Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"استقبِلْهم... ثم استغلهم... ثم ارمهم جانبا"

خلاصة سياسة أردوغان تجاه اللاجئين السوريين

لماذا يهدّد أردوغان حلف الناتو عندما يغضب من أوروبا؟ (أ.ب)

إدلب هي أحد آخر معاقل المعارضين في سوريا، ولا تزال القوات الروسية ونظام بشار الأسد تحاصرها وتُضيِّق عليها الخناق، خطوة فخطوة... وإذا استمر الحصار بهذه الطريقة، فسيصبح الهروب نحو الأراضي التركية، هو المخرج الوحيد لمن يسكنون فيها.

وأدت الأنباء الواردة من ساحة الاشتباكات في إدلب ليلة الخميس (27-2-2020) إلى حزن عميق في صفوف الشعب التركي وإلى حداد عام، إذ قُتل 33 عنصراً من الجيش جراء قصف القوات الجوية التابعة لروسيا ونظام الأسد. وتسبب هذا الحادث المأساوي إلى تسارع الهجرة من إدلب نحو تركيا.

 وبالفعل، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي أن مليون شخص قد اتجهوا نحو الحدود الغربية.

تستضيف تركيا نحو أربعة ملايين سوري، وها هي تواجه موجة جديدة من اللاجئين، وإذا نظرنا إلى سياستها وخياراتها تجاههم، فإننا نواجه الصورة البشعة التي تتلخص في:

"استقبِلْهم... ثم قم باستغلالهم... ثم ارمهم جانباً".

وحاول أردوغان الحصول على دعم من الناتو بعد القصف الأخير في إدلب، وعندما لم يجد استجابة عاد إلى ترديد تهديداته القديمة. ولنلق نظرة على تصريحاته التي قالها العام الماضي:

"أيها الاتحاد الأوروبي، ارجعوا إلى صوابكم، انظروا، أنا أقول مرة أخرى، إذا حاولتم وصف عمليتنا الحالية بأنها "احتلال"، فإن مهمتنا سهلة، سنفتح الأبواب وسنرسل لكم 3.6 مليون لاجئ".

يذكر أنه أَطلَق هذه التهديداتِ بهذه الكلمات رداً على تصريحات دول الاتحاد الأوروبي التي انتقدت عملية "ربيع السلام".

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يهدّد أردوغان حلف الناتو عندما يغضب من أوروبا؟

الجواب بسيط، لأن 24 دولة في الناتو التي قوامها 29 هي دول أوروبية.

وهكذا ينأى أردوغان بنفسه عن مواجهة الناتو ويتحاشى إزعاج الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشكل مباشر، ويستخدم المهاجرين كورقة مساومة ضد الاتحاد الأوروبي، كما يستغلهم كسلعة سياسية في السياسة الداخلية. ولكن عندما ننظر إلى واقع الأمر نلاحظ أنه في نهاية المطاف لا يُنتج حلاً، لا بالنسبة إلى اللاجئين ولا حتى بالنسبة إلى الأزمة السورية.

وهذا هو بالضبط ما أريد قوله: كأن أردوغان لا يريد حلاً، بل يريد أزمة، إذ استطاع من خلال إنتاج الأزمات المتتالية تمديد عمر حكومته في السنوات السبع الأخيرة.

لذلك أقول إنّ تحريك حكومة "حزب العدالة والتنمية" للاجئين نحو الحدود اليونانية والبلغارية، ليس عبارة عن مجرد ردّ فعل على ما حدث في إدلب، بل خطوة عملية مدروسة خُطّط لها لفترة طويلة وصُمّمت كضمان سياسي للمستقبل.

ومن تجليات القَدَر أنه لو ادّعى شخص قبل خمس سنوات بأنه سيأتي يوم يطرد فيه الحزب اللاجئين السوريين الذين رحب بهم في تركيا، فلربما كنّا لا نصدِّقه في ذلك.

ولكن هذا ما حصل بالفعل، فبينما كان أردوغان يدَّعي مراراً وتكراراً بأن تركيا تنظر إلى وضع السوريين الذين هاجروا من أوطانهم ولجؤوا إلى تركيا، على أنّها "قضية إنسانية وجدانية"، إذا به يصرّح قبل أيام "هل من الواجب عليّ أن أُطعمهم". واستخدم عبارة "besleme" التي تُستَخدم في اللغة التركية عادةً في إطعام الحيوانات في الحظيرة.

وإنني شخصياً شعرت بالخجل تجاه هؤلاء المهاجرين المضطهدين.

ومنذ يومين، تم سَوْق عشرات الآلاف من اللاجئين – أُعلن أنهم يزيدون على مئة ألف - إلى اليونان تحت رحمة المهربين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قامت بعض الأطراف الموالية للحكومة بتهديد المنظمات المدنية التي حاولت تقديم مساعدات إنسانية إلى اللاجئين.

وشهدت بعض المحافظات التركية اعتداءات على السوريين والأفغان وهُدّدوا ربما لإجبارهم على الهجرة إلى أوروبا.

وباتت بعض الشخصيات البارزة المقربة من أردوغان تستخدم في حق اللاجئين تعابير قاسية. ولا ننسى أن هؤلاء هم من مؤيدي الإسلام السياسي، الذين كانوا حتى الأمس القريب يردّدون شعارات: الأمة، الإسلام، الأخوّة الدينية، الخلافة.

وهذا يعطينا إشارات صارخة على أنهم يحاولون استعادة قوتهم الخائرة من خلال استخدام بطاقة النزعات القومية.

ولتوضيح موقفِي منهم، أريد القول أنه لو استمرت حكومة "حزب العدالة والتنمية" في سياستها التي كانت تتّبعها قبل عام 2015 حيال المهاجرين، لرحبتُ بها. وعلى الرغم من أنني أعارض فكرة الإسلام السياسي، كنتُ أؤيد هذه السياسات التي كانوا يعبّرون عنها باستراتيجية "صفر مشاكل مع الجيران".

فماذا يتوخى أردوغان من وراء فتح المعابر الحدودية للاجئين؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبلَ خمس سنوات تقريباً، انتقلت أعداد كبيرة من اللاجئين عبر بحر إيجة إلى أوروبا، بخاصة إلى الجزر اليونانية. وبعد هذا التدفق الكبير للمهاجرين، توَصَّل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق مع تركيا بشأن اللاجئين السوريين.

وكان مقرراً بحسب الاتفاق أن يدفع الاتحاد الأوروبي 6 مليارات يورو من المساعدات لتُصرف في سبل تحسين أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا، وأن توافق تركيا على عودة اللاجئين الذين هاجروا إلى اليونان بطريقة غير مشروعة، وأن تَقبَل دولُ الاتحاد الأوروبي مقابل كل لاجئ غير شرعي تتم إعادته إلى تركيا لاجئاً سورياً بطريقة قانونية.

ولكن في هذه الأثناء، واصَلَ أردوغان الدعوةَ، بين حين وآخر، إلى إنشاء منطقة آمنة للاجئين السوريين. والحال أن الجميع يعلم أن معظم اللاجئين لم يرغبوا في الذهاب إلى المنطقة الآمنة التي يُراد تشييدها.

ولا توجد منطقة آمنة على أرض الواقع، فالمناطق التي يتحدث عنها أردوغان لا تزال غير آمنة، بل تتكثف فيها الأزمات والنزاعات والاشتباكات.

وينظر أردوغان إلى أزمة اللاجئين على أنها ورقة رابحة في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

نعم، ربما يُمَكِّنه ذلك من تحقيق مكاسب مالية، ولكن لن يتطور ذلك إلى مكاسب سياسية في العلاقات التركية - الأوروبية، بما فيها إزالة العقبات في الطريق إلى الاتحاد، علماً أن أردوغان ليس حريصاً على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. لأن ذلك من شأنه توسيع المجال للحقوق والحريات، وهو الذي أسس بنيان سلطته على مُصادرة الحقوق وقمع الحريات.

وبما أنّ تركيا تؤوي هذا الكم الهائل من المهاجرين، فإنّ أردوغان لن يتخلى عن استغلال الإرهابيين كورقة رابحة في معظم الصفقات.

المزيد من تحلیل