Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمد أحفاد "سيبويه" العجم ألسنة العرب بالحياة؟

يرتبط حضور الفصحى بالظهور الرسمي في المحافل العامة وفصول الدراسة لكنها لا تجد لها مكانا في الفضاء العام

 تدرّس اللغة العربية بشكل رسمي وغير رسمي في الدول الإسلامية (غيتي)

يتخذ العرب من لهجاتهم المحكية لغة التواصل اليومية، فيما يركنون اللغة الفصحى لمناسبات رسمية. ازدواجية جعلت الهوة أكبر بين المحكي والفصيح في ظل توجه العرب لاكتساب لغات أخرى، الأمر الذي أدى إلى تراجع استخدامها بين أبنائها فيما يبحث عن التضلّع فيها أحفاد "سيبويه" من غير العرب والمتشبثين بها لأسباب شتى.

ويرى مركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية أن خطورة اللغات المحكية تزايدت في الوقت الحاضر لأن هناك من يستخدمها في الكتابة وخاصة في وسائل التقنية، بينما اللهجات العامية تعرف قديما باللغة المحكيّة وكانت شفوية لذلك كانت خطورتها قليلة.

وتطرح ازدواجية التعليم بالفصحى وسيطرة اللهجات المحكية على الفضاء العام معضلة كبرى أمام الدارسين للغة العربية من غير أهلها حتى في بلد مثل السعودية منشأ العرب الأول وشعراء المعلقات. ويروي الأمريكي "أندريه جورج" القادم للتدريس بمعهد للغة الإنجليزية كيف واجه معضلة اعتبرها كبيرة أثناء مكثه في مكة المكرمة طوال عامين لإتقان العربية، مبينا أن أكثر ما واجهه الدرس باللغة الفصحى في الفصول ثم الخروج إلى السوق ليفاجأ بمفردات أخرى متداولة غير تلك التي درسها.

ويذكر جورج أنه واجه صعوبة بالغة حين ذهب للسوق مرة ووجد البائع يسأله بدلا عن ماذا تريد؟، بقوله "وش تبغى" هذا عدا مفردات كثيرة تتسيد الفضاء العام ولا تتصل بالاستخدام الفصيح، ما جعله يلجأ لقضاء الساعات مستمعا للراديو حيث اللغة التي يدرسها ويتدرج في تعلمها.

رصد المسافة بين العامية والفصحى

ويَعُدّ مركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية الاختلاف بين العربية الفصحى ولهجات العرب العامية، أحد أكبر الاختلافات بين أي لغة رسمية ورديفتها الشعبية، فهو يوثق أن جميع الشعوب لديها لغة فصيحة رسمية للتواصل الرسمي والتعليم، ولهجات عامية يتواصل بها الناس في حياتهم اليومية، معيدا علاقة اللهجات بالفصحى إلى نزول القرآن الكريم على عدة أحرف، وما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أحاديث بلهجات غير القرشية، منها الفصيح والعامي.

وعرض المركز ضمن إصداراته "100 سؤال عن اللغة العربية" للفرق بين اللغة العربية واللهجات المتعددة فيرى أن اللغة العربية تشمل كل أنظمة التواصل التي يستخدمها الناطقون بها، سواء كانت فصيحة أو دارجة، وأن العربية المستخدمة في مناشط الحياة تختلف عن الفصحى القديمة والحديثة في بعض وظائفها وخصائصها الشكلية كظاهرة الإعراب كما أن بعض الألفاظ التي نجدها في الفصحى لا توجد في العامية.

ويعزو المركز إلى التباعد اللغوي بين الفصيح والعامي نشأة ما يعرف بالازدواج اللغوي والذي يعني وجود مستويين لغويين يوصف أولها بالأعلى وثانيها بالأدنى، ويختص الأول بمناشط الأداء الرسمي كما في الخطب والمحاضرات والدروس والشعائر الدينية وفي البيانات والقرارات الرسمية والمكاتبات والاتفاقيات القانونية، في حين يختص الثاني بمواقف التواصل غير الرسمية كما في التفاعلات اليومية في المنزل والشارع والأماكن العامة.

وتتجاوز معضلة الفصحى الجمهور العام الذي لا يحسنها غالباً، إلى "النخب" بعد ذيوع شبكات التواصل الاجتماعية مثل "فيس بوك، وتويتر، وواتساب"، وهي التي غدت الكتابة فيها بالعاميات حتى من جانب المثقفين والنخب، ضرب من أشراط الرواج وكثرة المريدين، ومسايرة النسق العام.

المروءة اللغوية

وكشفت دراسة عن جامعة الملك فيصل السعودية للباحثين فلاح الدهمشي ومحمد الشريف، عن "اتجاهات النخب العربية نحو تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في استخدامات اللغة العربية"، وكان من بين ما خلصت إليه أن 74 في المئة من النخب العربية، ترى أن وسائط التواصل الاجتماعي مكنت للهجات العامية على حساب الفصحى حتى في الكتابة التي كانت مجال الفصحى الأوسع، في وقت كانت العاميات هي المهيمنة في الأحاديث الشفوية.

ووثقوا تأييد تلك النخب أن وسائل التواصل الجديدة "أتاحت لبعض المستخدمين الكتابة بلغة مبتذلة خارجة عن الآداب والذوق العام، وأن 83 في المئة من النخب العربية لا تهتم بمراعاة قواعد اللغة العربية عند الكتابة على الشبكات الاجتماعية"، مثلما أن نسبة عالية منهم تفوق 70 في المئة تعتقد أن تلك الشبكات كانت عاملاً رئيساً في ظهور اللغات الهجينة. فيما اعتبرت نسبة 40 في المئة من أولئك النخب دور وسائل التواصل، مهدداً للعربية، بل ينذر بـ"طمس ونسيان العربية".

وربما استشعار هذا الخطر، هو الذي دفع الناقد السعودي عبدالله الغذامي، إلى اعتبار اللغة "موقفاً ثقافياً ينم عن ذوق الكاتب وحصافة تفكيره"، وتبعاً لذلك فإنه يرى "تعمد العامية لمن يجيد الفصحى نقصا في المروءة الثقافية"!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحضور الرسمي

تعد اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية الست المعتمدة لدى الأمم المتحدة، وحددت  يوم الـ18 من ديسمبر (كانون الأول) وهو يوم اعتمادها لغة رسمية في المنظمة الدولية الأكبر، كيوم لزيادة الوعي بتاريخها وثقافتها وتطورها.

وتشغل العربية موضع اللغة الرسمية في كل دول الوطن العربي بالإضافة إلى تشاد وإريتريا وفلسطين المحتلة، كما تدرّس بشكل رسمي وغير رسمي في الدول الإسلامية وسائر المجتمعات الإسلامية في أرجاء العالم.

ويتحدث باللغة العربية في دول المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر ومملكة البحرين وسلطنة عمان والمملكة الأردنية الهاشمية والصومال وإرتريا وتشاد والجمهورية التونسية والجمهورية الجزائرية وجمهورية جزر القمر وجمهورية جيبوتي وجمهورية السودان والجمهورية العربية السورية والجمهورية العراقية وفلسطين وأراضيها المحتلة والجمهورية اللبنانية والجمهورية الليبية وجمهورية مصر العربية ومملكة المغرب وموريتانيا والجمهورية اليمنية.

كما توجد دول غير عربية تعتمد اللغة العربية لغة رسمية فيها سواء لغة رسمية أولى أو ثانية، وهي: إرتيريا وباكستان وتشاد وجزر القمر وجيبوتي والصومال وغامبيا والسنغال ومالي.

الازدواجية اللغوية

يعود إلى الباحث واللغوي اللبناني أنيس فريحة تحديد خمسة آثار سلبية للازدواجية في اللغة العربية، والتي تبدأ من الأثر الفكري حيث يرى أن المتكلم بالفصحى يُضحي بالفكرة أحيانا من أجل استقامة التركيب كما يبذل المثقفون والمفكرون جهداً كبيرا في الشكل على حساب المعنى.

وتأتي الازدواجية في التعليم تاليا حيث يصرف العربي زمنا طويلا في تعلم لغته وذلك عائد بحسب فريحة إلى اختلاف الفصحى عن العامية، كما يزدوج العربي في تكوين الشخصية من خلال شعور الآباء أن العامية ليست لغة راقية ينشأ عليها الطفل فيتركان للمدرسة تولي تلقينه لغة غريبة عنه على حد زعمه، فينشأ الطفل كمزدوج الشخصية بين نمط محبب عندما يتحدث العامية وشخصية مصطنعة عند تحدث الفصحى، فيما تتضاعف الازدواجية مع تعلم لغة أجنبية معهما.

ويرى فريحة أثرا للغة في السلوك الإنساني ما يؤدي بالعربي إلى الجوء للعامية في الشتائم والساقط من الكلام فيما يجعل الفصحى مخصصة للمواقف الرسمية، كما يذهب إلى أن الازدواجية في الفنون الجميلة وخصوصا المسرح يعود إلى التناقض بين العامية والفصحى في مجال التعبير عن الشؤون الحياتية والأمور العادية.

أثر الاستلاب الحضاري

ويعيد الباحثان إيمان ريمان وعلي درويش تأثر اللغة العربية بظاهرة الاستلاب الحضاري سلبا، والتي أبعدتها إلى مقامات التواصل العادي سواء أكان ذلك على مستوى العامية أم الفصيحة التي راحت في بعض المجالات لاسيما في عصر العولمة والفضائيات بالانحسار والاقتصار على الأخبار والشؤون السياسية.

وتناول الباحثان في كتابهما "بين العامية والفصيح" مسألة الازدواجية في اللغة العربية في زمن العولمة والإعلام الفضائي، مشيرين إلى أنه بينما يستمر الأخصائيون العرب باستخدام اللغات الأجنبية نظرا لأن نشاطاتهم المتخصصة نشاطات استيعابية تحاكي وتقلد ولا تبدع أو تسهم في التقدم العلمي، فإن مجمل المعلومات العلمية والتقنية مستورد من الخارج وليس مستنبطا في اللغة العربية لدى أولئك المتخصصين.

وعن أثر نقل المعلومات إلى العربية يوضح الباحثان أن العملية تركت أثرها في اللغة العربية ومصطلحاتها الحديثة، فحددت اللغات المنقول منها أنماطها الفكرية وأساليبها الإنشائية في اللغة العربية، وقد نقلت تعابير واصطلاحات بغير وعي من اللغتين الفرنسية والانجليزية جانبا كبيراً من الحصيلة اللغوية للغة العربية المعاصرة بالإضافة إلى تعابير ومفردات دخلت للعربية عبر الاحتكاك بالتركية والفارسية والإيطالية، فيما أدى غياب الإطار الحاضن الملتزم باللغة رغم الجهود الجبارة التي بذلت في النصف الأخير من القرن العشرين إلى إضعاف مكانة اللغة العربية وسبل تعزيزها.

أحفاد سيبويه يقبلون عليها

تستقطب أكثر من 22 منظمة وجامعة ومؤسسة عبر برامجها للمنح الراغبين في دراسة اللغة العربية من غير الناطقين بها، ومن أبرزها الإيسسكو في المغرب والجامعات السعودية وفروعها في اندونيسيا واليابان وجيبوتي، بالإضافة إلى كليات في الإمارات والشارقة وجامعة الأزهر بالقاهرة وغيرها، ناهيك عن برامج العربية في الجامعات الغربية والآسيوية.

ومع تزايد الإقبال للانضمام لتلك الكليات والمراكز يعيد للأذهان دور العلماء من ذوي الأصول غير العربية والذين خدموا العربية ومن أبرزهم سيبويه في أواخر القرن الثامن الميلادي، بعد أن تتلمذ على الخليل بن أحمد الفراهيدي.

وتنتظم سيرة العلماء المؤثرين في تاريخ العربية من غير العرب أمثال ابن فارس الذي ترك خلفه كتاب "المجمل"، وابن جني مؤلف "الخصائص"، والجوهري صاحب "الصحاح في اللغة"، وابن سيده في أعماله "المخصص" و"المحكم"، والزمخشري وأشهر أعماله "الكشّاف" في تفسير القرآن، وكذلك الفيروز آبادي صاحب "القاموس المحيط".

وفي العصر الحديث تبرز أسماء من العلماء كالشيخ أبي الحسن الندوي من الهند، والشيخ نور محمد حقّاني مؤلف "القاعدة النورانية"، والشيخ محمد البوغوري من ماليزيا، وغيرهم، بينما أصبح للاهتمام بالعرب من جانب بعض السياسيين غير العرب مآرب أخرى ممن يحاولون التأثير على الجمهور العربي أمثال المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس التركي رجب طيب أوردغان.

اللغة تتحضر للذكاء الاصطناعي

ويسعى مجال معالجة اللغات الطبيعية إلى توجيه الآلة نحو فهم اللغة الطبيعية عبر مستوياتها المتعددة ومعالجة وحداتها وخلق بيئة تفاعلية قادرة على تحقيق التواصل بين الإنسان والآلة، وتعد اللغة العربية إحدى اللغات الطبيعية التي تحظى بعناية الباحثين في الذكاء الاصطناعي، كونها واحدة من أكثر اللغات انتشارا حيث تأتي في المرتبة الرابعة بالنظر إلى عدد مستخدميها بعد الصينية والأردية الهندية والإنجليزية.

ويوضح الدكتور نعيم محمد عبدالغني أن اللغة العربية تمتاز بخصائص فريدة تساعدها على برمجتها آليا بشكل يندر وجوده في لغات أخرى، فالانتظام الصوتي والعلاقة الوثيقة بين طريقة كتابتها ونطقها يدل على قابليتها للمعالجة الآلية عموما، مشيرا إلى أن العربية توصف بأنها لغة جبرية لشدة انتظام كثير من خصائصها الصوتية والصرفية والإعرابية، ما يؤكد قابليتها للاختزال في البرمجة الآلية من خلال معادلات رياضية.

ويتوصل ضمن بحثه إلى أن العقود الثلاثة الماضية شهدت محاولات جادة لجعل الحاسوب محاكيا للعقل البشري من خلال العمل على مستويات اللغة العربية كإطار منهجي، وتخللت المحاولات توظيف الجهود الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية، فيما تفاوتت نسبة نجاحها حسب طبيعة كل مستوى، فحققت نتائج مرضية على مستوى الصوت والصرف، بينما على مستوى التركيب والدلالة كانت النتائج غير مرضية.

المزيد من ثقافة