Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان يحتاج إلى من وصمهم بـ"الإرهابيين"

ليس هناك شيء أصعب على الرئيس التركي من أن يحتاج إلى الكوادر العلمية المنتمية إلى فتح الله غولن

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أ.ف.ب)

أصبح فيروس كورونا زوبعة عصفت بالعالم، ولم تنحصر الأزمة في النظام الصحي فقط، بل شملت معظم نواحي الحياة، وأصبح كل شيء رأساً على عقب.

ولا شكّ أن العالم سيأخذ بعد الفيروس شكلاً مختلفاً تماماً عما قبله.

ويبدو أنه لا مفرّ من حدوث تغيرات جذرية في العديد من القضايا والمفاهيم المهمة، مثل الدولة القوميّة، والعولمة، والنظام الاقتصادي العالمي، والعلاقات الدبلوماسية، والعسكرية، والمصالح الوطنيّة.. إلخ، وسيتحكم بمصير كثير من الرموز السياسية وقراراتهم التي كانوا متمسكين بها.

على سبيل المثال، كان رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، قد وصل إلى السلطة بانتصار تاريخي، ولكنه عندما تلكأ في أخذ إجراءات اقتصادية بشأن الفيروس، وصرح بأنه "ينبغي على الجميع أن يكونوا مستعدين لفقد أحبائهم"، انحسرت شعبيته إلى حد كبير، وسيكون لذلك تأثيرات مؤكدة على حياته السياسية في المرحلة اللاحقة؛ وبالفعل تشير استطلاعات الرأي العام إلى أنه من الصعب أن يأتي إلى السلطة بمفرده في الانتخابات المقبلة.

ولحسن الحظ، تراجعت المملكة المتحدة عن سياستها حيال الفيروس، وبدأت تتخذ إجراءات جادة، وتدابير اقتصادية وصحية.

وفي السياق نفسه، عندما تهاونت إيطاليا وإسبانيا في البداية تجاه فيروس كورونا، وقعتا في حرج شديد - للأسف- بل أصبحتا تواجهان صعوبات بالغةً في إدارة الأزمة.

وليست حكومة حزب "العدالة والتنمية" في تركيا بأحسن حال، فعندما بدأت مضاعفات فيروس كورونا في أوروبا، ظهر طبيبٌ تركيّ على شاشة القناة التي يديرها صهر أردوغان ليعلن أن "هذا الفيروس لن يصيب الجينات التركية". ولسوء الحظ، بدا الكثيرمن مؤيدي حزب "العدالة والتنمية" يصدقون ذلك، كعادتهم حيال مثل هذه التصريحات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 والنتيجة هي أن إجمالي عدد الأشخاص الذين يموتون يومياً يقرب من عشرين شخصاً، بينما يبلغ عدد الإصابات نحو عشرة آلاف حالة. (طبعا، حسب الأرقام الرسمية المعلنة).

وقد قال العلماء المختصون مراراً وتكراراً إن الصورة في تركيا ستكون أسوأ من الوضع في إيطاليا، وحذروا من انهيار مؤكد في البلاد إذا لم تُتَّخَذ إجراءاتٌ حقيقية عاجلة.

ولكن من المفارقات العجيبة أن الحكومة التركية بدلاً من المبادرة السريعة النافعة لا تزال تحتفظ بعنادها بشكل يستحيل رؤيته في مكان آخر في العالم، فهل تعلمون أن عدد الموظفين الذين فُصلوا من وظائفهم في قطاع الصحة بعد الانقلاب المزعوم، بتهمة الانتماء إلى حركة غولن، يبلغ 20 ألف شخص، وأُودع عدد غير قليل من هؤلاء في السجون بذرائع واهية.

وبينما لم تستطع أنقرة اتخاذ إجراء احترازي اقتصادي وعلميّ واضح في ما يتعلق بفيروس كورونا، فوجئ الرأي العام التركي بخبر غريب؛ حيث تَبَيَّنَ أن واحداً من الخبراء القلائل المتخصصين في مجال فيروس كورونا يعيش في تركيا، ولكن تم فصله من عمله في الجامعة بتهمة علاقته بالانقلاب المزعوم.

وهذا الشخص الذي ذكرته هو الدكتور مصطفى أُولَاشْلِي، وهو أستاذ مشارك متخصص في علم الوراثة، وقد أجرى أبحاثاً جادة على فيروس كورونا لمدة 7 سنوات في الخارج؛ حيث عمل في قسم البيولوجيا الجزيئية وعلم الوراثة في جامعة برينستون بالولايات المتحدة، ثم أكمل درجة الدكتوراه في جامعة أوتريخت في هولندا. ثم قرر الاستمرار في تركيا للإسهام في الدراسات العلمية التي تُجرَى في بلده، فأصبح محاضراً في كلية الطب بجامعة غازي عينتاب، قسم الأحياء الطبية. ولكن للأسف، طُرد من وظيفته بتاريخ 1 سبتمبر (أيلول) 2016 عندما كان أستاذاً مشاركاً في تلك الجامعة. وجريمته الكبرى(!) هي اتهامه بالانتماء إلى حركة غولن.

وبالمناسبة، قدَّم معظم أحزاب المعارضة اقتراحاً لوزير الصحة بضرورة أن يُنقل هذا الشخص إلى مركز الطوارئ وإدراجه في المجلس العلمي المختص بكورونا. ولكن عَلِمْنا من النائب عمر جيرجلي أوغلو أن وزير الصحة ينظر إلى الاقتراح بإيجابية، ولكنه قُوبل بالرفض من  أردوغان.

نعم إن الرئيس أردوغان، الذي ألقى بخمسين ألف شخص في السجون ممن يعارضون نظامه القائم على الإسلام السياسي؛ بينهم 17 ألف امرأة بمن فيهن 780 أماً حديثة الولادة، وثلاثة آلاف عامل صحي، وثلاثة آلاف قاض، وخمسة آلاف أكاديمي، وعشرات من رجال الأعمال... هو الآن في وضع صعب جداً؛ لأنه إذا وافق على إعادة توظيف الدكتور مصطفى أولاشْلي فيجب عليه الإفراج عن جميع السجناء الآخرين المتهمين بنفس الجريمة(!)، وإذا رَفض ذلك فيسكون في هذا الظرف القاسي مستغنياً عن الشخص الوحيد المختص في كورونا، ومغامراً بمصير البلاد، بسبب أحقاده الشخصية وطموحاته السياسية.

فليس هناك شيء أصعب على أردوغان من أن يحتاج إلى الكوادر المنتمين إلى فتح الله غولن، الذين يقمعهم منذ سنوات.

سننتظر لنرى القرار الذي يتخذه، وآمل أن لا يتأخر لوقت طويل، فإن الشعب لن ينسى له مثل هذا الإهمال القاتل.

ومنذ أيام انطلقتْ حملة واسعة في تركيا يشارك فيها جميع الأطراف من اليمين واليسار، والمتدينين والعلمانيين، بخصوص الإفراج عن السجناء حتى لا يتفشى الفيروس في السجون المكتظة بنزلاء لم يرتكبوا جرائم ضد الدولة ولا المجتمع، وليس لهم ذنب إلا أنهم يعارضون سياسات أردوغان الخاطئة.

والشريحة الأخرى التي يحتاج إليها أردوغان في الظرف الحالي، هي أكراد سوريا (PYD).

والمفارقة أن أردوغان حتى يوم أمس كان يتخذ منهم موقفاً متشدداً، وقتل منهم العشرات بمن فيهم مدنيون وأطفال، في معارك وقع فيها قتلى في صفوف الجيش التركي أيضاً.

ولكن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أعلن أخيراً أن تركيا اتفقت مع الأكراد السوريين، من دون تصريح باسم الجهة التي تم الاتفاق معها، ولكننا لم نسمع من أنقرة أيَّ تعليق على هذا التصريح، لأنها تدرك جيداً أن الناس سيتساءلون: فلماذا قاتلنا الأكراد وقتاً طويلاً وضحَّينا بعدد كبير من أبنائنا؟!

ويبدو أن فيروس كورونا قد ساعد أردوغان في التستر على إخفاقاته في سوريا ولو لفترة وجيزة. ولكن على المدى المتوسط والبعيد، فلا مفر من أن يَلقى مصير بوريس جونسون، بل من المؤكد أنه سيكون أسوأ منه، لأن الاقتصاد التركي أضعف من أن يقوَى على تقديم حزمة تدابير اقتصادية ناجعة.

إذا كان الرئيس أردوغان يريد منع انهيار البلاد نحو الهاوية، فهو بحاجة إلى كبح أحقاده والتخلي عن تصرفاته الهوجاء التي لا تمتّ إلى العقلانية والرزانة بصلة، لأن الوضع يتجه من السيئ إلى الأسوأ بل إلى الكارثة، لا سمح الله!

المزيد من آراء