Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

17 عاما على سقوط نظام صدام... حقبة الخيبات

بعد الغزو الأميركي تفشى الفساد في البلاد وتدهور الاقتصاد والأمن

إسقاط تمثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في العاصمة بغداد في 9 أبريل 2003 (غيتي)

تمر الذكرى السابعة عشر للغزو الأميركي للعراق وسقوط نظام صدام حسين، ويستذكر فيها العراقيون حقبة مليئة بخيبات الأمل من تحقيق أحلامهم بواقع مختلف يبدو أنه لم يأت حتى الآن، إذ تعيش البلاد مجموعة أزمات مركبة طال أمدها.

ولعل المشهد الأبرز في يوم التاسع من أبريل (نيسان) 2003، كان وصول القوات الأميركية إلى وسط العاصمة العراقية بغداد، واقتلاع تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس، إعلاناً بإسقاط نظامه وسط احتفال مئات العراقيين الذين كانوا في المكان.

سجالات مستمرة

ويشهد تاريخ التاسع من أبريل كل عام، سجالات كبيرة بين العراقيين، إذ تتباين مشاعرهم ووجهات نظرهم بين معبّر عن سعادته بإسقاط نظام الديكتاتورية، مدعّماً موقفه بأنها بداية التأسيس لنظام مختلف بالإمكان إصلاحه، وبين رافض للاحتلال، مستشهداً بما آلت إليه أوضاع البلاد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً.

ولعل الحصاد المرّ لسنوات ما بعد الغزو الأميركي للبلاد من تفشي الفساد وتدهور الاقتصاد والواقع الأمني والسياسي، بدّد أحلام العراقيين في بلاد تخرج من المعاناة المستمرة وغياب الاستقرار لعقود طويلة، إلى بلاد ديمقراطية مستقرة اقتصادياً وأمنياً.

وعلى الرغم من وجود نوعٍ من التعددية السياسية والممارسة الديمقراطية، إلّا أنّ الاستقرار يكاد يكون غائباً عن بلاد متخمة بالصراعات المسلحة والأزمات السياسية والاقتصادية، فضلاً عن شعور عام بأن البلاد باتت تتجه نحو الاستبداد من جديد وسيطرة الجماعات المسلحة على السلطة وخياراتها في إدارة الدولة.

متغيرات وخيبات أمل

ولعل أبرز ما تحقق على الصعيد الوطني، حصول تعددية سياسية لم تكن موجودة إبان حكم "حزب البعث" الذي كان الحزب الوحيد المسيطر على مقاليد السلطة في البلاد، فضلاً عن إجراء انتخابات لم تكن تشهدها في ما سبق، إضافةً إلى خروج العراق من الفصل السابع وانتهاء الحصار الاقتصادي الذي كان له أثر كبير في حياة المواطنين.

في المقابل، سيطر نظام المحاصصة كعنوان أبرز لحقبة ما بعد صدام حسين، الذي يحمّله العراقيون مسؤولية الفشل في إدارة البلاد، ما دفع إلى نشوء حالة رفض شعبية كبيرة لتلك المنظومة كانت نتيجتها انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) الأخيرة.

ولا يزال عدد كبير من العراقيين يستذكرون مشهد سقوط تمثالٍ كان يجسّد شكلاً مخيفاً بالنسبة إليهم، لنظام اعتمد كل وسائل القمع والديكتاتورية في ترسيخ سلطته، إلّا أّن سقوط ذلك النظام أدخل العراق في دوامة عنف طائفي في السنوات الأولى، فضلاً عن بروز تنظيمات إرهابية في ما بعد سيطرت على مناطق واسعة من البلاد وأسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الآلاف من العراقيين، كان آخرها تنظيم "داعش".

ويرى مراقبون أن سلوكيات النظام السابق القمعية، فضلاً عن نسب الفقر العالية وغياب العدالة وتدهور الاقتصاد، عوامل أدت إلى أن تتقبّل نسبة كبيرة من العراقيين الغزو الأميركي، ووجدوا فيه الفرصة الوحيدة للخلاص من نظام أرسى دعائم حكمه بقوة السلاح، إذ يُعدُّ هذا مدخلاً لفهم تأثير الاستبداد والديكتاتورية في وعي العراقيين وخياراتهم.

دهشة وخوف

في هذا السياق، يستذكر هشام الموزاني، وهو يعمل في إطار منظمات المجتمع المدني، الذي كان يبلغ من العمر 27 سنة عند سقوط النظام السابق، مشاعره إزاء لحظة دخول القوات الأميركية وسط بغداد بالقول، "كانت مشاعر مختلطة بين الدهشة الكبيرة والخوف. كنتُ أتوقع أن تحصل حرب أهلية أو أن يُقدم النظام على ضربات بالسلاح الكيماوي كسلاح أخير"، مستدركاً "الدهشة الأكبر كانت بغياب كل قوات النظام القمعية التي كانت تخيف العراقيين وتحكمهم بالحديد والنار".

وعن مشاعره لحظة سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس وسط بغداد، يبيّن الموزاني لـ"اندبندنت عربية" أن "سقوط التمثال كان لحظة تاريخية لم أكن أصدق حدوثها، غمرني فرح كبير كأن هذا التمثال كان جبالاً وُضعت على صدور العراقيين لسنوات طويلة، لكنه سرعان ما أُزيل"، مردفاً "لم يكن سهلاً التفكير بسقوط سلطة صدام حسين حينها... كأن حياتنا اختلقت من جديد. لم تكن هناك آمال أخرى بقدر هذا الأمل".

ويضيف "كشاب حاصل على شهادة في الهندسة الزراعية، لم تكن تتوفر لي فرص العيش في ظل النظام السابق، ما دفعني إلى العمل في أعمال حرة كعامل بناء أو في فرن للخبز، وكان الزواج مسألة شبه مستحيلة للشباب من جيلي في تلك الفترة"، مبيناً أن "كل هذه، عوامل أوجدت حالة رفض كبيرة لنظام صدام، إضافةً إلى استبداد السلطة".

ويشي إلى أن "جزئية الاحتلال لم تكن حاضرة عندي ولا في أذهان العراقيين في الفترة الأولى لسقوط النظام، بل إن الجو العام كان مرحّباً بما حصل، حتى في محافظات سنية كانت الأجواء إيجابية لمنطلقات اقتصادية".

انتقال السلطة والثروة

ولعل الجانب الاقتصادي كان يشغل حيّزاً كبيراً من آمال العراقيين بعد سقوط النظام السابق، إذ يصف الموزاني آماله بأنها "كانت كلها تتمحور حول الاقتصاد وإمكانية العمل"، لافتاً إلى أن "المشاكل الرئيسة في نهاية حكم صدام حسين كانت متعلقة بالاقتصاد الذي كان مهدماً، فضلاً عن تفشي الفقر والبطالة بين أوساط الشباب من جيلنا والأجيال التي سبقتنا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد أن "الآمال لا تزال موجودة لكن النظام السياسي والاجتماعي والتغييرات الحاصلة، خلقت صراعاً جديداً هو صراع ما بعد الديكتاتور"، مشيراً إلى أن "انتقال السلطة والثروة من جماعات استبدادية إلى جماعات طائفية وعرقية شكّل عائقاً كبيراً أمام تحقيق تلك الآمال".

ويتابع أن "الآمال كانت أكبر من التوقعات بعد غياب الأذرع القمعية للنظام السابق"، لافتاً إلى أن "جيلنا أفرط في الأمل الذي كان يتعلّق بتحوّل العراق إلى ما يشبه دول الخليج كالإمارات، فضلاً عن أحاديث غير واقعية عن ثراء العراق وتطلعات نحو استثمارات أجنبية تعيد بناء البلاد".

البحث عن الاستقرار

ويبدو أن لغياب الاستقرار الأثر الأكبر في المجتمع العراقي، حيث يلفت الموزاني إلى أن "المفارقة الأكبر هي أن البحث عن الديمقراطية والحرية لم يعد الهم الأكبر للعراقيين بقدر بحثهم عن الاستقرار، فديمومة الديمقراطية مستندة إلى الاستقرار والتنمية وهذه واضحة في الوضع العراقي".

ويستنتج أن "التغييرات الكبيرة على مستوى البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدخول في مرحلة التحول الديمقراطي، ارتبطت بفقدان الأمن ثم فقدان الرفاه الاقتصادي الذي تحقق نسبياً في السنوات الأولى للاحتلال، ما أدى إلى حالة اليأس التي نعيشها حالياً"، مبيناً أن "نظام المحاصصة الحاكم هو شكل من أشكال الاستبداد لكنه بصورة مخففة، اكتسب شرعيته من الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي رافقت خلق النظام وهذا تسبب بخيبة أمل كبيرة".

وعن الانتفاضة العراقية الأخيرة، يؤكد الموزاني أن "ثورة أكتوبر نموذج وردة فعل على فشل النظام السياسي القائم، ومناطق حدوثها في مدن الشيعة يعني أن تلك المجتمعات التي رحبت بالنظام الجديد لم تعد تؤمن به، ما يعيد الأمل بالتغيير من جديد".

ويختم حديثه بالقول إن "الإشكال الذي نمر به هو أننا عالقون في الوسط، إذ إنّه من غير المقبول العودة إلى الديكتاتورية، في المقابل، يبدو أن الانتقال الكامل إلى الديمقراطية صعب جداً".

المزيد من تقارير