أمل في مداواة باركنسون والسرطان بجهاز يُغرز عبر الجمجمة لتوصيل الدواء بدقة متناهية

"تبدو وكأنها تشحذ قلم رصاص بحدة داخل رأسي"

يعتبر مرض باركنسون أو الشلل الرعاش من أكثر الأمراض شيوعاً فى الولايات المتحدة الأميركية (رويترز)

قد يستطيع جهازٌ غُرزة سبْق يتيح ضخّ العقار في الدماغ أن "يوسع -على نحو هائل- نطاق" علاج الأمراض العصبية والجلطة الدماغية والسرطان، وفق ما قال فريق من العلماء.

نظام الصمَّام هذا، الذي يُغرز  على جانب الجمجمة، طوره باحثون من بريستول [جنوب غربي إنجلترا] جزءًا من تجربة عقار مميزة تموّلها جمعيّة مرض باركنسون الخيريّة في المملكة المتحدة.

تظهر النتائج تحسّناً يتراوح بين "المعتدل والملحوظ" لدى المرضى المصابين بمرض باركنسون، غير أن الفرق والتحسّن لدى الأشخاص الذين يتلقون العلاج المعروف باسم "عامل التغذية العصبية المشتقة من الخلايا الدبقيّة" (GDNF)، والمرضى الذين يتلقون عقارا وهميّا بالكاد يظهر.

قد يعود السبب في تدنّي الفائدة في هذه الحالات إلى تأثير العقار الوهميّ أو إلى بعض العوامل الأخرى للعلاج، بغض النظر عن العقار. وفيما ظهرت بعض العلامات الواعدة على نمو الأعصاب،  يظل مستقبل العقار غير مؤكد.

لكن الباحثين المستقلين قالوا إن الجهاز الغرزة -بغض النظر عن نتائج "عامل التغذية العصبية المشتقّة من الخلايا الدبقية" (GDNF)- قد يكون له "تأثير أوسع نطاقا" بعد أن أثبتت التجربة إمكانية استخدامه بأمان لعلاج الأمراض الدماغية بطريقة جديدة ومختلفة تماماً.

"إنه تقدم مهم في قدرتنا على علاج الأمراض العصبية، مثل الباركنسون، لأن معظم العقارات التي يحتمل أن تفيد في العلاج غير قادرة على العبور من مجرى الدم إلى الدماغ نتيجة لوجود حاجز وقاية طبيعي"، حسب مبتكر الغُرزة، البروفسور ستيفن جيل، من مستشفى "نورث بريستول تراست" (North Bristol NHS Trust).

ولقد بدأت التجارب بالفعل على نظام يقدم مباشرة عقاقير قوية للعلاج الكيميائي لدى الأطفال والبالغين الذين يعانون من أورام دماغية مستعصية، ما يقلل من الضرر الذي يلحق بالمناطق الأخرى من الدماغ.

بعد غرز هذا النظام، لا يظهر منه سوى منفذ صغير خلف الأذن.

وفي كل جلسة علاج، يُعقم نظام المضخّة ويثبت في المنفذ، وثم يُضخّ العقار عبر أنابيب دقيقة تمر على سطح الدماغ إلى مسابر تصل إلى الأجزاء المستهدفة.

" تبدو وكأنها تشحذ قلم رصاص بحدة داخل رأسي،" قالت كريستين بروكتور عن المسبار وهو يُثبت، ولكن بمجرد ضخ الأدوية، ليس ثمة من إحساس به في الدماغ.

قالت السيدة بروكتور إن التجربة كانت واحدة من أكبر المخاطر التي خاضتها على الإطلاق، لكنها أرادت المشاركة لغياب خيارات أخرى لوقف تقدم المرض أو حتى لإعاقته.

كان يأمل الباحثون أن يستطيع "عامل التغذية العصبية المشتقة من الخلايا الدبقيّة" (GDNF) - وهو مادة كيميائية يفرزها الجسم طبيعياً وأثبتت أنها تساعد في شفاء تلف الأعصاب- إعادة توليد الخلايا العصبية إذا ضُخ مباشرةً في البطامة [عضو مستدير يوجد عند قاعدة مقدمة الدماغ].

والبطامة هي عضو بحجم حبّة جوز برازيلي في الدماغ المتوسط ​​المصاب بالباركنسون، وهو مسؤول عن إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي رئيسي ضروري لتنسيق الحركات وتكوين الذاكرة.

موت هذه العصبونات نتيجة الإصابة بمرض باركنسون يؤدي إلى تدهور تدريجي، يبدأ عادة بتراجع تنسيق الحركة وتعابير الوجه والوضعية، ولكنه يؤثر في النهاية على أعضاء أخرى مثل الذاكرة – ويسبب الخرف - والموت.

وُزع واحد وأربعون مشاركا في التجربة – التي نشرت نتائجها في مجلتي "برين" (’الدماغ‘) و "جورنال أوف باركينسونز دزيز" (’مجلة داء باركينسون‘) عشوائيا على فريقين الأول يتعاطى أعضاؤه جرعات الـ  GDNF والثاني  يتناول جرعات من العقار الوهمي. لمدة تسعة أشهر  سُجلت حركات المشاركين ونطقهم وعدد آخر من السمات في اختبارات باركنسون. وأثناء المرحلة الثانية من التجربة، تناول جميع المشاركين  العقار لمدة تسعة أشهر أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من المتوقع أن يشهد المرضى في كل عام انخفاضًا بمقدار نقطة واحدة، إلا أن المرضى الذين يتلقون "عامل التغذية العصبية المشتقة من الخلايا الدبقيّة" (GDNF) شهدوا تحسّنًا في نتائجهم بنسبة ناهزت أربع نقاط في الأشهر التسعة الأولى، وتسع نقاط بشكل عام.

لكن للأسف، سيخيب أمل المرضى الذين يتطلعون إلى أن يصير "عامل التغذية العصبية المشتقة من الخلايا الدبقيّة"  (GDNF) علاجاً شافياً، كون التحسّن الذي سجّلوه كان هامشياً مقارنةً بالنتيجة التي أظهرها المرضى الذين يتلقون العلاج الوهميّ.

لكن على الرغم من هذه النتائج،  فإن عزيمة فريق بريستول لم تُحبط. فقد أظهرت الفحوص التي أجريت على أدمغة مجموعة المرضى التي تتلقى "عامل التغذية العصبية المشتقة من الخلايا الدبقيّة" (GDNF) بأن بعض الأجزاء المتفرعة من الخلايا العصبية التي تربط خلايا الدماغ كانت تنمو مجدداً- على الرغم من أن مسألة سلامة هذه الخلايا بكاملها ليست واضحة تماماً.

وقال الدكتور آلان وون ، وكان على رأس الفريق الذي يجري التجربة في مستشفى ساوثميدس: "لقد أظهرنا من خلال الصور المقطعية بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) أن الدواء يتفاعل مع العضو المستهدف ومع أطراف عصبونات الدوبامين، حال وصوله إلى دماغ. ويبدو أنه يساعد الخلايا التالفة على التجدد أو على إظهار استجابة بيولوجية".

وأضاف قائلا: "هذا أحد أكثر الأدلة المثبتة حتى الآن على أنه بإمكاننا أن نحظى بوسيلة لإيقاظ خلايا الدوبامين في الدماغ التي يقضي عليها مرض باركنسون تدريجياً واستعادتها ".

وقال إن هناك حاجة إلى مزيد من التجارب لفهم السبب وراء عدم ظهور هذا النمو مجدداً في العوارض،  وأعرب عن أمله في اختبار عقار "عامل التغذية العصبية المشتقة من الخلايا الدبقيّة"  (GDNF) بجرعات أعلى – والذي أثبت حالياً أنه يمكن إعطاؤه بشكل آمن وعلى مدى فترة أطول.

وقال البروفسور روجر موريس، من كلية كينغز في لندن، والذي لم يشارك في التجربة: "لقد أثبت النظام المطور للاستخدام - أنه آمن عملياً على مدى أكثر من 80 أسبوعًا، وهذا إنجاز رائع".

"إذا كان بالإمكان تحقيق التروية داخل الدماغ بأمان من أجل توصيل الدواء إلى داخل الدماغ على المدى الطويل، فسيكون نطاق الأدوية التي يمكن استخدامها لمكافحة أمراض الدماغ - السكتة الدماغية والسرطان بالإضافة إلى التنكس العصبي – قد اتسع على نحو هائل."

© The Independent

المزيد من جديد الطب