ملخص
سوينبورن (1837-1909) على أي حال لم يكن ذلك المصير مصيره. فهو، بعد كل شيء، لم يكن مثقفاً ثورياً محترفاً، ولا كان ثائراً دائماً يستخدم الكلمة سلاحاً. كان شاعراً بكل معنى الكلمة، عاش، خلال حقبة عابرة من حياته، تلك الاندفاعة السياسية القصيرة، مما جعل "أناشيد قبل الفجر" "حدثاً" عارضاً في حياته الإبداعية، أما في ما عدا ذلك فإن أعماله تبدو ثورية في اللغة والصور، ذاتية في معانيها، أبعد ما تكون عن السياسة؟
"يمكن القول إن أحكام سوينبورن على وجه العموم، صائبة، وذوقه يمتاز بالحساسية والقدرة على التمييز، إذ إننا لا نستطيع أن نصف تفكيره بأنه مخطئ أو ملتوٍ في الوقت الذي يظل تفكيره معه تفكيراً، غير أن سوينبورن يتوقف عن التفكير في عين اللحظة التي نكون فيها أشد ما نكون حماسة إلى التفكير. وهذا التوقف، على رغم أنه لا يفسد عمله، يجعل من هذا العمل مدخلاً، أكثر منه متناً...". هذا الحكم الذي أصدره الناقد والشاعر تي أس إليوت على سلفه الشاعر والناقد الإنجليزي ألغرنون تشارلز سوينبورن.
كان إليوت يقصد منه الحديث عن نقد هذا الشاعر لا عن شعره، ذلك أن هذا الشعر لم يكن، مبدئياً، من النوع الذي يمكن الحديث عنه من منطلق العقل والتفكير، إذ إن شعر سوينبورن، في شكل عام، انتمى إلى الشعر السابق على السوريالية، من خلال تأثره المعمق بويليام بليك والفرنسي شارل بودلير، ثم صداقته الطويلة مع الرسام "ما قبل الرافائيلي" غابريال دانتي روزيتي، ومع هذا يمكن هنا التوقف عند عمل شعري معين لسوينبورن، لإخراجه من ما قبل السوريالية، وضمه إلى حيز الفكر العقلاني، وهذا العمل هو مجموعته "أناشيد قبل الفجر"، التي وضع قصائدها انطلاقاً من اندفاعته الحماسية إلى جانب المسألة الإيطالية، على غرار حال بايرون في موقفه المناصر، عملياً وفكرياً للثورة اليونانية، وكذلك على غرار شيللي في بعض لحظاته الثورية، طبعاً لا تنتفي هذه "العقلانية" عن شعر سوينبورن بصورة عامة.
رومنطيقية حقيقية في "أناشيد قبل الفجر" نزعة رومنطيقية ماثلة وحقيقية، لكنها رومنطيقية نضالية وُظفت هنا من أجل قضية، ومن ثم بات في الإمكان مدّ حكم إليوت النقدي ليشملها، من دون أن يشمل جملة أعمال أخرى لسوينبورن كتبت قبل تلك "الأناشيد" وبعدها، والحقيقة أن إليوت لم يكن الوحيد الذي "حاسب" تلك المجموعة، عقلانياً، على اعتبارها مواقف فكرية وسياسية تستدعي التفكير، ثم ما إن يصل هذا التفكير إلى ذروة حماسته، حتى يعود الشاعر إلى عواطفه وشاعريته الخاصة، تحديداً، وفي استعارة من إليوت، "في اللحظة التي نكون فيها أشد ما نكون حماسة إلى التفكير". فما هي هذه المجموعة؟ لماذا وضعها سوينبورن؟ وما سبب خروجها عن مألوفه الشعري؟ إن المناخ الطاغي على قصائد هذا العمل هو مناخ البحث، والسعي إلى فجر الحرية في اندفاعة عاطفية "جمهورية" حادة، عاشها سوينبورن في زمن كان فيه شديد الاستلهام من نهضة الشعوب الباحثة عن استقلالها. وكان الشعب الإيطالي، في نظره، في مقدم هذه الشعوب. ومن هنا نراه يستلهم نضال هذا الشعب، ولكن في تعميم لدائرة النضال يشمل غيره من الشعوب. أما سبب وجود الشعب الإيطالي وقضيته في صلب ذلك النضال، ففي خلفيته لقاء عقد بين سوينبورن وماتزيني، قائد الثورة الإيطالية ومنظّرها الأكبر، وكان لقاء عقد خلال مارس (آذار) عام 1867 بترتيب من كارل بلايند، الذي كان من غلاة الإنجليز المؤيدين للثورة الجمهورية الإيطالية، والساعين حتى إلى انتفاضة جمهورية في إنجلترا.
الجامعي المناضل
وسوينبورن كان، على أي حال، قريباً من تلك الأفكار منذ دراسته الجامعية، حين انضم إلى رفاق كانت النزعة الجمهورية والاشتراكية الطوباوية، رائدهم. ومن هنا اهتمام ماتزيني به، إذ وجّه إليه قبل اللقاء رسالة يقول فيها "في الوقت الذي تخاض فيه معركة طاحنة بين العدل والظلم، بين الحقيقة والكذب، بين الحرية والطغيان، بين الله والشيطان، من أجل تحقيق تصور جديد للحياة، يتعين على الشاعر أن يكون رسول اندفاعة مناضلة تجعل من كلامه برنامج عمل للأمم المضطهدة المناضلة، وجنازاً ختامياً للقامعين المضطهدين". ولم يكن سوينبورن في حاجة إلى أكثر من هذا الدفع الحماسي من نجم بين نجوم النضال التقدمي الإيطالي في ذلك الحين، حتى يخوض المعركة، بشعره وعواطفه كلها. والحال أن سوينبورن كان سبق له أن كتب في الأقل، قصيدتين تمجدان ذلك النضال "نشيد في ثورة كانديا" و"أغنية إيطاليا". وهكذا راح مندفعاً يكتب الشعر السياسي الحماسي، فولدت أشعار مجموعة "أناشيد قبل الفجر" المستوحاة كما أشرنا، من الأحداث الإيطالية، وكان من أجملها، في ذلك الحين "مباركة أنت بين النساء" و"وقفة أمام روما" التي وصف فيها بلغة بسيطة توقف جيوش غاريبالدي أمام العاصمة الإيطالية استعداداً لاحتلالها.
ولئن لم تغب الصور الإيطالية عن أشعار أخرى في المجموعة، فإن هذه الصور وجدت نفسها ملتحمة في نزوع إلى تجديد ثوري أوروبي شامل، كما في قصيدة "سيينا"، بينما انتفضت قصائد أخرى ضد الظلم في أشكاله كافة سواء أكان ظلماً سياسياً أو اجتماعياً أو غير ذلك. وفي مثل هذه القصائد أسند الشاعر إلى الإنسان، لا إلى أي قوى ميتافيزيقية أو سلطوية، مهمة انتزاع أغلاله، فالإنسان إن لم يحرر نفسه لن يجد ثمة من يحرره، كما يتجلى هذا خصوصاً في قصيدتي "هيرتا" وفي "أنشودة إلى الإنسان"، إذ لم يكن الكلام أقل من إعلان ثقة مطلقة بالإنسان الثائر وبالآفاق المستقبلية التي يفتحها هذا الإنسان لنفسه بـ"نضاله الحقيقي من أجل حياته وسعادته ومكانته في الكون لا من أجل أفكار مجردة تصب في صالح القوى التي قد لا تكون اليوم في السلطة، لكنها ستصبح فيها غداً، بفضل نضال الإنسان الثائر، ثم تنقلب عليه تبعاً لمصالحها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحرية السياسية أن سوينبورن ينطلق في أشعار هذه المجموعة كلها، إذاً، من الحرية السياسية ليصل إلى الحرية القصوى، حرية الإنسان، بالمعنى الأشمل للكلمة. طبعاً لا يخفي سوينبورن هنا، لا سيما في ثنايا القصائد الإيطالية الخالصة، إيمانه بالحرية السياسية، غير أنها في رأيه لا يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها، فهي، إن كانت غاية، ستكون قد قادت الثوار الحقيقيين إلى الوقوع في فخ قوى سياسية معارضة لا أكثر. الحرية السياسية كما في أشعار سوينبورن يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى ما هو أصدق منها وأشمل، وأكثر ارتباطاً بالتوق الحقيقي للإنسان: حريته الداخلية وحريته الدائمة التي تمكنه في كل لحظة من أن يقول لا، حتى للقوى التي يساندها اليوم، إذ تقدم نفسها كقوى تحرر وثورة، لكنها في حقيقتها ليست أكثر من قوى تسعى إلى السلطة، مستخدمة الإنسان وقوداً لمسارها السياسي لا أكثر. واضح من هذا كله أن سوينبورن إنما يدعو هنا إلى الثورة من الداخل، وإلى الحرية كفعل تنوير دائم، وهو الذي كثيراً ما راقب الحركات الثورية وهي تأكل، أول ما تأكل، أبناءها، وتضحّي أول ما تضحّي بأولئك البشر الذين كانوا هم، لا القادة السياسيون، صانعي الانتصار والتحرر. وهذا كله يضع شعر سوينبورن في صف الإنسان، جاعلاً من "ثورته الشعرية" فعل إيمان ينطلق من السياسة، ولكن كي يناهضها مطالباً إياها بأن تتحول إلى فعل حرية، لا إلى فعل تسلط. غير أن هذا كله بدا، في تلك الأشعار، مخبوءاً في ثنايا حماسة لا حدود لها للثورة الجمهورية الإيطالية التي اعتبرها الشاعر نموذجاً لثورة الإنسان، كل إنسان، وكأنه، في اندفاعته الشعرية، يحذرها من أن تكون، في نهاية الأمر شيئاً آخر غير ذلك. ويقيناً أن سوينبورن يبدو في هذا التحذير، أخاً لجميع أولئك المثقفين الذين آمنوا بالثورات المتعاقبة وساندوها، ثم خاب أملهم ما إن تحولت تلك الثورات إلى دول، أو سلطات فانكشفت حقيقتها، مما دفع الحالمين إلى الاعتكاف أو مواصلة الثورة أو الانتحار.
ثائر بالصدفة
سوينبورن (1837-1909) على أي حال لم يكن ذلك المصير مصيره. فهو، بعد كل شيء، لم يكن مثقفاً ثورياً محترفاً، ولا كان ثائراً دائماً يستخدم الكلمة سلاحاً. كان شاعراً بكل معنى الكلمة، عاش، خلال حقبة عابرة من حياته، تلك الاندفاعة السياسية القصيرة، مما جعل "أناشيد قبل الفجر" "حدثاً" عارضاً في حياته الإبداعية، أما في ما عدا ذلك فإن أعماله تبدو ثورية في اللغة والصور، ذاتية في معانيها، أبعد ما تكون عن السياسة، وعن مساندة الحركات السياسية سواء أكانت ثورية أو غير ثورية، داعية إلى الحرية، أو مستغلّة تلك الحرية لمآرب أخرى.