قاسم حداد: لا أتفق مع "خلجنة" التجربة الأدبية

يرى أن شاعراً عربياً لا يقرأ أدونيس... ينقصه الكثير من المعرفة

الشاعر البحريني قاسم حداد (اندبندنت عربية)

يحتل الشاعر البحريني قاسم حداد مرتبة فريدة في المشهد الشعري العربي الراهن، وتمثل تجربته الممتدة خلال أكثر من خمسة عقود عالماً شعرياً متميزاً بخصائص عدة، سواء في فضاء اللغة أم الرؤيا الداخلية أم الشكل الدائم التحول. شاعر يمكن وصفه بالمخضرم، ولو انتمى منذ انطلاقته إلى أفق الحداثة، فهو اجتاز مراحل عدة واكب خلالها ثورة العصر بل ثوراته الشعرية. وعلى الرغم من تجذره في صميم التراث الشعري وتاثره بشعراء الحداثة العربية فهو بدا منفتحاً على الشعر العالمي وتياراته العصرية. ولعل تأسيسه موقع "جهة الشعر" الذي دام نحو 22 عاماً، أدى دوراً مهماً وعميقاً في رصد ملامح الشعر العالمي وفي خلق نوع من الحوار بين الشعر العربي الحديث ورديفه في العالم، من خلال نشر ترجمات شعرية جمة وتقديم شعراء كثيرين.

 وقد حظي فوز قاسم حداد بجائزة ملتقى الشعر العربي في القاهرة بترحيب كبير من الأوساط الأدبية العربية نظراً إلى أهمية تجربته التي تمتد منذ نهاية الستينيات حتى الآن، وإلى دوره التأسيسي في حقبة الشعر الذي تلى المرحلة الريادية.

يتحدث الشاعر إلى "إندبندنت عربية" عن تجربته وسياقها التاريخي وعن أثر رواد التجديد فيها، وكذلك عن علاقته بالكتابة الجديدة وانفتاحه على العشر العالمي لا سيما من خلال موقع "جهة الشعر".

بعدما بلغ قاسم حداد خبر فوزه بجائزة ملتقى القاهرة للشعر كتب نصاً سريعاً حول معنى الجائزة، لكن كيف يرى الجائزة وهل يعتقد أنه صار الآن في مكانة الشاعر الذي تكرسه الجوائز أم أنه لا يزال الشاعر الذي طالما كانه. يقول في هذا الصدد: "لا أزال أعتقد بأحقية العديد من الشعراء العرب بمثل هذا التقدير الأدبي ، ولا أجد في الجائزة امتيازاً  أو فارقاً كبيراً يميزني عن الشعراء الآخرين، وأفهم هنا تعبير الناقد جابر عصفور، رئيس لجنة الجائزة، عندما قال: "لكن، للأسف كان علينا أن نختار واحداً من الشعراء". ثمة شعراء يستحقون هذا التقدير والجائزة في اللحظة نفسها. فالشاعر يكتب قصيدته فقط. والبقية تأتي لاحقاً. النقد والقارئ والجوائز، كل ذلك يأتي أو لا يأتي. أقول إن الشاعر لا يسعى إلى الجوائز، الجوائز تفعل ذلك". وعن ترحيب الصحافة العربية بفوزه وكأنه مركب أنقذ مهرجان الشعر من الغرق يقول: "لستُ معنياً بالملابسات، أشعر بأن الجائزة سؤال إضافي حول تجربتي، لذلك تمنيت أن أكون جديراً بهذا التقدير. كما أعتقد أن لجنة الجائزة تحسن القراءة، وجديرة بتحمل نتائج قراراتها. وأنا أيضاً".

الأفق الإنساني

 لاحظ الناقد السوري صبحي حديدي وهو الذي يعرف شعر قاسم جيداً، أن الجائزة هي إشارة إلى منجز يتعلق بدوره الريادي في الخليج فكيف يقيّم هذا الدور اليوم، وماهو شكل علاقته بالأجيال الجديدة. يرى قاسم: "لا أتفق مع "خلجنة" التجربة الأدبية عموماً، كما أنني، منذ بدأت، لم أتصرف إلا بكوني كاتباً عربياً في الأفق الإنساني. وأظن أن صبحي حديدي يدرك هذا دائماً ويشير إليه. أتميّز في تجربتي بعلاقتي الحميمة مع شباب الأجيال الجديدة، ولا أرى نفسي خارج الكتابة الشعرية الجديدة، ولا بعيداً منها. ثمة حوار جوهري مع الشباب يمنحني قدرة على رؤية ما يفوتني وحدي".

في حيثيات فوز قاسم حداد بالجائزة إشارة إلى أمرين مهمين، الأول الطابع الدرامي في قصائده والثاني اتكاؤها على المرويات الشعبية، وظني أن شعره بعد سنوات العيش في أوروبا وربما قبلها وبعد الانفتاح على التجارب الشعرية العالمية، مضى  في اتجاه آخر، وكأن هذا، وبمعنى آخر غيّر من نظرته للكتابة وراح معها إلى مسار مختلف بفضل هذه الجغرافيا البديلة. يقول حداد في هذا الصدد: "تنوع الشكل الفني والنظرة الحرة للتراث هما ما يتصل بالأمرين اللذين أشارت إليهما حيثيات الفوز من كلام تقرير اللجنة. وتجربتي في أوروبا منحتني الفرصة الكاملة للتأمل والاستغراق في ما أكتب. أعتقد أن التقدم في السن والتجربة يجعلان الشاعر أكثر وعياً وصرامة وشكاً في ما يكتب".

قال حداد لي مرة إنه يتعامل مع الكتابة بصرامة أشد مما بدأ، فهل تكريسه جعله أكثر حرصاً وأقل رغبة في المغامرة، ما يعني أنه بلغ مرحلة الحفاظ في نصه. يقول: "ربما كنت صارماً مع كتابتي قبل الجوائز. الأمر الذي يدفعني إلى اكتشاف ما يصقله الوقت والتجربة، بدرجة تجعل المغامرة جزءاً من النجاة، بحسب النفّري".

 "الشعر هو الجمال " كان هذا تعريف حداد الدائم للشعر، والآن يبدو أن كتابته مالت كثيراً نحو النثر الخالص بعدما كان "نثرا ماثلاً". يرى الشاعر : "قلت، أكثر من مرة، إن الشعر هو الشرط الجوهري للكتابة، لكتابتي على الأقل. حتى أنني لا أكتب جملة من دون أن تكون صادرة من ذلك الجوهر. عندي أن الشعر أولاً. ولهذا شكرتُ الشعر قبل الجميع".

حين بد أقاسم حداد الكتابة كان هناك آباء شعريون من شعراء الخمسينيات والستينيات، لكنّ اكتشاف أدونيس ربما مثل له "عتبة" أكبر وأهم، حتى أن البعض يرى أنه تأثر به كثيراً ، بينما يرى حداد في تجربته أرثاً عاماً. يتحدث قاسم عن الآباء الشعريين الذين سبقوا تجربته وعن نظرته إليهم ولا سيما أدونيس قائلاً : "عندي، أن الشعراء الذين أحببتهم واتصلتْ بهم تجربتي منحوني طاقة بالغة الأهمية في خطواتي الأولى، وهم الأساتذة المبكرون، نزار قباني، السياب، عبدالوهاب البياتي، صلاح عبد الصبور، أحمد عبدالمعطي حجازي، وخليل حاوي، وأدونيس، وغيرهم، كما أنني تعلمت من الأجيال اللاحقة والجديدة كثيراً. والحق إنني وجدت في الجديد درساً لا يقل أهمية عما سبقه. أدونيس يظل الشاعر الذي علًمني عنصريً الحرية والجمال في الشعر، وما زلت أتعلم منه بوصفه درس الشعر الدائم. وأحب أن أعتقد بأن شاعراً عربياً لايقرأ تجربة أدونيس الشعرية ينقصه الكثير من المعرفة".

الجغراقيا الصغيرة

أما عن الشعراء الذين بدأوا معه، أو مجايليه، ومن منهم يشعر بأنه يكتب شعراً جديداً الآن، يقول: "ليس على التعيين، أرى تجربتي في سياق الشعرية العربية أكثر حيوية من جغرافيا المكان الصغير، لذلك أشعر بأن ثمة حواراً عميقاً يمكن تلمسه في تجارب متباعدة جغرافياً، متقاربة ومتجاورة فنياً. ربما يرى النقد الأدبي بوضوح أكثر مني في هذا الشأن. ويمكن القول، ببعض القلق، أن معظم الذين بدأوا معي في تجربة التجديد اصطدموا بالمعوقات الثقافية المهيمنة، وبعضهم وقع في خيارات حياتية وفكرية أخرى، ويبقى الذين، من الأجيال اللاحقة، يرى، في ما رأيناه مبكراً، بعض الضوء البعيد، فيواصل معنا الذهاب نحو الأفق متحرراً من الأوهام التي عرفتنا في البدايات. ثمة شروط يتضاعف حضورها في تجربة الشعر الجديد، ونحتاج إلى قدر أكبر من الثقة في الأساطير التي تتحدى مخيلتنا. عليك أن تتحلى بسعة القلب لكي تكتشف الجمر في الرماد.

يقول قاسم حداد إن مهابة الشعر لا تنشأ من غموض ما، فمن أين تأتي الآن مهابة الشعر والبعض يرى أن الزمن لم يعد زمناً للشعر. يجيب قائلاً: "لست من القائلين بموسمية الشعر، أو انحساره. فنون التعبير ليست في حلبة سباق. نظل بحاجة للشعر كما الفنون الأخرى. ومهابة الشعر تصدر من حاجة الإنسان للشعر في شتى أشكال التعبير، كما أن الغموض الجميل هو العنصر الجامع الحاضر في الفنون جميعها. الشعر دائماً هو الموهبة والمعرفة في آن، وظني أن هذا العصر يجعل من المعرفة ريش الجناح الأهم".

يبدو واضحاً أن سيرة قاسم الذاتية كانت مرايا في بعض نصوصه منذ "ليس بهذا الشكل" مرورواً بـ "ورشة الأمل" و"عزلة الملكات" وصولاً إلى "أيها الفحم يا سيدي" الذي استعمل فيه الرسام فان غوخ قناعاً كما فعل مع طرفة بن العبد، قبله، ومع ذلك لم يكتب سيرة ذاتية خالصة. يقول في هذا الشأن: "أشعر بأنني لا أحسن الكتابة عن سيرتي بالصورة المتوقعة. حتى كتاب "ورشة الأمل" كتبته في مقالات منفصلة متباعدة، تكشفها الأجواء اللغوية والأساليب المختلفة في الكتاب. وظني أن السيرة الشخصية، كما تشير أنت، يمكن مصادفتها في غير كتاب من كتبي، وهذا يكفي. كما أنني لن أتفق معك بأنني استعملت "فان غوخ" قناعاً. لا أفهم الأمر بهذا الشكل، لقد كنتُ فان غوخ، وكان هو قاسم حداد، بلا أقنعة".

في كل ما كتب هناك رغبة دائمة في تجنب خبرة السجن والعمل السياسي وكأن قاسم راغب في إبراز هذه الفجوة وليس تجاوزها. يتحدث عن هذه التجربة قائلاً: "ليست فجوة، ذلك يتصل بعدم رغبتي في الوقوع في أوهام الحديث عن النفس فقط. كلما لاحظتُ الصيغة الاستعراضية التي يكتبها الكثيرون، أعرف فشلي في ذلك. ثم إذا كانت النصوص قد فشلتْ في التعبير عن تلك التجربة بلا خطابات، فلا جدوى من المحاولة. كما أن الكاتب، أي كاتب، ليس وحده من عرف الاعتقال والسجون، العرب قاطبة يرزحون في سجونهم".

قاسم حداد مولع بإنجاز مختارات من شعره، وفي كل مرة يزيح نصوصاً كأنه لا يراها. كيف ينظر إلى تجربته وهل يراجع أفكاره عند كل مرحلة؟ أسأله فيجيب: "  لستُ مولعاً بإنجاز المختارات، لكنني لا أتفادى الفكرة كلما واتت.المختارات اجتهادات يقوم بها الآخرون، تكون لي بمثابة عمل نقدي غير معلن. وهو يهمني كثيراً. والمختارات خيار يقترحه الناشرون، ويميل إليه القراء ويحتاجه النقاد.

بعد عامين من غياب موقع "جهة الشعر" هل يشعر قاسم  بالخذلان أم أن التجربة أنجزت ما كان ينبغي لها أن تنجزه ؟ يقول: "موقع "جهة الشعر" أدى دوره مدة 22 عاماً، وهو عمر افتراضي يتوجب الاعتراف به. لا يخذلني أحد، لأنني لا أتكئ على أحد. ثم إن عدداً كبيراً من المواقع صارت الآن تقوم بدور "جهة الشعر" وأكثر. كما أنني تعبت فعلاً".

قصيدة الشذرات

في كتب قاسم الأخيرة يبرز تقطير أكثر للنصوص وميل واضح باتجاه كتابة الشذرات وليس القصائد الطويلة، وقد أصدر كتاب الشذرات أخيراً. فهل هو أثر العيش في الخارج والرغبة في اصطياد اللحظات العصية على الكتابة ؟ يقول: "تجربة كتابة الشذرات بدأت منذ سنوات. الكتاب الأول كان "الغزالة يوم الأحد" صدر عام 2010 عن دار الغاوون. ثم كتاب "سماء عليلة"، وكتاب "مثل وردةٍ تقلّد عطراً". ثم "لا تصقل أصفادك" الذي جمع الكتب السابقة في كتاب واحد. وهي كلها كتب صدرت أثناء كتابتي وعملي في مشاريع أخرى. فكل نص يولد في شكل كما يحلو له".

كتابه الأحدث "موسيقى الكتابة" وسبقه "تعديل في موسيقى الحجرة"، يبدو كأنه مناجاة مع الشعر أو إجابة عن أسئلة طرحها على نفسه مع الشعر. وكأنها تشمل تصوره النظري عن الشعر ومنابعه وراؤه كما خبرها. يقول: "نزوعي إلى الموسيقى صادر من ولعي بالإيقاع في اللغة قبل الشعر، ومعرفتي بأن الموسيقى هي العنصر المكون والمتحول في الكتابة عموماً، وليس الشعر فقط. تلك أسئلة رافقتني منذ سنواتي الأولى في الكتابة الشعرية، وظني أن الخضوع لوهم تجريد الشعر من الموسيقى، متمثلاً في الخروج عن بحور الخليل والتفعيلة، هو تفريط فادح في جماليات متاحة في اللغة، وضرورية للشعر بخاصة والكتابة عموماً. وأن الخليل بن أحمد والأخفش إنما صدرا عن مكونات أساسية في اللغة العربية فيما يكتشفان بحور الشعر ويشتغلان على التنظير لها. من هنا أميل إلى المزيد من معرفة عبقريات اللغة لاكتشاف جمالياتها من أجل إغناء الشعر، فيما نتحرر من سلطات قيوده الموروثة، ونضع الكتابة العربية في مهب حرياتها".

يرى قاسم أن الشاعر العربي يعاني فقراً في تربيته البصرية وضموراً في التفلسف انعكس على واقع القصيدة العربية اليوم. ويبرر هذا القول: " نحن ضحية أوهام تراثية عملت على حجب المتعة البصرية في ثقافتنا، بسبب المحرمات المتصلة بالصورة والتصوير في الثقافة العربية. وقد أدى هذا، في اعتقادي، إلى ضمور الحاسة البصرية، ما أدى إلى تعطيل واحدة من أهم الحواس الإبداعيةً في الإنتاج الثقافي والفني في الثقافة. ففي حين اعتبر العالم أن القرن العشرين، مثلاً، هو قرن الصورة، نجد أنفسنا محاصرين بمحاذير التجسيد وكبح نزوعنا الإبداعي نحو الفنون البصرية جميعها. والحق أن هذا سوف يحرم المبدعين العرب من الانطلاق بنشاط المخيلة الفنية، فمن الطبيعي أن تكون الثروة البصرية المادية هي مصدر توليد الصورة الفنية في الشعر والأدب. وظني أن ذلك التحريم قد أسهم في تعطيل النمو الطبيعي لحركات التجديد الأدبية نتيجة لفقر الحاسة البصرية وبالتالي أدى إلى تخلف نشاط المخيلة الفنية لدى الشاعر والكاتب، وهو ما تحتاجه حركات الحداثة الأدبية".

المزيد من ثقافة