Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأساور بين كونها ذخيرة للأيام الصعبة وكسرا للقيد

ارتدتها النساء للتباهي وبعنها في الأزمات الاقتصادية

علاقة المرأة بالسوار وطيدة وحميمة (بيكساباي)

تحجج الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، ربما، بعدم إحضاره هدية لحبيبته باعتباره إياها أغلى من أن يهديها أي شيء مادي في قصيدته "هدية العيد" الشهيرة.

وفي معرض استعراضه هدايا تلك الأيام قال:

"أي شيء في العيد أهدي إليكِ

يا ملاكي وكلّ شيءٍ لديك؟

أسواراً؟ أم دملجاً من نضار

لا أحب القيود في معصميك...."

ليختمها: "ليس عندي أعزّ من الروح

 وروحي مرهونة في يديك".

وما لبث أن أطرب فيها الفنان العراقي ناظم الغزالي العالم العربي. وغالباً ما رددها الرجال في القرن الماضي، وأذابت قلوب بعض النساء، وأغضبت نساءً أخريات يفضلن الأساور ودملج النضار (سوار مكتنز من ذهب)، وكل ما ذكره الشاعر من الياقوت والعقيق والورود.

ذخيرة للأيام السوداء

فعلاقة المرأة بالسوار حينها كانت وطيدة وحميمة جداً، هي علاقة اطمئنان وثقة، ولا ربط بينها وبين القيد.

تقول بادية فحص إن جدّتها كانت فلاحة مكافحة على الرغم من امتلاكها للأراضي، ومع نهاية كلّ موسمٍ ناجحٍ تكافئ نفسها بسوارين (حيّة أو مبرومة أو أساور سحب). وكانت بادية تراقب كيف كانت تلمع عيناها وهي تضع يدها برفق على أساورها كأنها إنجازها أو شهادة على عطائها ونجاحها.

في حين نالت أمها، وهي زوجة رجل دين (هاني فحص)، أساورها كهدايا. وكانت أساور الذهب لديها دليل رفاهية واستحقاق له علاقة بالحب والرومانسية والمناسبات، وكان زوجها يكافئها بهذه الهدايا تقديراً لدعمها وصبرها.

وكلتاهما كانت أساورهما، إضافة إلى كونها زينة، ذخيرةً بيضاء للأيام السود. وتقول بادية إنهما لبستا الأساور بمعرض التباهي، وكانت تمنحهما السعادة، والشعور بالأمان. وكلتاهما باعتا من الأساور في الضائقات الاقتصادية، أو عند بناء البيت، أو شراء أرض أو سيارة، أو تعليم الأولاد.

مثلهما رابعة أبو شعر التي تقول إن الذهب في مدينة حلب السورية كان ولا يزال عنصر أمان للمرأة من الأيام الصعبة. وذلك لما مرّ على حلب من حروب ومجاعات وضائقات، بحيث لم تمر أكثر من 40 سنة من دون حروب طاحنة. ويوجد مثل حلبي يقول "الدهبة للعتبة"، أي أنه إذا جار الزمان تبيع السيدة ذهبها لشراء بيت أو دكّان أو باب رزق. وهي في العام الماضي ساعدت زوجها بفتح عيادة لابنتهما طبيبة الأسنان، فباعت واحدة من أساورها الزرد (الجنزير) لإكمال عدّة العيادة. وكان مجموع ذهبها حوالى كيلوغرامين قبل الحرب في سوريا، وأصبح الآن أقل من نصف كيلوغرام.

الصلحة سوارٌ

تخبر رابعة عن شغف السيدات بالذهب عامة، بخاصة الأساور. فالخطوبة والمهر والعرس ارتبطوا ارتباطاً وثيقاً بالأساور الذهبية. وكلما زاد ثراء العريس زاد وزن السوار. فالمبرومة (نوع من الأساور) إذا كان وزنها 20 غراماً يسمونها "فاضية" أي فارغة، والـ 90 غراماً "ملانة" أي مليئة بالذهب. أما سنارة زرد (نوع من الأساور يشبه الجنزير)، فيتراوح وزنها بين 50 غراماً و270 غراماً. وسوار الليرات كان شبه محصور بالريف، وفي بعض الأرياف كان تتمة لطقم يحتوي على سوار، وأقراط وحزام للخصر واكليل للرأس من الليرات وفق وضع العريس المادي. وكان السوار أحياناً هدية مصالحة بين الزوج والزوجة بعد خلاف كبير.

أساور حتى الكوع

بعد المبرومة، تخبر رابعة، درجت الأساور التي تسمى "الفردات". وكانت السيدة ترتدي أساورها في المناسبات، وتدور الهمسات والنميمة، "هذه صيغتها للكوع، وهذه للكوعين"، دلالة عن عدد الأساور التي ترتديها، "والتي بيدها أقل من ست سنارات يعني أنها درويشة أي فقيرة. أما الزنكيلة، أي الغنية، فكانت ترتدي 24 سواراً على الأقل".

تضيف بأن صوت "خشخشة" (قرقعة) الذهب تعدّ سمفونية العروس التي تُسمعها لأهلها وزوارها، أو تغيظ بها شقيقات زوجها. وتصرّ على تقديم القهوة والإكثار من الحركة لإصدار الأصوات ليسمع "الأحباب والعزّال". ومع الأيام تتحوّل الأساور من غوى إلى عزاء وسند إذا ما تغيّرت الأحوال.

ويدّل صوت الأساور وهي تتلامس على نشاط بدء النهار قديماً، من العجن والطبخ والتنظيف وإعداد الشاي والقهوة. ونادراً ما كانت تخلع السيدات أساورهن أثناء العمل، حتى لو كانت ثقيلة ومتعبة.

رابعة لا ترتدي أساورها أثناء العمل في المطبخ كي تتفادى أصواتها، وكي لا تتضرر من الاستخدام الدائم، فتتركها للمناسبات. وتقول إن زوجها يستمتع بصوت أساورها، قائلاً "ما أحلى صوت الجنكر جنكر" في دلالة على طرطقتها، مشيرة إلى أنه لا توجد سيّدة في حلب لا تعشق هذا الصوت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السوار يتحدث عن صاحبته

تخبر هلا بطرس أن أمّها لطالما أخبرتها كيف كانت تبحث وهي صغيرة عن الأساور أينما ذهبت العائلة.

وهلا تحب الأكسسوارات الغجرية الكبيرة التي تصدر أصواتاً، من أقراط وأساور وأطواق، ولا تعني لها القطع الذهبية إلا القديمة والكبيرة منها، ولا تحب الناعمة منها. وتقول إن ابنتها الصغيرة لديها الميل ذاته.

أيام الجامعة عملت هلا على صنع الأساور وبيعها لتحصيل مصروفٍ إضافي. اشترت إسوارة خرز وفككتها واكتشفت كيفية صنعها، ثم اشترت الخرز والخيطان والأكسسوارات الأخرى من سوق الجملة وبدأت بالتصنيع، ثم البيع للطلاب ومعارفها وعدة محلات.

تقول "بالنسبة إلي، الأساور هي أهم الأكسسوارات، أهم من الحلق والعقد، لأنها أكثر ما يظهر ويلفت النظر، فعندما نتحدث مع شخص نحرّك يدينا كثيراً للمساعدة على التعبير والشرح، وحركات اليدين تخبر كثيراً عن صاحبها، لذا يجب أن تكون الأساور تشبه شخصية مرتديتها، لأنها أكثر ما يعلق في نظر وذهن الأشخاص".

التذكار سوار

كلما سافرت هلا إلى بلد تشتري سواراً، وحتى أن لديها الكثير الذي لا ترتديه وهو قديم جداً، ولكنها لا تفرّط به لتبقيها لابنتها. لدى بادية أيضاً هواية تجميع أساور الخرز، فاشترتها من كل المناطق والمدن في لبنان وفي العالم. حتى أصبح مَن حولها يضرب المثل بها. وتقول "عندما حضرت مهرجان ولادة جلال الدين الرومي في قونية في تركيا، عدت بغلّة كبيرة من هناك. أساور لها علاقة بالتصوّف والروحانيات، وخرز يعطي طاقة روحية وجسدية أو للصحة النفسية، والطاقة الإيجابية". وتخبر أن لديها أساور لها دلالات روحية، وترفع المعنويات وتعزز الإيجابية، وهي ترتديها عن قصد إذا ما شعرت بحاجة إلى أي من هذه الطاقات. وأقل عدد يمكن أن تلبسه في يدها هو خمس، "وآخذ وقتاً أكثر من تلك التي تضع المكياج لأقرر أي أساور سأرتدي بيدي الاثنتين". وبادية تحتفظ بسوارين ذهبيين هديّة من والدتها بمناسبة نجاحها في أحد صفوف المرحلة التكميلية، وكانت المرّة الأولى التي ترتدي فيها أساور حقيقية، وشكّلت محطة في حياتها، وليس لديها أساور ذهبية غيرها.

السوار فعل حرية

تخبر بادية بأنّ المرأة بطبيعتها تحب الجذب لما هو جميل لديها، لذا ترتدي الزينة، وتقول "كَوْني محجبة لا أضع المكياج، ولدي شعور كأي أنثى، وأحب لفت النظر إلى ما هو مختلف لدي، وجدتُ أن الأساور ترضي أنوثتي، بخاصة أنني لا أظهر أيّ من زينتي، فوجدت عزائي بها في صباي المبكر".

وعن تشبيه السوار بالقيد، تقول بادية إنها تعتبر "الإسوارة فعل حرّية"، لأنها زينة، والزينة مكروهة في مجتمعاتنا العربية. وتضيف "الإسوارة هي خرق لهذا التقليد، وفعل تحدٍّ للأوامر الصارمة في المجتمع الذكوري الذي يحسب على المرأة كلّ خطوة، وكل كلمة وكل نَفَس. فالمرأة بارتدائها أساورها وخلاخيلها تخرق هذه التقاليد والحواجز".

المزيد من منوعات