Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رجل تركيا في تونس!

يوجد حبل سري يجمع الدول التي انبثقت عن حل المسألة الشرقية فجميعها أمسى في الهم شرق

تتشابه وقائع الساعة الحالية مع كثير من أحداث القرن التاسع عشر (أ.ف.ب)

اقتباس أول

(للشعوب أيضاً أوقات حالكة، وتركيا في هذه الوضعية. فالمسألة الشرقية، التي لم يكن من الممكن طرحها أمس إلا كمجرد فرضية، هي المشكلة المطروحة اليوم. فهل سنشهد لها قريباً حلاً؟ وكيف سيكون هذا الحل؟ ليس النظر بدقة إلى هذه الفرضية الثنائية، هو ما نريد التوصّل إليه في هذا العرض...).

(... لكن اليوم، وقد انهارت الحواجز، فإنّ الاتصال اليومي، المقام بين أوروبا والشرق، خلق مزجاً للتقاليد: فالعلاقات الشخصية، والمبادلات التجارية، والعلاقات الدولية أمست تتحكّم في التحوّلات...).

تعليق

رغم أني أعيش سنة 2020، فإنّ كثيراً ما تراءى لي أشباح القرن التاسع عشر، أينما وليت وجهي. وكنت وما زلت أولي رجال ونساء ذاك القرن الاهتمام، وأرتجي الغوص في غمارهم، لنتبيّن الخيط المكرور والخطاب المعاد، منذ زمن الطهطاوي والأفغاني وخير الدين والكواكبي... وغيرهم. فأحياناً أجد وقائع الساعة كأنما وقائع القرن التاسع عشر، زمن سلاطين بني عثمان، فالرجل المريض وسقوط الخلافة، وهلم جَرّاً.

من ذلك لما اجتاحتني الجائحة كالبشرية جمعاء، جرفتني في محجري الصحي، "الكرانتينا" البيتية، عاصفة من أشباح ذلكم القرن، فوضعت مع فارس الشدياق "الساق على الساق"، متأملاً مصدر ما يحدث في "مذكرات خير الدين باشا"، مقتلعاً من هذه السبحات، بكوابيس الحرب الأهلية الطرابلسية: "حسن الفقيه حسن، اليوميات الليبية، الجزء الثاني، الحرب الأهلية ونهاية العهد القرمانلي، (1248 - 1251 هـ | 1832 - 1835م)، تحقيق عمار جحيدر، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، الطبعة الأولى 2001".

في سنة 1978، في الجزء الأول من اليوميات، كتب المقدمة، حفيد كاتبها: المرحوم علي الفقيه حسن، ومما جاء فيها، ما يؤشر للجزء الثاني: "ومن خصائص هذه (اليوميات التاريخية)، أن مؤلفها رحمه الله، كتب تفاصيل الحرب الأهلية، التي جرت بطرابلس من سنة 1248 هـ إلى أول 1251 هـ، وهذه الحرب جرت بسبب تنازل يوسف القرمانلي عن الولاية لابنه عليّ، فلم يُرض هذا التنازل الشعب، الذي أعلن الحرب على يوسف باشا وابنه عليّ، وقد انضم إلى الأهالي الناقمين حفيدا يوسف القرمانلي، وهما محمد بن محمد القرمانلي، وأحمد القرمانلي، واستمرّت الحرب بين سكان مدينة طرابلس، إذ يقيم يوسف القرمانلي وابنه عليّ، وبين سكان المنشية والساحل وسائر الأرياف، حيث يقيم حفيدا الباشا القرمانلي، المنشقان عن عمهما عليّ القرمانلي. ولقد بقيت مدينة طرابلس مغلقة الأسوار ثلاث سنوات، والحرب تستمر بين سكان المدينة وجماعات الأرياف. ولقد سببت هذه الحرب الأهلية في كثير من ضحايا الوطنيين الأبرياء. ووقائع هذه الحرب مُسطرة، في يوميات السيد حسن الفقيه حسن...".

اقتباس ثان

(... في سنة 1246هـ 1835 م، تحوّل شاكير صاحب الطابع، الوزير الأكبر "في تونس"، إلى القسطنطينية، مصحوباً بعدة مرافقين، ومعه هدايا ثمينة. في أواخر السنة نفسها، إثر طلب الباب العالي، لخيول وسفن حربية، لمساعدته في حملته ضد طرابلس الغرب، توجه نفس شاكير صاحب الطابع، إلى طرابلس على متن فرقاطة، ومركبتين حربيتين، وتسع سفن تجارية محملة خيولاً).

(لقد تغيرت اليوم، أحوال حياة الأمم. عندما كانت العلاقات الدولية، أقل توتراً وأقل سهولة، كان يمكن حدوث خراب الأمير وشعبه، من دون مساس أمن الدول المجاورة ومصالحها).      

تعليق

قبل نلاحظ، أن الاستيلاء التركي على طرابلس الغرب، ما حدث عام 1835 م، حدث في أثناء اضمحلال الإمبراطورية، وبدعم من الدول الأوروبية الكبرى، التي تتنازع على اقتسام تركة الرجل المريض العثماني، وقد شرعت فعلاً في ذلك، إذ احتلت فرنسا الجزائر في 1830 م، وكانت تونس مسألة مختلفاً عليها، مع دخول الدولة المستحدثة إيطاليا 1870 م حلبة الملاكمة، وكذا وضعت المسألة المصرية على الطاولة.

ويوضح هذا الاقتباس أن المسألة الشرقية مفارقة، فهي تبدو مسألة نهاية، لكن النهاية التي لا تنتهي. ففي نهاية القرن التاسع عشر بدأت مرحلة أخرى، حيث (انهارت الحواجز)، و(العلاقات الدولية أمست تتحكّم في التحوّلات). منذ ذاك تغيّرت معطيات كثيرة وتفصيلية، لكن أهم متغير بات ثابتاً لا يتغير، أن هناك حبلاً سرياً يجمع الدول التي انبثقت عن حل "المسألة الشرقية"، بمعنى أن كلها أمست في (الهم شرق) أو كما يقال. فالمسألة الشرقية غدت مسألة الشرق الأوسط، وكأنما التغيّر رغم التحولات الصعبة والمعقدة، حتى الاسم ما تغير، أو الوجه والملامح، ما شاخت بحكم مرور قرن ونيف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اقتباس ثالث

(... إن الدواعي السياسية، التي تدفع بعض الدول الأوروبية، للمطالبة بالحفاظ على الإمبراطورية التركية، تريد أيضاً أن لا يؤول مصير هذه الممالك، أو الإمارات الثانوية، إلى المجهول).

(... إن تبعية تونس ضمان لاستقلالها: ما إن ظلت الإمبراطورية التركية قائمة، فإن الدول الخاضعة أو التابعة، تكون غير خائفة، لأن وجودها يدخل في إطار حلّ المسألة الشرقية...).

(... إن فرنسا في الحقيقة، ترغب في أن تحافظ الإيالة على استقلاها، وأن تُنميه).

(... أي شخص، لم يقض في هذه الآونة، إلا بضعة أيام في تونس فإنه لا محالة سيلاحظ، وجود تيارين معاديين لتركيا وفرنسا. أجبر خير الدين على الاستقالة، بتهمة مضاعفة، وهي محاباة الأتراك والفرنسيين).

تعليق

أشير إلى أن الاقتباسات من كتاب (مذكرات خير الدين باشا)، تحقيق وتعريب محمد العربي السنوسي، الناشر وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، بيت الحكمة، الطبعة الأولى 2008.

أمّا خير الدين باشا، فقد عرف بخير الدين التونسي (1821 - 1889 م)، صاحب الكتاب الشهير (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)، وهو شركسي اُختطف في صباه، ثم عاش في الأستانة، ومنح لأسرة بايات تونس، وفي قصر البايات تعلَّم، ثم أصبح عسكرياً، حصل على رتبة أمير الأمراء، فسياسياً تبوأ رئاسة الوزراء التونسية، وبعد استقالته أو إقالته من رئاسة الحكومة التونسية، استدعاه إلى الأستانة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، بعد تلقي كتبه، ونُصح من محمد ظافر أصيل طرابلس الغرب، وقد عينه السلطان الصدارة العظمى، "رئاسة الوزراء" الإمبراطورية، فترة قصيرة عام 1878 م.

المزيد من آراء