الدوائر بقلم الرصاص، ثم تبدأ بوضع التفاصيل والأشكال الهندسية الأخرى بريشة التلوين، وهي ترسم "ماندالا" بطريقتها التقليدية الدائرية وبطرق مبتكرة تضع فيها رموزاً وأشكالاً هندسية ومختلفة.

كون من الأشكال والألوان

باختصار، "ماندالا" هي عبارة عن كون لامتناه من الأشكال والألوان، فاللوحة تتمدد بقدر ما تريد بزيادة الدوائر والخطوط، وتستوعب كل الألوان وأطيافها في انسجام وتناقض مبهر، وتلوينها يدل إلى الحال النفسية للشخص.

ويوجد على العديد من المواقع والتطبيقات صور لـ "ماندالا" مرسومة جاهزة للتلوين، والرسم ذاته تستطيع تلوينه بألوان مختلفة بحسب المزاج.