Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين كوفية عرفات وربطة عنق أبو مازن... ميراث "دولة الحلم الفلسطيني" (1 - 3)

الأراضي تقلصت من 27 ألف كيلو متر مربع إلى نحو 4 آلاف... وهذه تفاصيل الهجرات اليهودية الخمس إلى "أرض الميعاد"

بقدر إحلال كوفية ياسر عرفات ببدلة وربطة عنق خَلَفِه محمود عباس أبو مازن، تغيرت ملامح خريطة ما توصف بـ"فلسطين التاريخية" لدى الفلسطينيين والعرب، لصالح ما توصف بـ"أرض التوراة الموعودة لبني إسرائيل"، بحسب مؤسس الصهيونية العالمية "تيودور هرتزل" في كتابه "الدولة اليهودية" (1896)، لتعمّق بتفاصيلها جذور صراع لا يزال يستعصي على "الحل النهائي" رغم تعدد المحطات، التي شهدها "أطول وأعقد صراعات العصر الحديث ما بعد حقبة الاستعمار"، وفق تعبير الأمم المتحدة، والصادر بحقها أكثر من 1000 قرار أممي منذ عام 1947.

بدءاً مما هو راسخ في عقول الفلسطينيين والعرب بـ"نكبة الـ48"، أو "إعلان قيام دولة إسرائيل" بحسب التوصيف المقابل، مرورا بقرارات التقسيم الأممية، (أبرزها:181 و194 الصادران عن الجمعية العامة)، و(242، 338 "الصادران عن مجلس الأمن)، ووضع الدولة الفلسطينية "المستقبلية" في اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو، أو المبادرات والمحاولات الدولية والعربية المختلفة لإيجاد حل "عادل ودائم قائم على مبدأ الدولتين"، وصولا إلى خطة السلام الأميركية الأخيرة للرئيس دونالد ترمب، تقلصت الأراضي الفلسطينية لتصل إلى ما دون الـ15% من المساحة الكلّية لما قبل قيام دولة إسرائيل، البالغة نحو 27 ألف كيلو متر مربع، لتبقى معها آمال الفلسطينيين معلقة في دولتهم، ويكون لسان حالهم ما وصفه شاعر القضية محمود درويش بقوله، "أن تكون فلسطينيا يعني أن تصاب بأمل لا شفاء منه".

"اندبندنت عربية" تحاول رصد وتوثيق "انكماش الخريطة الفلسطينية"، تلك البقعة الجغرافية، الواقعة بين دول مصر والأردن وسوريا ولبنان، والمطلة على البحر المتوسط غرباً، وتغير حدودها، على مدار محطاتها، التي وإنْ بدأت قبل أكثر من قرن من الزمان، فإن تقسيمها الفعلي بدأ قبل شهور قليلة من إعلان قيام الدولة العبرية في مايو (أيار) 1948، عبر التقليب في الوثائق والمبادرات والمحاولات الدولية المختلفة لـ"تطبيق حل الدولتين"، فضلا عن نصوص القرارات الأممية التي أقرت هذا المبدأ، ومثــّــلت أساسا "شرعياً وقانونيا" لشكل الحل مستقبلا، والذي توافق بشأنه أغلب دول المجتمع الدولي.

ثمة محطات تاريخية ومِفصلية في عمر القضية، وفقما تراءى لنا، تمثلت في "1948... وسياسة قضم الأرض"، و"مسار سلام لم يكتمل... خريطة فلسطين بين انتفاضتين"، وأخيرا "من المبادرة العربية إلى خطة ترمب، ما الذي تغير على أرض الواقع؟".

 

 

موجات الهجرة وبدايات قضم الأرض

لم تكن محطة عام 1948 حيث إعلان إسرائيل قيام دولتها في مايو (أيار) بداية تغيير الوقائع على الأرض بـ"قوة السلاح"، وفق المؤرخين والكتابات المعنية بالقضية، إذ كانت الخطوة الأولى نحو الدولة اليهودية، قد اتخذت مع ما بات يعرف تاريخياً بـ"وعد بلفور"، حين راسل رئيس الوزراء البريطاني "آرثر جيمس بلفور" في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1917، اللورد اليهودي "والتر دي روتشيلد" (أحد أضلاع عائلة روتشيلد الثرية) بدعم وتأييد بلاده لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وجاء في المراسلة، "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية".

ومع إقرار عصبة الأمم (المنظمة الأممية السابقة لمنظمة الأمم المتحدة) في عام 1922 وضع فلسطين، التي كانت جزءاً من الأراضي العثمانية تحت إدارة المملكة المتحدة، لتبدأ معها فترة ما يعرف بـ"الانتداب البريطاني" (استمر ما بين 1922 إلى 1947) وتتسع موجات هجرة اليهود إلى تلك البقعة الجغرافية، بل تتضاعف أعدادها في ثلاثينيات القرن الماضي لا سيما من أوروبا بالتزامن مع "حقبة الاضطهاد النازي في ألمانيا".

ووفق مركز المعلومات الفلسطيني، فإن موجات الهجرة اليهودية توالت على فلسطين بتشـجيع ودعم من حكومة الانتداب، كما ازدادت أملاكهم التي منحتهم إياها بريطانيا وسهلت لهم طرق شرائها، بعد موجات سابق "محدودة" في عهد السلطنة العثمانية.

 

 

ويجمل المؤرخون، بينهم زين العابدين أبو خضرة في كتابه "الأدب العبري الحديث"، عدد "خمس موجات هجرة"، بدأت أولاها في الفترة ما بين عامي (1881 -1903)، حيث قدم نحو 30 ألفاً من شرق أوروبا وروسيا، وأسسوا ما يُعرف بالمستوطنات الزراعية، فيما كانت الموجة الثانية في الفترة ما بين (1904-1914)، إذ وصل ما بين 35 و40 ألفاً. ومع حلول عام 1914، وصل عدد اليهود في فلسطين إلى 85 ألفاً، ووصل عدد المستوطنات إلى 44 مستوطنة.

مركز المعلومات الفلسطيني يشير إلى حدوث الموجة الثالثة ما بين عامي (1919-1923م) بعد حدوث الثورة البلشفية في روسيا، وبلغ عدد المهاجرين في هذه الموجة نحو 35 ألف مهاجر جاء أغلبهم من روسيا ورومانيا وبولونيا وألمانيا وأميركا، بينما تمت الموجة الرابعة ما بين عام (1924-1932)، حيث هاجر نحو 89 ألف يهودي. أما الموجة الخامسة فكانت بين عامي (1933-1938)، حيث بلغ عدد المهاجرين في هذه المرحلة نحو "174" ألف مهاجر يهودي جاء أغلبهم من ألمانيا "النازية" وبلدان وسط أوروبا، مما رفع عدد السكان إلى 370 ألف يهودي، وأخذت تتدفق إلى البلاد أفواجٌ عديدة من المهاجرين بشكل لم يسبق له مثيل مما أثار شعور الاستياء والغضب لدى الشعب الفلسطيني. وكان هذا أحد الأسـباب الرئيسـة التي قادت ثورة  1936 (عرفت فيما بعد بالثورة الكبرى)، التي قام بها العرب الفلسطينيون ضد الإدارة البريطانية للمطالبة بالاستقلال).

وأشار المركز إلى أنه بجانب هذه الموجات، كانت هناك هجرات سرية قام بها اليهود الشرقيون (السفارديم) من جهات مختلفة من اليمن والحبشة وأفريقيا الشمالية وتركيا وإيران في فترة الأربعينيات، ليبلغ إجمالي حصيلة الهجرة اليهودية إلى فلسطين حتى عام 1948 حوالي 650 ألف مهاجر يهودي.

 "موسوعة النكبة الفلسطينية" قدّرت الوجود البشري اليهودي، وما يمتلكونه في "أرض فلسطين التاريخية" في الفترة ما بين (1918- 1948)، بقولها، "إنه في عام 1918 امتلك اليهود نحو 240 ألف دونم (الدونم ألف متر مربع)، بنسبة 1.56% من إجمالي تلك البقعة الجغرافية، ووصلت النسبة إلى 1.8 مليون دونم عام 1948. وفيما يتعلق بعدد اليهود، فكانوا في عام 1800 حوالي 5 آلاف، ووصل عددهم 1948 لنحو 650 ألفاً في عشرات المستوطنات، أي ما يعادل 31.7% من إجمالي عدد السكان آنذاك".

 

 

"نكبة" 1948 وقرار التقسيم

على وقع أعمال العنف المتبادل بين اليهود والعرب على أرض فلسطين، توصلت المملكة المتحدة إلى رفع تلك القضية للأمم المتحدة في عام 1947. ووفق المنظمة الأممية، فإنه ولدى اجتماع أعضائها، عام 1947، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، قدّمت المنظومة الدولية "خطة حل على شكل اقتراح"، حمل الرقم 181، صدر في التاسع والعشرين من نوفمبر(تشرين الثاني)، يقضي أولا بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وثانيا تقسيمها إلى دولتين مستقلتين، واحدة لليهود وأخرى للعرب، بالإضافة إلى تدويل قضية القدس، في شكل خاص، كونها "العقبة الكبرى" في وجه أي حل بين الطرفين، بموافقة 33 دولة واعتراض 13 دولة وامتناع 10 دول عن التصويت.

ووفق نص القرار، الذي عُرف بـ"قرار التقسيم"، هناك 3 كيانات، الأولى دولة عربية فلسطينية، تقام على 43% من تلك البقعة الجغرافية، فيما تقام دولة اليهودية على 56% منها، بينما تحظى مدينتا القدس وبيت لحم بوضعية خاصة تحت الوصاية الدولية بمساحة 1%.

وبعد نحو 6 أشهر، أعلنت إسرائيل قيام دولتها في مايو (أيار) 1948، وهو ذلك الإعلان الذي كان له ما بعده في إطار الصراع العربي الإسرائيلي، حيث توسعت تلك الدولة الوليدة، بعد حربها مع الدول العربية المجاورة لتسيطر على نحو 77% من "أراضي فلسطين"، بما في ذلك الجزء الأكبر من مدينة القدس. ونتيجة ذلك، فرّ أكثر من نصف السكان العرب الفلسطينيين أو طردوا. وسيطرت الأردن ومصر على بقية الأراضي التي حددها القرار 181 للدولة العربية، وفقما لما سجلته موسوعة "النكبة الفلسطينية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد نحو عام من "قرار التقسيم"، أصدرت الأمم المتحدة قراراً آخر حمل رقم 194، في الحادي عشر من ديسمبر (كانون الأول) 1948، واختص بالتأكيد على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم، معتبراً حق العودة من أهم ركائز القضية الفلسطينية.

ونص القرار على إنشاء لجنة توفيق تابعة للأمم المتحدة ووضع القدس تحت إشراف دولي دائم، بالإضافة إلى تقرير حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم في سبيل تعديل الأوضاع بحيث تؤدي إلى تحقيق السلام بفلسطين في المستقبل. مع التأكيد على حق الجميع في الدخول إلى الأماكن المقدسة.

 

 

وبحسب تقرير "مركز حقوق السكن والتهجير" (مقره جنيف) بالاشتراك مع مركز البديل الفلسطيني، في مايو (أيار) 2005، أنه عند قيام إسرائيل كدولة عام 1948، "لم يكن اليهود يملكون فيها أكثر من 10% من مساحة فلسطين التاريخية"، أما اليوم فقد أصبحت الدولة العبرية "تسيطر عسكريا على مساحة فلسطين التاريخية، وتستعمل أو تدير ما يقرب من 90% من أراضي فلسطين في فترة الانتداب، التي تشمل إسرائيل والمناطق المحتلة".

وقال سكوت ليكي، مدير المركز ذلك التقرير، "إن فترة قيام دولة إسرائيل بين عامي 1948 و1949، التي رافقتها أكثر من 30 عملية عسكرية، أدت إلى تشريد 800 ألف فلسطيني وتدمير 531 مدينة وقرية فلسطينية". واعتبر أن "ما تم من هدم للبيوت وسرقة للأراضي وتطبيق لقوانين شبه عنصرية، لا يمكن اعتباره إلا كصورة قاسية من صور التطهير العرقي".

المحور الرئيس، الذي عالجه تقرير "مركز حقوق السكن والتهجير"، بالتفصيل تمثل في تحليل كيفية تسخير إسرائيل للقانون لتبرير مصادرة الأراضي الفلسطينية بشتى الطرق والاستيلاء عليها، ومنع سكانها الأصليين من العودة إليها.

وفي هذا السياق، جاء بالتقرير أن "القوانين الإسرائيلية صممت لتبرير المطالبة الإسرائيلية بأراضي وأملاك الغائبين". ومن النتائج التي نجمت عن هذه القوانين استيلاء إسرائيل ابتداء من عام 1949 على ما يقارب من 20 ألف كيلومتر مربع من أراضي فلسطين التاريخية التي كان الفلسطينيون يملكون 90% منها إما بشكل فردي أو جماعي".

 

 

وبعد قيام إسرائيل، تركزت سياساتها على تشجيع الهجرة اليهودية عبر سن العديد من القوانين مثل "قانون العودة" عام 1950، و"قانون الجنسية الإسرائيلي" عام 1952، ما ضاعف من أعداد المهاجرين في السنوات القليلة التي تلته.

ووفق معطيات "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني"، "فإن قرابة 800 ﺃﻟﻑ ﻓﻠﺴﻁﻴﻨﻲ، من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في "الأراضي المحتلة" عام 1948، هُجّروا ﻤﻥ ﻗﺭﺍﻫﻡ ﻭﻤﺩﻨﻬﻡ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻀﻔﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ ﻭﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ ﻭﺍﻟﺩﻭل ﺍﻟﻌﺭﺒﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠﺎﻭﺭﺓ، وآلافا آخرين هجّروا لكنهم بقوا ﺩﺍﺨل ﻨﻁﺎﻕ ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺨﻀﻌﺕ ﻟﺴﻴﻁﺭﺓ ﺇﺴرﺍﺌﻴل".

وبحسب بيانات الجهاز ذاته، "فقد كان الفلسطينيون قبل النكبة يقيمون في 1300 ﻗﺭﻴﺔ ﻭﻤﺩﻴﻨﺔ، قبل أن تسيطر إسرائيل في تلك الفترة على 774 ﻗﺭﻴﺔ ﻭﻤﺩﻴﻨﺔ، منها 531 دمرت بالكامل". مشيرة إلى "أن نحو 12 مليون نسمة يقطن (فلسطين التاريخية) الآن، ﻴﺸﻜِّل ﺍﻟﻴﻬﻭﺩ ﻤﺎ ﻨﺴﺒﺘﻪ 51% منهم، ويستغلون أكثر من 85% من المساحة الكلية للأرض. في وقت، قدّرت فيه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" عام 2013، ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻼﺠﺌﻴﻥ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﻴﻥ نحو 5.3 مليون لاجئ ﻴﺸﻜﻠﻭﻥ ﻤﺎ ﻨﺴﺒﺘﻪ 45.7%، ﻤﻥ ﻤﺠﻤل ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﻴﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ.

وانطلاقا من هذا، يعدّ إدوارد سعيد، في كتابه "مسألة فلسطين"، الصادر عام 1979، أن "القصة الكاملة للغزو الصهيوني لفلسطين وإعلان دولة إسرائيل من جانب واحد، يتمحور حول كيان أيديولوجي ستجسده في مرحلة لاحقة استراتيجية سياسية منهجية، تتمثل في إنكار وجود الشعب الفلسطيني"، موضحاً أن "المؤسسة السياسية والاقتصادية الإسرائيلية عملت على استبعاد أي شكل من أشكال التعاون مع سكان فلسطين الأصليين، ناهيك عن إخضاعهم واستعبادهم في حين فتحت الدولة الإسرائيلية ذراعيها لاحتضان كافة اليهود من جميع أنحاء العالم".

المزيد من العالم العربي