Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دروس قرطبة "زينة العالم" في التسامح

ثمانية قرون من التعايش الإسلامي المسيحي اليهودي تفصّلها ماريا روزا مينوكال في كتاب موثق

تمثل قرطبة الأندلسية مثالا للتعايش بين أبناء الديانات الثلاث (غيتي)

العنوان "زينة العالم" استعارة للوصف الذي أطلقته الراهبة الشاعرة السكسونية الالمانية هروتويثا (935 – 973م) على قرطبة الأندلسية لتصف به جمالها ورقي ثقافتها. وطبيعي أن يبدأ هذا الكتاب (المطعّم بالخرائط والصور) بتأسيس الاندلس (ايبيريا الإسلامية في أراضي اسبانيا والبرتغال اليوم) سنة 755م على يد الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (الداخل / صقر قريش) الذي وصل هاربا من بطش العباسيين في دمشق مع جيش صغير من القادة العرب السوريين وجنودهم من بربر شمال افريقيا. ثم يمر بنا الكتاب الى اتخاذ عبد الرحمن من قرطبة عاصمة له وإعلانها مقعد الخلافة رغم وجود بغداد عاصمة العباسيين الجديدة على الطرف الآخر من الرقعة العربية وسيطرتها الكاملة على الامبراطورية الإسلامية عدا الاندلس.

لقطات

في كتابها هذا لا تتناول المؤلفة المؤرخة، ماريا روزا مينوكال، إسبانيا العصور الوسطى من منظور الأحداث السياسية (إلا لما يخدم غرضها)، وإنما جمعت "لقطات" صغيرة من الحياة الاجتماعية - الثقافية تتفاوت في أزمنها وأمكنتها لتعكس هذا الوضع على تعدد الذين جلسوا على كرسي السلطة الأندلسية. وكل هذا سعي لإثبات أن تاريخ هذه الحضارة ليس كما حكاه المؤرخون الغربيون بالضبط.

المجتمع الأندلسي تحت حكم المسلمين كان يستند أيضا الى دعامتين رئيسيتين يتمثلان في المسيحيين واليهود

وهي لقطات تفند، على سبيل المثال، الزعم القائل إن المسيحيين أمضوا قرابة ثمانية قرون هي عمر الاندلس وهم يحاولون طرد المسلمين من اسبانيا. فالكتاب - كما يتضح من عنوانه - مخصص بأكمله لإلقاء الضوء على أن المجتمع الأندلسي تحت حكم المسلمين كان يستند أيضا الى دعامتين رئيسيتين يتمثلان في المسيحيين واليهود، بحيث يصح القول إن الأندلس كانت نتاجا للثقافات الثلاث الإسلامية والمسيحية واليهودية. ويكفي أن يهوديا (حسداي بن شبروت مهندس عصر اليهود الذهبي في الأندلس) كان "وزير الخارجية" ومبعوث المهمات الخاصة من لدن البلاط الأندلسي الى العالم، مثلما كان شموئيل بن نغريلة، كبير وزراء طائفة غرناطة، من أبرز رجال الحكومة المركزية.

وعلى ذكر عصر اليهود الذهبي تقول المؤلفة إنه تأتى بسبب رغبتهم واستعدادهم للاندماج في المجتمع المسلم. وكان هذا نفسه ناتج علمهم أن الاندماج في المجتمع الإسلامي لا يعني فقدانهم هويتهم وعقيدتهم وثقافتهم كيهود، وإنما يضمن صونها داخل الإطار الأندلسي الكبير متعدد العناصر.

والكتاب في مجمله رد على النظرة الغربية السائدة للإسلام، التي تتلخص في أن هذا الدين كتلة أحادية جامدة لا تؤثر على غيرها من الثقافات ولا تتأثر بها، وتفتقر بالكامل الى مفهومي التسامح والتعايش السلمي. والواقع أن نشر الكتاب جاء في وقت الحاجة بعدما صار المسلمون (في أعقاب 11/9) موسومين بالإرهاب والعدائية القاتلة لكل من خالف ملّتهم، وهو أمر سلط الإعلام الغربي أضواء ساطعة عليه (وساهمت في تغذيته الجماعات الإصولية الإسلامية) حتى أصبح الخوف المَرَضي من الإسلام (الإسلاموفوبيا) أحد أبرز سمات هذا العصر الحديث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

المسجد والنخلة

بالطبع، يصعب الحديث عن الاندلس بدون ذكر مسجد (كاتدرائية) قرطبة الذي اشترى عبد الرحمن نصفه الكنسي وأقام فيه جامعه الكبير على الطراز الدمشقي ليعكس حنينه لوطنه المفقود، واعتبره أكبر إنجازاته رغم نجاحاته العسكرية والاقتصادية والاجتماعية وتأسيسه دولة إسلامية في جسد أوروبا المسيحية، وتأسيسه ايضا أكبر مكتبة في اوروبا (40 ألف كتاب) عندما كانت بقية القارة متخلفة علميا وأدبيا. ولا تنسى الكاتبة المرور بما تعتبره قصيدة تشطر القلب اختطها يد الأمير سماها "النخلة" تأكيدا على لوعته إزاء ماضيه. ولا غرو فقد أمضى بقية أيامه في الرصافة (الاندلسية) بين نخيل حديقته حتى مماته في 788م.

"تبدت لنا وسط الرصافة نخلة

تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فقلت شبيهي في التغرب والنوى

وطول التنائي عن بني وعن أهلي

نشأت بأرض أنت فيها غريبة

فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي

سقتك غوادي المزن من صوبها الذي

يسح ويستمري السماكين بالوبل"

غناء بلسان وصلاة بلسان

تجد في هذا الكتاب أن عدة ظروف وأوضاع ساهمت في التئام اللحمة الأندلسية الثلاثية الهوية. وخذ، على سبيل المثال زواج عبد الرحمن الناصر (ثامن الخلفاء) من أميرتين مسيحيتين (وكانت خلافته من نصيب ابنه من إحداهما وهي عابدة التي دخلت طوعا في الإسلام). وخذ أيضا دور الترجمة التي تأتت من نهم عميق لفكريات العالم خلف جدران الأندلس. فنقرأ: "بالنسبة للأندلسي، كان العالم المعرَّب عالم حضارة ونور... لأنه العالم الذي كان المرء يقرأ فيه أرسطو وبقية المؤلفات الاغريقية". لا غرو إذن إذا اعتبرت هذه الرقعة من اوروبا منارة للعلم بينما كانت بقية القارة تتخبط في الظلام.

ومع ذلك فربما كانت اللغة العربية هي أكبر البوتقات التي انصهرت فيها هويات الأديان الثلاثة لتجعل من الاندلس ما صارت اليه. وتنقل الكاتبة عن المؤرخ بول ألفاروس (منتصف القرن 18) قوله إن الشباب الاندلسي كان يضع العربية في مرتبة تعلو كثيرا على اللاتينية. وبلغ من شغفه بالعربية انك كنت تجد إزاء كل شخص يكتب باللاتينية ألفاً يكتبون بالعربية، وأن درجة استيعابهم لهذه اللغة وصل في احايين كثيرة الى نسيان لغتهم الأصلية، بل انهم برعوا في الشعر حتى صاروا ينظمونه أفضل من العرب أنفسهم. ولهدا اكتسب مسيحيو الأندلس لقب Mozárabes المشتق من العربية ويعني "المستعربون" (تغيرت الى Arabista بعد زوال الحكم الإسلامي في 1492 وتعنى "العارف بالعربية وما اتصل بها من عقيدة وثقافة").

طوق الحمامة

هل يكتمل كتاب عن الأندلس بدون ذكر طوق الحمامة (أحد أشهر كتب العرب) لابن حزم في فلسفة الحب؟ ليس عندما تكتبه ماريا روزا مينوكال. فقد خصصت له فصلا جاء فيه أن هذا الكتاب يتعدى سطوره في الغرام ليصبح تورية لحال العصر ومرآة لمزاج المجتمع العام لأن الحب، والحديث عنه، لا يتأتيان فىي غياب التسامح.

ورغم أن ابن حزم مات وفي نفسه حسرة، غاضبا إزاء كل من وما كان حوله بسبب ما اعتبره تفتتا (كما حدث في عهد الطوائف) وضياعا للتراث، فقد ظلت الثقافة الأندلسية قائمة وما كان يدعو اليه حيا، كما تقول المؤلفة، ولكن بشكل ربما كان غريبا على ابن حزم نفسه. لكنه، في آخر المطاف، كان تلبية لمتطلبات عصر جديد كان من بين العديد مما شهده مولد قصائد الغرام العبرية الخارجة من رحم العربية.

 

لماذا كان التسامح؟

وفقا للكاتبة فقد ساد التسامح الديني الأندلس لعوامل عدة منها التزام الحكام المسلمين بحماية حقوق أهل الذمة. فالأندلس نفسها قامت نتيجة لـ"انقلاب" في دمشق، وكان على حكامها التحلي بسعة الصدر واتساع الافق الثقافي وإرخاء الحبل إن كان لهم الجلوس على رأس مجتمع متنافر العناصر في أرض أجنبية.

المسلمون والمسيحيون واليهود لم تكن لهم ثقافات دينية قائمة بذاتها متقوقعة داخل حدودها الخاصة وإنما كانوا جميعا جزءا من ثقافة أوسع حوت داخلها عناصر من تقاليد الأديان السماوية الثلاثة

على ان الأهم من ذلك، كما تقول، هو أن المسلمين والمسيحيين واليهود لم تكن لهم ثقافات دينية قائمة بذاتها متقوقعة داخل حدودها الخاصة وإنما كانوا جميعا جزءا من ثقافة أوسع حوت داخلها عناصر من تقاليد الأديان السماوية الثلاثة. وهكذا صار من السهل على المسلم والمسيحي واليهودي الانتماء اليها والشعور بأنها ليست غريبة عليه كونها لا تتضارب مع معتقداته وتوجهاته وأن بوسعه المساهة في تعزيز تدفقها لأن في هذا تعزيزا لمكانته هو. وعلى سبيل المثال لم تكن كتابة الشعر العربي حكرا على العربي المسلم وإنما خيار المتعلّم بغض النظر عن دينه. وعندما شيّد اليهود كنسهم في طليطلية، اتبعوا فيه زينة حدوة الحصان المعمارية في الجامع الكبير في قرطبة... وهذه الأخيرة نفسها كانت استعارة من المعمار القوطي الجرماني المسيحي.

أسفار عبر الزمن

ما يتميز به هذا الكتاب (المترجم الى مختلف اللغات الرئيسية) هو أحداثه التي أوردتها الكاتبة وكأنها توظف ماكينة للسفر عبر الزمن، بنتيجة أقرب ما تكون الى الفيلم السينمائي. والواضح أنها ليست من متمكنة من موضوعها بكل دواخله وحسب، وإنما مدركة أيضا لمواعينه التاريخية والجغرافية والثقافية مضافة الى العقليات التي أنتجت أو تلقت الكيان الأندلسي سواء كانت غربية أو شرقية... إسلامية أو مسيحية أو يهودية.

ونحن لسنا حبيسي هذا القفص إذ نخرج منه الى الثقافة الرومانية والاغريقية ونلم بما حدث نتيجة الغزوات القرطبية، وعندما آلت المنارة الفكرية في أوروبا لباريس بعد طليطلية ومن قبلها قرطبة، والتأثير على والتأثر بالثقافات القريبة والبعيدة ... إلى آخره. وصحيح ان هذا كتاب يتخذ من التاريخ مادة له. لكنه كُتب بما يكفي من المعرفة والحب والمهارة الأدبية لأن يضخ الدم في عروقه وبحيث ينقلك لتقف وجها لوجه أمام شخوصه وأحداثه، وهذا اسلوب في الكتابة لا يتوفر الا لقلة من المؤرخين.

والإحساس الذي ينتاب القارئ عندما يأتي الى ختام هذا الكتاب خليط من الدهشة والفرح إزاء نوع السلام الذي حل على الأندلس كبوتقة واحدة للديانات الابراهيمية في وقت نطلق عليه (خطأً) اسم "عصور الظلام"، والمرارة والحزن إزاء تفرق الناس وتناحرهم لأسباب عقائدية في عصر يفترض - بكل تقدمه التكنولوجي - أن يكون أفضل من كل عصر سبقه.

وهذا كتاب نوصي به خصوصا للقارئ المسلم الذي تقف معرفته بالأندلس - في حالات عديدة - في حدود أنها كانت دولة إسلامية في أوروبا المسيحية. فثمة كنوز لا تقدر بثمن في انتظاره إذا اختار السفر في رحلة مدهشة بين دفتي هذا العمل القيّم.

عن الكاتبة

ماريا روزا مينوكال (1953 – 2012) أمريكية - كوبية متخصصة في تاريخ العصور الوسطى، أمضت حياتها المهنية في التدريس بجامعتي ييل وبنسلفانيا. وبالإضافة الى "زينة العالم" المترجم الى عدة لغات، كانت محررة مشاركة في "الأدب الأندلسي" الصادر ضمن سلسلة "تاريخ الأدب العربي" عن جامعة كيمبريدج البريطانية. وبلغ عدد منشوراتها الرئيسية ثمانية، نصفها عن الأندلس والعنصر الإسلامي في تاريخ العصور الوسطى الأدبي.

 

الكتاب: زينة العالم: كيف خلق المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة تسامح في اسبانيا العصور الوسطى

The Ornament of the World: How Muslims, Jews, and Christians Created a Culture of Tolerance in Medieval Spain

المؤلفة: ماريا روزا مينوكال

الناشر: ليتيل، براون آند كومباني

344 صفحة

المزيد من كتب