عودة إلى "شجرة الدر"... نسوة آمنّ بالسينما ومنحن قبلة حياة لأول فيلم تاريخي ناطق عربيا

الملصق الدعائي يقدّم لمحة توثيقية عن واقع السينما قبل 84 عاما... و"النجمة الشهيرة" تتقاسم البطولة مع "الحسناء"

منذ التجارب الأولى للسينما المصرية كانت المرأة حاضرة، حيث الحماس الكبير لهذا الفن الجديد، وبالتالي من الطبيعي أن ترتبط كثير من الأحداث السينمائية البارزة وقتها بأسماء نساء شجاعات عاشقات لهذا الفن، اليوم 26 فبراير (شباط) 2019 يكون قد مرّ 84 عاما على عرض أول فيلم مصري تاريخي ناطق، حيث تصدّت لبطولته المنتجة الكبيرة "آسيا داغر" بالاشتراك مع "ماري كويني"، والقصة كانت حول امرأة أخرى مثيرة للجدل كذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جدل حول أول فيلم مصري ناطق

بحسب المؤرخين السينمائيين، فإن أول فيلم روائي أنتج في مصر كان عام 1917، ولكن سبقته أفلام قصيرة وتسجيلية، وبالطبع الفيلم كان غير ناطق، وتوالت التجارب في أفلام مثل "زينب" و"أولاد الذوات"، حيث كانت من أوائل الأفلام الروائية الطويلة والناطقة، وتدور أحداثها في إطار اجتماعي عاطفي، ثم جاء الموعد مع الأعمال التاريخية، حيث تصدت اثنتان من أبرز الأسماء في صناعة السينما لفيلم "شجرة الدر".

من لبنان جاءت إلى مصر ماري كويني "ولدت بتنورين شمال لبنان" مأخوذة بسحر هذا الفن الجديد الذي كانت مصر رائدته عربيا، تزوجت ماري كوريني المخرج أحمد جلال، وأصبحا يتشاركان الشغف بالفن السابع، ليأتي الـ26 من شهر فبراير (شباط) عام 1935 وتشهد دور السينما عرض أول فيلم مصري تاريخي ناطق، سيناريو وإخراج وبطولة أحمد جلال "1897ـ 1947"، وماري كويني "1913ـ 2003"، ومعها واحدة أخرى من رائدات فن السينما في العالم العربي، آسيا داغر "1901ـ 1986"، أبرز منتجات وصانعات السينما في عصرها. آسيا داغر أدت دور البطولة حيث قدمت شخصية "شجرة الدر"، الجارية التركية التي تتزوج الملك الصالح وتستولي على السلطة وتدخل في مكائد ومؤامرات في البلاد، الفيلم مأخوذ عن قصة لجورجي زيدان، وتولى أحمد جلال معالجتها سينمائيا.

نساء ساهمن في ريادة السينما المصرية

الفيلم الذي كانت مدته 125 دقيقة ولا تعرضه الشاشات حاليا، وتم تنفيذه في نفس العام الذي تأسس فيه استديو مصر، والذي كان بدوره محطة ونقلة فارقة في تاريخ السينما المصرية، يبدو وكأنه سقط من ذاكرة كثير من مؤرخي السينما، حيث يتركز الحديث دائما عن أول فيلم مصري على الإطلاق، وكذلك أول فيلم ناطق بشكل عام، لكن فيما يتعلق بالحديث عن أول فيلم تاريخي ناطق تبدو المعلومة ملتبسة بعض الشيء، وهي المعلومة التي وثقتها بعض الملصقات الدعائية النادرة التي يتجاوز عمرها الـ84 عاما والتي تؤرخ تفصيليا للفيلم.

الناقدة المصرية ماجدة موريس تشدّد، في حديثها لـ"إندبندنت عربية"، على فكرة أن السينما العربية والمصرية باعتبارها الرائدة في المنطقة قامت على عاتق كثير من النساء المضحيّات، ولفتت إلى أن بعض الفنانات والمنتجات استغنين عن ثرواتهن، وكذلك ثروات أزواجهن، من أجل إنتاج أعمال مهمة وذات قيمة، ضاربة المثال بآسيا داغر وفاطمة رشدي، وغيرهن.

ماجدة موريس، وعلى هامش حضورها مهرجان أسوان الدولي لسينما المرأة في دورته الثالثة، أشارت إلى أن صانعات السينما أنصفهن التاريخ رغم أن البعض حاول تجاهل هذا الدور، وتتابع "ماري كويني إحدى هؤلاء الرائدات، فبعد أن جاءت إلى لبنان كوّنت مع زوجها المخرج أحمد جلال ثنائيا نتج عنه أكثر من عمل من بينها هذا الفيلم، (شجرة الدر) من الأفلام المنسية من التوثيق التاريخي للسينما بصورة كبيرة، والمعلومات المتاحة عنه قليلة جدا".

فيلم "شجرة الدر" تردّد اسمه في كتب التأريخ السينمائي المعتادة، ولكن بحسب الوثائق فقد حقق الفيلم الذي شهد باكورة إنتاج الأعمال التاريخية الناطقة في مصر نجاحا كبيرا وقت عرضه، حيث امتد لأسابيع، وبحسب ما جاء في الملصقات الدعائية والإعلانية للفيلم فالإقبال على العمل كان هائلا وتم مد فترات عرضه أكثر من مرة، حيث عرض في سينما كوزموس وسينما حديقة الأزبكية وقتها، وأكثر من دار عرض أخرى.

قراءة في بوستر "شجرة الدر"

بالطبع آسيا داغر التي سبقت ماري كويني بسنوات وجاءت من لبنان إلى القاهرة "ولدت في قرية تنورين أيضا"، كانت هي التي تتصدر بطولة الفيلم باعتبارها الأكثر نجومية حينها، وكانت قدمت سبعة أفلام من بطولتها المطلقة، سبقت بها هذا الفيلم، منها "غادة الصحراء" و"عيون ساحرة"، و"عندا تحب المرأة"، و"وخز الضمير"، والأخير شاركها فيه الفنان عبد السلام النابلسي، فيما كانت ماري كويني قد قدمت فقط أربعة أفلام وظهرت فيها بأدوار صغيرة.

وعلى "أفيش"( بوستر) الفيلم تظهر عبارة "النجمة السينمائية المشهورة" لتصف آسيا داغر، بينما تسبق اسم ماري كويني عبارة الممثلة الحسناء، واللافت أنه أيضا كان يشار لباقي الطاقم من ممثلي الأدوار الثانوية مثل عبد الرحمن رشدي بلقب "الأستاذ"، كذلك بالنسبة إلى المخرج.

يبدو الملصق الدعائي مغايرا وتقليديا وبه تفاصيل غير معتادة، ولكن بدائيته تزيد من أهميته كأثر يغيب عن أذهان كثير من المهتمين بتوثيق هذه الحقبة الفنية من التاريخ المصري.

قصة "شجرة الدر" تم تناولها بأكثر من عمل فني مصري فيما بعد، لكن تبقى القيمة التاريخية للفيلم الذي أخرجه أحمد جلال نظرا لريادته، ونظرا لشجاعة القائمين عليه في التصدي لإنتاج فيلم تاريخي ناطق بتكلفة كبيرة بمقاييس ذلك الزمن، والمراهنة عليه ليجذب الجمهور.

المزيد من فنون وأضواء