ترمب يغير قواعد "الحرب بالوكالة" الإيرانية ... هل تنجرف طهران إلى الهاوية؟

إرسال تعزيزات عسكرية أميركية إلى المنطقة بدت تنذر بمواجهة بين البلدين المتخاصمين

كسب الوقت مراراً وتكرارا، هذه اللعبة التي أتقنتها إيران على مدى 30 عاما، عادت إليها بإعلانها الأربعاء الماضي التراجع عن احترام فقرتين من الاتفاق الدولي بشأن برنامجها النووي، من دون الانسحاب منه. يأتي ذلك بعد عام بالضبط من إدانة واشنطن نصّ الاتفاق. هل تعني هذه المناورة أن إيران تعمل لخروج كامل قد يأخذ وقتاً طويلاً وجلَداً على طريقة صانع السجّاد العجمي؟ أم أنها تحاول الضغط على الأطراف الدوليين لكبح جماح الولايات المتحدة المصمّمة على تغيير قواعد الاشتباك معها؟

الخارجية الأميركية أكدت على لسان أحد مسؤوليها لـ"إندبندنت عربية" أن "الرئيس دونالد ترمب وعد بأن الولايات المتحدة لن تكون أبداً رهينة للابتزاز النووي الإيراني"، وأضاف أن "إعلان طهران عزمها توسيع برنامجها النووي محاولة فاضحة لإبقاء العالم رهينة لديها"، وأكد أن "تهديدها بتجديد النشاط النووي الذي يمكن أن يقصّر الوقت لتطوير سلاح نووي يؤكد التحدي المستمر الذي يفرضه نظامها على السلام والأمن في جميع أنحاء العالم، لذلك ندعو المجتمع الدولي إلى محاسبة النظام الإيراني على تهديده بتوسيع برنامجه النووي".

لا خرق للاتفاق النووي

الخطوة التي اتخذتها إيران بقرارها عدم الحد من مخزون اليورانيوم منخفض التخصيب والماء الثقيل اعتباراً من الثامن من مايو (أيار)، لا تناقض الاتفاق النووي بإنتاج وتخزين ما يصل إلى 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بأقل من 3.67٪ (أقل بكثير من الحد الأدنى البالغ 90٪ للاستخدام العسكري)، و13 طناً من المياه الثقيلة، وهي مادة تُستخدم لتبريد المفاعلات النووية. وفيما دأبت "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" على القول منذ العام 2015 إن طهران تفي بالتزاماتها، حرص الرئيس حسن روحاني على التأكيد يوم الأربعاء أن الخطوة تأتي في إطار "اتفاق فيينا"، ففي خطاب بثه التلفزيون الحكومي قال "شعرنا بأن الاتفاق النووي يحتاج إلى جراحة وأن الرعاية الخاصة له خلال العام الماضي لم تكن مجدية"، ووصف العملية بأنها "إنقاذ للاتفاق، ولا تستهدف تدميره". (نصّ الاتفاق يسمح لإيران بأخذ هذه الانعطافة في حال عدم رفع العقوبات الدولية عنها).

الحرب مستبعدة

إذا، ما الذي يحصل في المنطقة، وإلى أين يمكن أن يقودها؟ رياض قهوجي، المؤسس والمدير التنفيذي لـ"مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري" (إينغما)، أوضح أن هناك مساراً تصاعدياً في الأزمة القائمة الآن بين الجانبين الأميركي والإيراني، "فالطرفان يسعيان إلى ممارسة جميع أنواع الضغوط المتاحة لتحقيق أهداف سياسية لا الدخول في حرب"، وأضاف أن "الإدارة الأميركية كانت قد أعلنت أن الاتفاق الدولي النووي المُوقّع مع إيران غير كافٍ، وترى أنه ينبغي أن يكون هناك اتفاق جديد أشمل، لا يقتصر على الحدّ من طموحات إيران النووية، بل يشمل الحدّ من برنامجها للصواريخ الباليستية، وكذلك التعامل مع سياساتها التوسعية في المنطقة، وهو ما ترفضه إيران"، ويعتبر قهوجي أن "ما تفعله طهران بالإعلان عن نيتها الانسحاب من الاتفاق النووي هو فرض ضغط على موقّعي الاتفاق النووي لدفعهم إلى معارضة الولايات المتحدة، وهي تتخذ اليوم خطوات لإثارة اللاعبين الآخرين في الاتفاق النووي".

الاستعانة بالموقّعين

بالفعل، كانت الخطوة الثانية من التصعيد الذي أعلنته طهران، إعطاء الدول المُوقّعة الأخرى على "الاتفاق النووي"، وهي روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، 60 يوماً "للوفاء بالتزاماتها التشغيلية ولا سيما في قطاعي النفط والبنوك"، وإلا، فإنها ستتخلى عن بنود أخرى من الاتفاق. وفي ذلك إشارة إلى الأوروبيين بوجوب الحفاظ على الحدّ الأدنى من التجارة معها، في ما يتعلق بالسلع التي يمكن أن تنجو من العقوبات المصرفية الأميركية ولكن ليس النفط. وبالمناسبة، هددت طهران بوقف ما تقوم به في مواجهة تهريب الهيروين إلى أوروبا من أفغانستان، وكذلك بفتح الطريق أمام المهاجرين من هذا البلد إلى القارة الخضراء. وتحادث الرئيس روحاني هاتفياً مع القيادة الصينية، داعمه الاقتصادي الرئيسي، لكنه بات ينظر إلى بكين على نحو متزايد على أنها من المشتركين الغائبين، فالصين لم تقدم له أي طلبية نفط لشهر مايو (أيار) الحالي.

روسيا تتمسك بالاتفاق

ماذا عن روسيا؟ هل تتحرك لتخفيض التوتر القائم؟ الدكتورة يليينا سوبونينا المستشارة في "معهد الدراسات الاستراتيجية"، المقرّب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أوضحت أن روسيا قلقة للغاية من التصعيد الأميركي الإيراني. وأشارت إلى استعداد موسكو للتوسط بين الطرفين، مشيرة إلى لقاء جمع كلا من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأميركي مايك بومبيو قبل أيام في فنلندا، تبعه مباشرة لقاء ما بين لافروف ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في موسكو. وتوقعت حضور وزير الخارجية الأميركي بومبيو إلى سوتشي في الرابع عشر من مايو الحالي لمواصلة المفاوضات التي سيتصدرها الملف النووي الإيراني، إضافة إلى ملفات ساخنة أخرى مثل فنزويلا وسوريا. وقالت سوبونينا إن "موسكو تعي أن وساطتها الأحادية قد تكون محدودة، لكن موقفها منسجم مع المواقف الصينية والأوروبية، وهي تريد المحافظة على الاتفاقية النووية مع إيران".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووصفت سوبونينا الموقف الأميركي المتشدد من إيران الذي يطالبها بتفاوض جديد على الموضوع النووي لكن بشروط أميركية جديدة، بأنه "خاطئ"، وقالت إن "فرض مزيد من العقوبات عليها من شأنه أن  يصعّد الأزمة". وذكرت أن "روسيا ترى أن العقوبات الاقتصادية لن تؤثر على إيران بالدرجة التي تريدها واشنطن، بل على العكس، فهي ستعزز مواقف المحافظين وتضعف البراغماتيين"، وأكدت أن "أكثرية المحللين الروس يستبعدون حدوث مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران"، لكنها حذّرت من أنه "كلما زاد التصعيد، زادت مخاطر المواجهة العسكرية المباغتة نتيجة أحداث غير متوقعة".

وفي المقابل، قرأ المحللون خطاب الرئيس روحاني على أنه موجه أولاً إلى مواطنيه في الداخل الذين أنهكتهم العقوبات واستنفدت اقتصادهم (بلغت معدلات التضخم قرابة 40%). حاول أن يقول لهم إن دولتهم لن تقف مكتوفة، وأراد كذلك أن يحمي نفسه من أشد منتقديه الذين يريدون انسحاباً فورياً من الاتفاق وإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي. لكن هؤلاء المعارضين ما زالوا أقلية داخل "الجمهورية الإسلامية" التي سعت إلى الظهور بمظهر "جهاز جماعي" يضم كل الفصائل تحت إطار "المجلس الأعلى للأمن القومي"، الذي أعلن هذه الاستراتيجية صباح الأربعاء. ويعتبر كثيرون أن طهران ستكون مجبرة في النهاية على التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت الراهن تتردد حيال موعد بدء هذا المسار مع واشنطن، كما هو وضع كوريا الشمالية: قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في السنة 2020 أم بعدها؟

خيارات إيران

ويرى رياض قهوجي، مدير مؤسسة "إنيغما"، أن "الخيارات الإيرانية هي ثلاثة: إما الإذعان للمطالب الأميركية والجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكن هذه المرة بشروط أميركية جديدة. أو تجاهل كل ما يجري ومحاولة الصمود على أمل انتخاب إدارة أميركية جديدة بعد سنة ونصف من الآن، والركون إلى لعبة الانتظار، لكن طهران قد لا تستطيع أن تقوم بها الآن نظراً إلى الضغوط  المتصاعدة والعقوبات الاقتصادية الخانقة المفروضة عليها. أما الخيار الثالث، فهو المواجهة العسكرية التي ستكون بمثابة انتحار ونتيجتها الخسارة، قياساً بانعدام التوازن العسكري مع قدرات الولايات المتحدة".

وتهدد إيران بأنها قد تتراجع في غضون شهرين عن إجراءات تحويل مفاعل آراك الذري المرتبط بمحطة للمياه الثقيلة إلى منشأة سلمية (صُمم آراك سابقاً لإنتاج بلوتونيوم عالي التخصيب ويمكن استخدامه في تصنيع قنبلة ذرية). وقد صُبّ بعد "اتفاق فيينا" الإسمنت على قلب المفاعل، وساعدت الصين في تحويله إلى مفاعل أبحاث. لكن هذه الخطوة في حال حدوثها ستكون بمثابة انفصال تام عن "اتفاق فيينا"، وييقى التهديد الأخطر احتمال توقف طهران اعتباراً من الثامن من يوليو (تموز) المقبل عن التزام القيود المفروضة على درجة تخصيب اليورانيوم، ما يفتح مرة أخرى مجالاً بطيئاً لتصنيع قنبلة ذرية.

تغيير قواعد الاشتباك

كيف يمكن أن ينعكس التصعيد الأميركي الإيراني على برامج التسلح في المنطقة؟  يقول رياض قهوجي إن الإنفاق العسكري لمنطقة الشرق الأوسط يُقدر بنحو 30 مليار دولار سنويا، متوقعاً عدم حدوث زيادة في شراء الأسلحة. وأوضح أن "التصعيد القائم اليوم هو أميركي تجاه إيران، ودول الخليج غير معنية به بشكل مباشر"، ويرى أن "الذي تغير هو أن جميع اللاعبين الدوليين كانوا يسيرون ضمن قواعد لعبة صممتها إيران عنوانها: (الحرب بالوكالة)، بحيث تعاملت مع المجتمع الدولي على أنها قوة إقليمية عظمى تمتلك ميليشيات وقوات مسلحة تابعة لها في دول عدة، وكانت تواجه بوساطتها الولايات المتحدة وحلفاءها. ومن الوكلاء (حزب الله) وميليشيات (الحشد الشعبي) في العراق وميليشيات الحوثي في اليمن وميليشيات أخرى  في سوريا". أما اليوم، فيرى قهوجي أن "إدارة دونالد ترمب وضعت قواعد اشتباك جديدة تستهدف إيران وحرسها الثوري بشكل مباشر، عبّر عنها مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي بقوله إن أي اعتداء على قوات أميركية في المنطقة سيكون الرد الأميركي موجهاً مباشرة نحو إيران، على أمل أن لا تخطئ طهران المعروفة بإتقانها سياسة (حافة الهاوية) في حساباتها هذه المرة"، مستبعداً لجوءها إلى إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي أمام التجارة الإقليمية والدولية، لأنها "ستعطي لواشنطن فرصة تشكيل تحالف دولي عسكري لمواجهتها لكون المضيق يمثل أمناً قومياً لدول العالم أجمع".

المزيد من دوليات