Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ظمأ للحياة" لمينيللي... عواطف إنسانية في قلب هوليوود

حياة فان غوغ على شاشة تغرف من روعة الفن آلامه

مشهد من فيلم "ظمأ للحياة" يجمع بين غوغان وفان غوغ (غيتي)

غالباً ما فتنت شخصية الفنان الهولندي فنسان فان غوغ السينمائيين، فمن الياباني أكيرا كوروساوا، الذي كرّس له جزءاً أساسياً من فيلمه "أحلام" حيث قام مارتن سكورسيزي بدور فان غوغ، إلى الفرنسي موريس بيالا الذي خصّه بواحد من أجمل أفلامه، مروراً بعشرات المبدعين، كان فان غوغ شخصية درامية بامتياز. وطبعاً ليس في وسعنا هنا أن نضع لائحة كاملة بالأفلام التي كُرّست له، لكننا سنتوقف عند أشهرها، الفيلم الذي يرد على البال فور الحديث عن فان غوغ في السينما، ونعني بذلك "ظمأ للحياة" الذي حققه الأميركي فنشنتي مينيللي في عام 1958 عن رواية وسيناريو لإرفنغ ستون ومن بطولة كيرك دوغلاس، في دور فان غوغ، وآخرين بينهم أنطوني كوين في دور بول غوغان.

والحقيقة أن هوليووديّة "ظمأ للحياة" لا تكفي لتفسير نجاح الفيلم وبقائه، حيث إن أداء كيرك دوغلاس يلعب دوراً أساسياً في هذا البقاء ولكن على وجه الخصوص علاقة مخرجه به، فقد حدّد فنشنتي دائماً ثلاثة عناصر كانت المساهمة الرئيسة في قدرة الفيلم على الإقناع، أولها تركيزه على فن فان غوغ أكثر مما على البعد الدرامي في الفيلم، حيث لا تطالعنا لقطة إلا وفيها لوحة منجزة أو قيد الإنجاز من أعماله، ولا مشهد إلا ويربط بين الفنان وفنه، ما استدعى عملاً خاصاً على الألوان كان جديداً على الشاشة الكبيرة في حينه، ومن هنا لعب دوراً أساسياً في الفيلم تصوير مشاهد كثيرة منه وكأنها مشاهد وثائقية تصوّر فعلاً الفنان وهو يقوم بعمله.

أما العنصر الثاني فكان اهتمام فنشنتي أصلاً بالمرحلة التاريخية الفنية التي يتحدث عنها الفيلم، نهايات القرن التاسع عشر في فرنسا التي عاشها فان غوغ وخالط فنانيها الكبار من غوغان خصوصاً إلى تولوز لوتريك.

وأخيراً هناك العنصر الثالث الذي لا يقل أهمية، وهو كون المخرج في الأصل رساماً وبشكل عام فناناً يعيش معاناة الخلق الناتجة عن علاقة الفنان الحميمة مع عمله والصدامية مع زملائه، وهو ما شكّل أحد الموضوعات الأساسية في الفيلم. فهل يهم بعد ذلك كثيراً أن يكون السيناريو قد ركّز على الجانب الميلودرامي، الحدثي في تصويره لتلك السنوات من حياة الفنان؟

الحكاية الثانوية

مهما يكن، ربما لم يقدم "ظمأ للحياة" جديداً هنا. كل ما في الأمر هو أنه، وعلى النسق الهوليوودي، رشّ بعض التوابل على هو معروف للجمهور العريض من تلك الحياة. ومن هنا يعود الفيلم إلى البداية حين حاول فنسان أن يتعايش ويتعاطف مع عمّال المناجم في دياره ويرسمهم من دون جدوى، فيقع في غرام ابنة عمه كاي التي ترفضه ليهاجر ساعياً إلى تحقيق ذاته من خلال الرسم باحثاً عن النور بدءاً من باريس وصولاً إلى آرل في الجنوب الفرنسي، وهو خلال تلك البداوة لم يكف عن الرسم وعقد الصداقات ومن ثمّ فرطها، وإقامة العلاقات وبخاصة مع بنات الهوى، لتقوده كل علاقة إلى خيبة جديدة حتى النهاية التي كان لا بد منها، وهي وَضْع حدٍ لحياته وهو في مقتبل عمره. وطبعاً نعرف هذا كله مسبقا ونعرف خناقاته مع غوغان وعلاقته بأخيه وقطعه أذنه، وسرعته المدهشة في إنجاز اللوحات أحياناً بدافع الحب وأحياناً بدافع الصداقة ولكن على وجه الخصوص ودائماً بدافع محاولته درء الفاقة، غير أن المهم هنا هو الطريقة البديعة التي قدّم الفيلم بها ذلك كله، والخصوصية التي أضفاها المخرج على فيلم سيعتبر دائماً أشبه بسيرته الذاتية المواربة.

البنت سرّ أبيها

أما بالنسبة إلى المخرج، فلا بأس من الإشارة إلى أن الممثلة الاستعراضية الغائبة في أيامنا هذه لايزا مينيلي، وهي ابنة فنشنتي ربما تكون أشهر من أبيها الذي كان مع ذلك واحداً من كبار مبدعي هوليوود ذات حقبة مجيدة من تاريخ الفن السابع، ولكن من المؤكد أن الذين انكبّوا على دراسة حياة وعمل هذه الفنانة التي اشتُهرت في السبعينيات والثمانينيات لا سيما في أفلام مثل "كباريه" و"نيويورك، نيويورك"، سيعرفون كيف يربطون على الفور بينها وبين أبيها، وعلى الأقل من ناحية الاختيارات الإبداعية المميزة التي طبعت مسيرة الأب كما مسيرة الابنة ناهيك بالأم جودي غارلند التي كانت في زمنها واحدة من أكبر النجمات الاستعراضيات في هوليوود أيضاً.

ومهما يكن من أمر يبقى أن رصيد فنشنتي الأب من الأفلام البديعة يفوق كثيراً رصيد أعماله "الهوليوودية" البحتة، ولعل خير دليل على هذا، الفيلم الذي نتناوله هنا، والذي حين رحل كيرك دوغلاس، قبل شهور قليلة، جرى التركيز في الحديث عنه على هذا الفيلم الذي يحمل عنواناً لا يُنسى "ظمأ للحياة"، إلى جانب فيلميه الكبيرين "خطوات المجد" و"سبارتاكوس" من إخراج ستانلي كوبريك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صحيح أن اسم فنشنتي مينيللي ارتبط أساساً بفن الكوميديا الموسيقية على الطريقة الهوليوودية، حيث اشتهرت له أفلام مثل "جيجي" و"أميركي في باريس" و"باندواغن" و"بريغادون"، غير أن الأبرز بين أفلامه يظل تلك الميلودرامية الكبرى التي حلل فيها العواطف الإنسانية، كما أن فيلمه "ظمأ للحياة"، يظل واحداً من أجمل الأفلام البيوغرافية التي حققت في هوليوود. ومن هنا ما يراه العديد من النقاد من أن فن مينيللي يجب أن يعتبر على الدوام "دخيلاً" على السينما الهوليوودية رغم انتمائه الشكلي إليها، ورغم استفادته القصوى من الإمكانات التي أتاحتها له. فبالنسبة الى سينما مينيللي كان التركيز الأساسي على الإنسان ومشاعره، سواء كان الفيلم هزلياً أو موسيقياً أو ميلودرامياً، أو ذا طابع أكثر خطورة وجدية، كما هي الحال في هذا الفيلم.

البحث عن مثل عليا

وُلد فنشنتي مينيللي الذي ينتمي إلى أصولٍ إيطالية، في عام 1910 في شيكاغو لأسرة تتألف من مهرجين وفنانين دوارين ولاعبي سيرك وموسيقيين محترفين، ومن هنا لم يكن من الغريب أن يتجه صوب الفن منذ صباه الباكر، ويمثل على خشبة المسرح وهو، بعد، طفل. بعد ذلك اهتم بالرسم وعمل في المسرح متدرجاً من مصور فوتوغرافي إلى ديكوراتور، فمخرج. أما اهتمامه العملي بالسينما فبدأ في 1940.

وهو منذ بداياته السينمائية المتواضعة، كمشارك في أفلام لغيره، بدأ يلفت الأنظار بالطابع الإنساني لإسهاماته. أما زواجه من الفنانة جودي غارلند، التي تولت البطولة في أربعة من أفلامه الرئيسة، فكان فاتحة خير عليه. لكن بدايته الحقيقية، كمخرج مرموق، كانت في عام 1944 حين عرض فيلمه "لافني في سانت لويس" ثم اتبعه بـ"الساعة" و"يولاندا واللص"، وهذه الأفلام الثلاثة حددت منذ البداية اتجاهه وتنوع أساليبه، عن الاستعراض الموسيقي وصولاً إلى الميلودراما.

والحال أن مينيللي لم يخرج في جميع أعماله التي حققها طوال الأربعين عاماً التالية، وحتى رحيله في عام 1986، عن تلك الأساليب في أفلام تميزت، على تنوعها الشكلي، بثبات موضوعاتها، لا سيما علاقة الإنسان بأحلامه.

فالواقع أن هذا المخرج المتحدر من أصول لاتينية كان يعرف أن فن السينما هو أقدر الفنون على تحقيق الأبعاد الحلمية على الشاشة، ومن هنا اهتم دائماً بتصوير الإنسان وهو يطارد أحلامه، حيث تميزت شخصياته بكونها في معظمها تهتم بالمثل الأعلى وبالحلم أكثر من اهتمامها بمجريات الحياة اليومية.

ينطبق هذا الكلام على شخصيات أفلامه الميلودرامية مثل "شاي وحنان" و"البعض أتى راكضاً، كما على شخصيات كوميدياته "والد العروس" و"غزل والد أيدي" و"لمن تقرع الأجراس؟" وبخاصة "أسبوعان في مدينة أخرى"، وهما فيلمان اختلطت فيهما الميلودراما بالدراما وعمق التفكير في أزمة الفرد إزاء المجتمع، بعبثية البحث عن نهايات سعيدة.

لقد كان مينيللي واحداً من الكبار الذين عرفتهم هوليوود، غير أن هذا لم يمنعه من أن يكون أوروبياً على الدوام، ولم يكن من قبيل الصدفة هنا أن يكون في عصره الذهبي واحداً من أكثر المخرجين الأميركيين رغبة في تحقيق أفلام تدور أحداثها في أوروبا، من "جيجي" في باريس، إلى "أسبوعان في مدينة أخرى"، وصولاً إلى "ظمأ للحياة" وغيرها.

المزيد من فنون