"القصاص" مطلب السودانيين الأول في ذكرى انتفاضتهم

تتزامن نهاية هذه الفعاليات مع احتفالات الذكرى الـ63 للاستقلال

سودانيون يحتفلون بالذكرى السنوية الأولى للاحتجاجات التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير (أ.ب)

لا صوت يعلو فوق صوت "القصاص"، هكذا كان دوي أصوات آلاف السودانيين الذين خرجوا الخميس 19 ديسمبر (كانون الأول) إلى الشوارع والميادين العامة في العاصمة الخرطوم ومدن البلاد المختلفة، منادين بإنزال عقوبة الإعدام بحق قتلة المتظاهرين من خلال ترديدهم شعار "الشعب يريد القصاص للشهداء"، تضامناً مع أسر الضحايا، في الذكرى الأولى للانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير في 11 أبريل (نيسان) بعد حكم استمر لمدة 30 عاماً.

وسيّر آلاف المتظاهرين مواكب هادرة رافعين شعارات تطالب بالقصاص لقتلى التظاهرات الذين بلغ عددهم قرابة الـ 500 قتيل، فضلاً عن المطالبة بمحاسبة كل من ارتكب جريمة وأي انتهاكات ضد الشعب السوداني منذ اعتلت حكومة البشير حكم البلاد بانقلاب عسكري عام 1989. ونُظّمت في العاصمة المثلثة (الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري) مسيرات ضخمة انطلقت من مناطق عدة حتى وصلت إلى النيابة العامة، ثم ساحة الحرية في الخرطوم المقر الرئيسي للاحتفال الذي تضمن فعاليات مختلفة تشمل عروضاً للفرق الشعبية وأناشيد وطنية وفعاليات شعرية وخطباً سياسية للقوى المجتمعية وممثلي مجلسي السيادة والوزراء و"قوى الحرية والتغيير".

في حين توافد مئات المتظاهرين إلى مدينة عطبرة في شمال السودان التي تعد مهد الانتفاضة، على متن قطار من الخرطوم للمشاركة في احتفالات المدينة التي شهدت أولى الاحتجاجات في ديسمبر 2018، عقب إعلان السلطات حينها زيادة أسعار الخبز.

مبادئ الحراك

وتأتي هذه الذكرى بالتزامن مع مرور 63 عاماً على إعلان استقلال السودان، وهو ما دفع الحكومة لمواصلة الاحتفالات حتى بلوغ ذكرى الاستقلال في الأول من يناير (كانون الثاني) 1956، مشيرة في بيان لها إلى مواصلة العمل من أجل إنفاذ مبادئ الانتفاضة وشعاراتها (حرية وسلام وعدالة)، ووجهت المؤسسات والدواوين الحكومية والرسمية في العاصمة والولايات، بتوفير المتطلبات اللازمة لإحياء الذكرى الأولى لانطلاق الحراك.

وأوضح رئيس مجلس الوزراء المفوض عمر منيس، أن حكومة الحراك تستأذن شعبها لإعلان انطلاق فعاليات إحياء الذكرى الأولى لمسيرات ديسمبر السلمية مع بزوغ شمس اليوم الأول من الشهر حتى خواتيمه، كي تتزامن نهاية هذه الفعاليات مع احتفالات الذكرى الـ63 للاستقلال. وتابع "تمر علينا الذكرى الأولى ونحن نشد الخطى باتجاه شواطئ الديمقراطية، وأيادينا تمتد لحمل شعلة الخلاص وفي قلبها مرجل التغيير، وعلى حوافها تمتد ألسنة من لهب الانتفاضة لتضيء أرض بلادنا الأليفة، والجلال للوطن وللضحايا آلاف التحيات".

وأضاف "ولما جاء السلام كأولوية في برنامج الفترة الانتقالية، ولما للسلام من خصوصية في هذه الفترة من فترات السلطة الانتقالية، والشعور المشترك لدى أطراف عملية السلام كافة على ضرورة إنجاز سلام شامل، ولأهمية أن تشارك كل فئات الشعب السوداني بأطيافه ومناطقه كافة في إحياء ذكرى الانتفاضة الأولى بعد أن حققوها معاً كحزمة واحدة استكفاء للمهازل".

إزالة التمكين

وفي سياق متصل باحتفالات الذكرى الأولى، أشار الناطق باسم مجلس السيادة الانتقالي محمد الفكي سليمان إلى أنّهم شرعوا في خطواتٍ أولى بملف إزالة التمكين وتفكيك دولة الحزب الواحد لصالح الوطن، لافتاً إلى أن ذلك يعد أحد أبرز مطالب الحرك التي تمثّلت في الحرية والسلام والعدالة.

وأضاف "أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الحالية الوضع الاقتصادي الذي يتطلّب العمل فيه استنفار واستنهاض جهود الدولة وتعبئة مواردها كافة للاستفادة من كل مورد في الدخل القومي، منوهاً إلى أن هذا التأكيد يحتاج لعملٍ كبير، لاسيما أن المشاريع الزراعية انهارت، وتوقّف الإنتاج فيها".

ولفت الفكي إلى أنّهم يضعون في الأولويات إيقاف الثقوب السوداء التي كانت تتسرّب منها موارد الدولة عبر الفساد. ومضى "عندما تُغلق تماماً ستظهر النتائج، فنحن متفائلون وسنحرس هذا التقدّم عبر الوصول للسلام العادل ومحاربة الفساد، وقد وضعنا أقدامنا على أول الطريق".

أعظم حدث

وفي المقابل، وصف وزير الصناعة والتجارة مدني عباس مدني، وهو أحد قادة الحراك وعضو تجمع المهنيين السودانيين، انتفاضة ديسمبر، بأنّها أعظم حدث سياسي قام به الشعب السوداني منذ الاستقلال، مبيناً أن الثورة مضت بإيقاع منتظم لفترةٍ طويلة مقارنة بالتحركات السابقة. وأوضح "هذا الأمر أنتج وعياً عميقاً أعقب بداية الاعتصام في القيادة العامة للجيش، وما تجرى بثهُ من وعي يكفي لبناء الدولة السودانية".

مشاركة واسعة

وبإجماع كثير من السودانيين، خصوصاً من عايش تحركات أكتوبر 1964 وأبريل 1985 اللتين أسقطتا الرئيسين السابقين إبراهيم عبود وجعفر نميري، فإن حراك ديسمبر الذي بدأ باحتجاجات محدودة تطالب بتوفير الخبز، قبل أن يتوسع ليعم أنحاء السودان، وليطالب برحيل النظام، كان عملاً غير مسبوق في تاريخ البلاد، لأسباب عدة أبرزها التزامها بالسلمية، والمشاركة الواسعة واللافتة للشباب والنساء، وشموليتها مناطق السودان كافة. وما ميّز تلك الثورة أنها أطلقت حراكاً سياسياً واسعاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، مع ارتفاع مطالب المحتجين إلى إسقاط نظام البشير.

وبدأت الشرارة الأولى يوم 19 ديسمبر في مدينة عطبرة في ولاية نهر النيل شمال البلاد، منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية، ومطالبة بتوفير الخبز والوقود، لتتسع الاحتجاجات في اليوم الثاني لتشمل مدن دنقلا وكريمة والدامر وبربر شمالاً، وبورتسودان والقضارف شرقاً. وشهدت التظاهرات حرق مقار الحزب الحاكم ومبانٍ للإدارة المحلية، وهو ما دفع السلطات المحلية إلى فرض حالة الطوارئ وإعلان سقوط ثمانية قتلى بولايتي القضارف ونهر النيل. بينما شكل يوم 25 ديسمبر علامة فارقة في الانتفاضة الشعبية، بوصولها إلى العاصمة الخرطوم التي تسلمت زمام الحراك حتى سقوط البشير في 11 أبريل.

فترة انتقالية

وبعد سقوط البشير توافق السودانيون على شراكة مدنية عسكرية بين المجلس العسكري الانتقالي و"قوى الحرية والتغيير" بموجب الوثيقة الدستورية التي جرى التوقيع عليها في 17 أغسطس (آب)، وعلى ضوئها شُكّل مجلس سيادي من العسكريين والمدنيين، ومجلس وزراء لقيادة المرحلة الانتقالية التي بدأت في 21 أغسطس، وتستمر 39 شهراً تنتهي بتنظيم انتخابات عامة بمشاركة القوى السياسية كافة في البلاد.

ويأمل السودانيون أن تسهم المرحلة الانتقالية الراهنة في إحلال السلام بأرجاء بلدهم، وتحسين أحوالهم الاقتصادية والمعيشية بعد أن عزلت قيادة الجيش الرئيس السابق عمر البشير من الرئاسة (1989 ـ 2019)، تحت وطأة احتجاجات شعبية منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية.

المزيد من العالم العربي