احتفالية عربية تواكب رحلة الموشح... من الأندلس إلى الشام

محاضرات وامسيات موسيقية وغنائية تسترجع ابرز محطات هذا الفن

من جو الاحتفالية الاندلسية في دمشق (اندبندنت عربية)

 مرت سنوات الحرب الطويلة قبل أن تشهد دمشق احتفالية موسيقية كالتي شهدتها على مدار اليومين الفائتين، والتي حملت عنوان "رحلة الموشّح من الأندلس إلى الشام" وجاءت على قسمين: اليوم الأول اختص بندوة دولية موسّعة في قاعة المتنبي في فندق "الداما روز" وشارك فيها كل من الباحث سعد الله آغا القلعة (سوريا)، والباحثتين والمغنيتين غادة شبير (لبنان) وسميرة القادري (المغرب).

هذا الفضاء الثقافي فتح الباب واسعاً على سجالات عديدة حول نشأة فن الموشّح، والتي أعادها البحاثة آغا القلعة إلى تكامل الوعي الجمعي الجمالي والفني بين فنون العمارة والموسيقى والشِّعر والإيقاع، فهذه العناصر تفاعلت مع بعضها بعضاً ضمن قالب الموشّحات، وما يدلل على ذلك أن فن الأرابيسك الذي يستخدم التكرار والتنوع كما في واجهة قصر الحمراء في غرناطة، يتوافق مع ما جاء في كتاب "الموسيقى الكبير" للفارابي، والذي يشرح كيف تتشكل الإيقاعات الثنائية والثلاثية والخماسية، وكيف عبر تناوب هذه الأوزان وتكرارها؛ نصل إلى عدد لانهائي من التشكيلات الإيقاعية، تبعاً لترتيبها وتكرارها وإعادة تناوبها.

شرح آغا القلعة الشيق أعقبه تفنيده لنظريات نشأة فن الموشّح، معرّفاً إياه بالفن الشعري ذي الأبعاد الهندسية، وهي أشعار منعتقة من بحور الشعر الخليلية المعروفة، إذ إن عَروضها التلحين وإيقاعها الغناء، فالوشّاح ليس موسيقياً، حيث نشأ فن الموشّح كما تقول النظرية الإسبانية في الأندلس بناء على ما قاله ابن خلدون إن الشعراء العرب عندما عاشوا في تلك البلاد؛ أصبحت لديهم حرية، ودعمهم في ذلك الماء والخضرة والوجه الحسن، أضف إلى عاملي الاستقرار السياسي، وإعلاء قيم التسامح بين الأديان مع بداية القرن التاسع الميلادي، وهي الفترة التي شهدت صعود نجم زرياب قادماً بخبرة موسيقيي بغداد ودمشق، ليحدث نهضةً موسيقيةً كبيرة في الأندلس، ناهلاً من معين الموسيقى الأموية، فأنشأ وقتذاك ما سمي فن "النوبة الأندلسية" الإرهاصات الأولى لنشوء فن الموشح في كل من تونس والمغرب والجزائر، فيما ذهب القلعة في النظرية الثالثة حول نشوء هذا الفن بأن "الموشّح" مقتبس من أغاني التروبادور الإسبانية، بينما أكدت النظرية الرابعة حول جذور هذا الفن بأنها مشرقية من الشام والعراق، مستشهدةً بكتاب الأغاني، وما جاء فيه من ذكر للنظم الذي مارسه أبو العتاهية في هجاء هارون الرشيد، عندما نظم الشاعر على إيقاع أغنيات سائقي القوارب في نهر دجلة، وكانت أغنيات يرددها الصيادون باللهجة العامية، إلا أن أبا العتاهية نظم عليها باللغة العربية الفصحى، ما يقارب فن الموشّحات، أضف إلى ما نظمته الخنساء في رثاء أخيها صخر، وما كتبه ديك الجن الحمصي، خصوصاً في ممارسته فن التصميت، أو ما عرفناه من أشعار ابن المعتز كما في قصيدته الشهيرة التي يقول مطلعها: "أيها الساقي إليكَ المُشتكى... قد دعوناكَ وإن لم تسمعِ".

المغنية والباحثة المغربية سميرة القادري أثارت نقاشاً مختلفاً في ذهابها نحو دراسة فن الموشّح ونشأته على أنه نوع من التآلف بين ثقافات المسلمين واليهود والمسيحيين في الأندلس، وذلك عبر بحثها في دار "المدنيات" بقرطبة عن أصول الغناء المورسكي، وأغاني التروبادور، وكيف كانت هذه المقطوعات تمهيداً للغناء الأوبرالي في إيطاليا وجنوب فرنسا، وكيف أسهمت فيه النساء عبر حقهنّ في كتابة شعر غزلي بالرجال من باب المساواة معهم، حيث جاءت قصائد تلك النساء القيان في الحب العذري وتصعيداً للشهوة والطهرانية، وتقديساً لمعاني الحب المعافى من تباريح الشهوة.

المغنية والباحثة اللبنانية غادة شبير قالت إن الموشّح خرج عن قواعد العَروض العربية، فهو شعر مكسور لا يجبر إلا بالتلحين، وتابعت مستشهدةً بما طوره الأخوان الرحباني على هذا الفن، وذلك عبر إدخال الموال على بنية الموشّحات سواء في مقدمه أو وسطه أو آخره، أو ما عُرف بالموشّح المقطعي، فمنه ما جاء متوافقاً مع اللحن، كما هو الحال في موشّح "بالذي أسكر من عرق اللمى" فالرحابنة -برأي الدكتورة شبير- كانوا بحاجة إلى شكل الموشّح كي يقدموه على المسرح في حفلاتهم، فوضعوا له مقدمات موسيقية كما في موشّح "بروحي تلك الأرض" وأضافوا عليه الحوارية كما كان الحال بالموشحات التي أنشدها كل من السيدة فيروز والراحل وديع الصافي.

تابعت المغنية شبير شرحها للتطوير الذي تعرض له فن الموشّح على يدي الأخوين رحباني، عندما أدخلوا عليه صوت المرأة، بعد أن كان فناً مقتصراً على أصوات الرجال كما هو الحال الذي ما زال سائداً في حلب حتى اليوم، كما حرص الرحابنة على عدم إدخال مفردات تركية أو فارسية على الموشّح، أو مفردات عامية، على عكس ما فعله سيد درويش في مصر، أضف أن كلاً من عاصي ومنصور جعلوا الموشّح كالقصيدة، فوزعوه ليكون صالحاً للأداء مع الأوركسترا لكن مع الحفاظ على الميلودي (الصوت الواحد) كما في "أرجعي يا ألف ليلة" وبهذا جعلوه معاصراً ومقبولاً للسمع للأجيال القادمة، بعيداً عما يسمى "العفقات" و"القفلات" الحرّاقة والحاسمة، ليستعيضوا بدلاً منها بالتلوين كما في موشّح "بلّغه يا قمرُ" وصولاً إلى التعبير بالغناء بدلاً من التطريب؛ متأثرين بأسلوب سيد درويش، مستبدلين بنية التخت الشرقي (قانون ورِق) بآلات غربية من مثل البيانو والترومبون، وليصبح الأداء الجماعي مختصاً بأصوات نسائية ورجولية، بدلاً مما يصطلح عليهم بـ "المذهبجية" أو من يختصون بترداد "المذهب" مع المطرب بين كل تبديل من  مقطعية "القفل" مروراً بما يسمى "الدور" إلى مقطعية "الخانة". القالب الكلاسيكي لغناء الموشّحات.

موشحات شاملة

اليوم الثاني من تظاهرة "رحلة الموشّح من الأندلس إلى الشام" التي نظمتها جمعية "عين الفنون" كان مع احتفالية غنائية وموسيقية كبرى بمشاركة مغنين ومغنيات وعازفين من كل من إسبانيا والمغرب والجزائر وتونس ولبنان وسورية. و شهد "قصر العظم" في قلب دمشق القديمة؛ برنامجاً كثيفاً كانت افتتاحيته مع قطعة موسيقية بعنوان "سيد درويش" من ألحان الفنان حسين سبسبي الذي قاد مجموعته "الفارابي الدمشقية" الفرقة التي أحيت هذا الحفل، مردفةً بأداء الفنان صفوان العابد لقصيدة ارتجالية وموشّح بعنوان "قلتُ لما غاب عني" لتعقبه الفنانة غادة شبير بأداء قصيدة ارتجالية وموشّح "يامن حوى ورد الرياض بخدِّه" بأداء عالٍ جاوزت فيه أستاذة الغناء الشرقي والنظريات الشرقية بجامعة الكسليك حدوداً جديدة في تقديم هذا النوع من الغناء الصعب، وبحساسية صوتية مغايرة ومُجددة على صعيد التلوين والزخرفة.

مغني المالوف الجزائريعباس ريغي أدهش بدوره الحضور الكثيف في قصر العظم بأدائه القوي لقصيدة غنائية ارتجالية، تلته سارة فرح (سوريا) بأدائها قصيدة الحلاج "والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت" من ألحان المايسترو طاهر مامللي، حيث قدمت المغنية والممثلة السورية تعشيقاً صوتياً، انسجم مع الفقرة التالية بأداء محرزية الطويل (تونس) لموشّح "يا غريب الدار" من ألحان وكلمات الموسيقار المصري فؤاد عبد المجيد، لتليها المغنية إليسيا مورالس (إسبانيا) والتي أدت مقطوعة فلامنكو بمرافقة مواطنها عازف الغيتار ألفارو مارتيني، منعشةً جسوراً بين موسيقى الغرب والشرق بمواءمتها بين الطرب الشرقي، وما يقابله عند الإسبان ويعرف بـ "الدوندي" أو الروح المبدع، في تآلف جديد من نوعه بين آلتي العود والغيتار كلاسيك، ليكون اللقاء بعدها بقصيدة أندلسية بعنوان "رحيق العشق" بصوت سميرة القادري (المغرب) الصوت الألماسي في تموجاته ودقته وقدرته على الزركشة الصوتية والتطريب؛ والانتقال السلس بين مقامات وقوالب لحنية مركبة، برعت فيه مغنية السوبرانو المغربية.   

الختام جاء أداءً جماعياً لقصيدة "لقد صار قلبي قابلاً كل صورةٍ" من أشعار محي الدين ابن عربي، وألحان طاهر مامللي، وبمشاركة من راقصي وراقصات فرقة "جلنار" بإدارة الفنان علي حمدان، وصولاً إلى أداء جماعي أيضاً لتنويعات على موشّح "لما بدا يتثنى" ليسدل الستار على الحفل مع أداء مقطوعة من التراث الأندلسي بعنوان "أعشق طفلة أندلسية" وبأداء جماعي لكل المشاركين في احتفالية بدت وكأنها نزهة المشتاق؛ لعالم تخيّله الشريف الإدريسي يوماً في خريطةٍ قامت عليها كل تصاوير عصر النهضة الأوروبية. الأندلس حلم المشرق بالمغرب، وقدرته الحضارية على جعل الموسيقى وتراً خامساً في عود زرياب، وجناحين لابن فرناس؛ جعلت الإنسان يفكر بمنطق الطير ويحاكيه، فيتخلص من مناخ الأرض الثقيل.  

وأتى اختيار "قصر العظم" المكان التاريخي لهذا النوع من الاحتفاليات الكبرى، تذكيراً بقصر الخضراء الشهير الذي حكم منه معاوية ابن سفيان الإمبراطورية الأموية، والذي بُني قصر العظم مكانه، كدلالة على رحلة الموشّح الحضارية منذ نشوء الدولة الأموية، وحاضرتها دمشق؛ عاصمة الأمويين الذين بنوا الأندلس مع هروب عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) إليها هرباً من بطش العباسيين، في عبوره نهر الفرات ورحلته عن دمشق، مروراً بمصر وشمال إفريقيا، وصولاً إلى غرناطة؛ مضى الشِّعر العربي في تغريبته الأموية، ليتوشح وينتظم في قدود الطقس والألفة، وينمو في دِربة الصنعة ولطف البيان، وليبني الدمشقيون مدينتهم "أندلوثيا" عمارةً لا كالعمران، وفكرة لا كالأفكار.

بهذا المعنى كان الموشح رحلةً للضوء مغتسلاً بالكلمة، ومنتعشاً بنشيدها العالي، مواظباً على مواكبة العمارة التي بناها الحرف، فاستقت منه ضياءها وفكرها الساطع حتى الآن على كل جامعات العالم المتحضر، من دمشق وحلب التي تنير بيوتاتُها شوارع الأندلس القديمة، فتحمل في أشجارها ونوافيرها ترجمان أشواق ابن عربي، وفصل المقال لابن رشد. نهض فن الموشّح ليكون كوكب الأغاني الذي لا تمسسه نار الحروب، ولا يبدده تقادم السنين، فناً دهرياً لا يزيده الزمن سوى حداثةً وقرباً من أذن المستمع وأنساً لقلبه، ففيه أشعار الأولين، وأرواح العشاق القدامى، ولوعة ابن زيدون بولاّدة بنت المستكفي، وفيه كل هذا الوهج النوراني الذي كتبه شعراء الشام وموسيقيوها بحبر قلوبهم ولهفتها، مع كل بزوغ شمس وغروبها،  لكن على الجانب الآخر من الماء. دمشق في عناق حضاري على طريق الموشّح نحو واجهة قصر الحمراء، وفي نزهة الشوق نحو الأندلس، بابها الثامن على المتوسط.

    

المزيد من فنون وأضواء