الرد الإيراني على مقتل سليماني حتمي

ليس للحكومة البريطانية تأثير يذكر على ما ستفعله واشنطن بعد ذلك، ولا على ما ستفعله إيران انتقاماً لمقتل قاسم سليماني

إيرانيون يرفعون أعلاما وسط طهران احتفالا بضرب صواريخ على قواعد أميركية في العراق8 يناير 2020 (رويترز) 

"قد لا تكون مهتماً بالحرب، لكن الحرب مهتمة بك."  هكذا حذّر ليون تروتسكي، وهذا هو موقف حلفاء أميركا وخصومها بعد مقتل قاسم سليماني.

لم تُخطر إدارة ترمب أياً من شركائها المقربين من الدول بأنها كانت على وشك قتل القائد الإيراني في هجوم صاروخي.

كان بوريس جونسون على ما يبدو غافلاً عما كان سيحدث أثناء استمتاعه بعطلته على شواطئ البحر الكاريبي، والظاهر أن "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وبريطانيا وصلته الشخصية المزعومة  هو مع دونالد ترمب لم تعنيا شيئاً. ولذلك، لم يكن هناك رفع فوري لمستوى التأهب الأمني الخاص بالقوات البريطانية في المنطقة، والتي تعمل بشكل وثيق مع الأميركيين في بعض الأماكن، أو بمواطنين بريطانيين آخرين في المنطقة.

نشرت وزارة الخارجية في اليوم التالي نصائحها المعتادة بشأن السفر، مُحذرةً البريطانيين من الذهاب إلى العراق وإيران. من جهة أخرى، لم يَصدُر رد ُّ المملكة المتحدة الرسمي على التصعيد الأخطر في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة عن رئيس الوزراء، الذي لا يزال في موستيك بالبحر الكاريبي، بل  جاء من دومينيك راب.

حثّ وزير الخارجية جميع الأطراف على التزام الهدوء، قائلاً إن "المزيد من الصراع لا يخدم مصالحنا". وفي الواقع، إن ما يحدث الآن هو خارج سيطرة لندن. ليس لها تأثير يذكر على ما ستفعله واشنطن بعد ذلك، ولا على ما ستفعله إيران انتقاماً لمقتل سليماني.

إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف ومتى سيأتي ردّ ايران، وكم ستجرّ وقائعه  من الدول الأخرى إلى أتون الصراع. ومن الممكن اعتبار تلك الدول التي تقف علناً إلى جانب الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران أهدافاً مشروعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 لهذا الموقف أبعاد مختلفة. من ناحية، لا يوجد ما يوحي بأن بريطانيا وافقت على مقتل سليماني. وفي الواقع، لقد دافعت هذه الدولة، إلى جانب فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، عن الاتفاق بين إيران والقوى الدولية بشأن برنامج طهران النووي فيما يحاول ترمب تخريبه.

لكن من ناحية أخرى، ثمة عبء التاريخ. وكما لاحظت أثناء عملي كمراسل صحافي في إيران، هناك إرث مظلم مستمدّ من قمع بريطانيا للقومية الإيرانية في الماضي. ولم تغب الذكريات المريرة حول الدور الذي لعبه "الشيطان الصغير" إلى جانب "الشيطان الأكبر" أميركا، لتنفيذ أفعال شنيعة مثل الانقلاب على حكومة محمد مصدق المنتخبة الذي قام به "جهاز الاستخبارات الخارجية" البريطاني (MI6) و "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (CIA) في خمسينيات القرن الماضي.

يعتبر مقتل اللواء سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بكل المقاييس عملا من أعمال الحرب.

كان أحد مبررات الهجوم المميت التي قدمتها إدارة ترمب هو مقتل مقاول أمني أميركي في هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية عراقية في كركوك. لنفكر إذاً فقط بما يمكن تبريره بهذا المنطق لو قَتل الإيرانيون رئيس هيئة الأركان المشتركة، وهو قائد الجيش الأميركي.

أعلن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أنّ "انتقاماً عنيفاً ينتظر المجرمين الذين تلطخت أيديهم بدمائه ودماء الشهداء الآخرين الليلة الماضية." تحتاج إيران إلى السعي للإنتقام، ليس فقط لأن عدم الرد سيُلحق بها الإهانة، ولكن لأن أعداءها من دول الخليج السنية سيرون في ذلك علامة ضعفٍ قد يستغلونها لشن عمل عسكري خاص بهم ضدها. علاوة على ذلك، فإن حماية أي دولة لقيادتها هي من المبادئ الأساسية المتعارف عليها.

ومع ذلك، فإن الانتقام عن طريق الحرب التقليدية أمر غير مرجح جداً. صحيح أن الجيش الإيراني أقوى بكثير من جيوش الدول الأخرى التي حاربتها الولايات المتحدة حديثاً، مثل ليبيا القذافي أو عراق صدام حسين أو أفغانستان في عهد طالبان.

لكن من الضروري وضع هذا التوصيف في سياقه، فميزانية الدفاع الأميركية أكبر بنسبة 50% من الاقتصاد الإيراني بأكمله، ففي إيران يبلغ إجمالي الناتج المحلي  454 مليار دولار (347 مليار جنيه إسترليني) والإنفاق العسكري 14.5 مليار دولار. وبالمقارنة، فإن الانفاق العسكري للسعودية هو 69.4 مليار دولار، وللإمارات 22.8 مليار دولار، ولإسرائيل 16.4 مليار دولار، ولتركيا 18.2 مليار دولار.

في غضون ذلك، أصبحت إيران مقربةً أكثر عسكرياً من روسيا والصين، وقد أجرت الدول الثلاث مناورات بحرية حظيت بدعاية مكثفة في الخليج الأسبوع الماضي. ولكن بالنظر إلى ما حدث مع ليبيا والعراق، لا يمكن للمرء أن يتوقع انخراط موسكو أو بكين في صراع عسكري مع الولايات المتحدة.

غير أن الحرب التقليدية ليست هي الطريقة الوحيدة لشن أعمال عدائية حديثة، إذ ينصبّ المزيد من التركيز اليوم على الحرب اللامتكافئة. وتعدّ القدرات السيبرانية جزءاُ مهماً للغاية من أسلحة هذه الحرب، ولدى إيران الإمكانية والاستعداد أيضاً لاستخدامها.

في عام 2012، اتُهمت إيران باستهداف بنوك وول ستريت بهجمات لحجب الخدمة، ما أدى إلى تعطيل مواقعها الالكترونية، وذلك رداً على العقوبات الأميركية. وفي عام 2015، حمّلت أنقرة طهران مسؤولية شن هجمات إلكترونية ضد شبكة الكهرباء التركية، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن 40 مليون شخص. وقبل عامين ايضاً، تعرضت عشرات الحسابات البرلمانية في المملكة المتحدة للاختراق في هجمات مرتبطة بإيران. وفي وقت سابق من هذا العام، اتُهمت طهران بقرصنة  بيانات عدد من الشركات الأميركية.

يشير سام كوري، وهو كبير موظفي الأمن في  شركة "سايبرإيزون" لأمن الكمبيوتر في الولايات المتحدة التي أسسها أعضاء سابقون في الجناح الالكتروني التابع للجيش الإسرائيلي، إلى أنه كما هو الحال مع أي نوع من أنواع الحرب اللامتكافئة، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم معرفة أين ستقع الضربة.

ولفت كوري إلى أن الإيرانيين "لن يبدأوا الآن في تطوير الهجمات التي سيشنُّوها، فهم قد طوروها سلفاً".  وأضاف أنها "ربما تكون الهجمات عسكرية، أو مدنية، فالمبادرة الآن هي في يد إيران لانتقاء أحد الخيارات المتاحة لها. هل سينتقمون بالمثل؟ أم هل سيوجهون رسالة تصعيدية؟ السؤال هو، ماذا وأين ومتى؟"

وعلى أي حال، فإن الحرب الإلكترونية بطبيعتها موجهة إلى أهداف مثل النظام المالي لا تؤثر بالضرورة على دولة بعينها. هكذا سيكون لضربة على بنك أميركي في مراكز تجارية كلندن أو فرانكفورت تأثير مضاعف على نطاق واسع ومدمر للغاية.

إن قدرات إيران ليست تقنية فحسب؛ إذ يمكنها دعوة الميليشيات المتحالفة معها، في لبنان واليمن والعراق وسوريا، لضرب أهداف أميركية وأهداف تابعة لشركائها في المنطقة. وستكون الميليشيات العراقية متحمسة بشكل خاص بالنظر إلى مقتل أبو مهدي المهندس، أحد كبار قادتها، مع سليماني في الغارة الأميركية. كما يمكن أن تطال الهجمات بسهولة قوات الدول الحليفة لأميركا، من بريطانيا ودول غربية أخرى.

سبق أن نفَّذت إيران، أو الجماعات التي تدعمها، عمليات سرية خارج المنطقة في دول في الأميركيتين وآسيا وأوروبا، بما في ذلك عمليات ضد المعارضين في بريطانيا. في عام 2011، أُحبط مخطط لتفجير السفير السعودي في واشنطن، وقالت الولايات المتحدة إنه "مخطط مميت تم بتوجيه من فصائل في الحكومة الإيرانية،" وهي المزاعم التي نفتها طهران معتبرة أنّ لا أساس لها من الصحة.

لنفترض أن هجمات قد نفذت ضد أهداف أميركية في لندن، فهل ستستطيع حكومة بوريس جونسون المنفصلة عن الاتحاد الأوروبي بعد تنفيذ بريكست والتوّاقة بشدة لإبرام صفقة تجارية مع الولايات المتحدة، أن تقاوم ضغط إدارة ترمب للقيام بعمل عقابي شديد ضد إيران؟ وماذا سيكون رد الفعل الإيراني على ذلك؟

لكن من المحتمل، طبعاً، أن تتراجع الولايات المتحدة وإيران، عكس التوقعات، عن شفير جولة أخرى من إراقة الدماء، رغم أنه من الصعب للغاية معرفة كيف يمكن أن يحصل ذلك. وليس من السهل أيضاً تصوُّر بقاء الدول الأخرى منفصلة في منأى عن أي ضرر في حال اندلاع  الفوضى وحين اندلاعها.

© The Independent

المزيد من تحلیل