Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لغتنا بين أجيال الحداثة و"عقلة إصبع"

مدارس عِدة تدرّس المفردات بطريقة الحفظ الذهني من دون الاهتمام بطريقة النطق الصحيح

مجمع اللغة العربية بالقاهرة تأسس عام 1932 للحفاظ على سلامة اللغة (حسام علي. اندبندنت عربية)

تداعب اللغة العربية إبداعات الجميع، وتستنفر مكامن الحب ومعها عوامل الدعابة وتؤجج روح الوطنية حيناً والتململ حيناً والهوية دائماً، تستفز أحوالها مخاوف المتدينين، وتستوجب أهميتها اتفاقات وتواؤمات بين المختلفين والمتنازعين على طول الخط. وفي يومها العالمي، يتذكرها الجميع، بين باكٍ على أطلال عصرها الذهبي وعزها اللغوي، ومُعانٍ من قواعد تعلمها المدرسي الجامدة المتحجرة المعاندة للتغيير والتطوير، ومُصِرّ على الإبقاء عليها في المدارس في قوالب مخاصمة للتطوير، حيث أكل على بعضها الزمان وشرب على بعضها الآخر، وقلة قليلة مدركة لحجم الهوة بين المأمول في تعلم العربية وحبها والنهوض بأركانها من جهة، وبين تدريسها وتلقينها بأسلوب لا يليق إلا بالعصور الحجرية والاستخدامات غير العملية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نظرياً، تدرس الغالبية المطلقة من الطلاب والطالبات الملتحقين بالمدارس اللغة العربية طيلة سنواتهم المدرسية، وهو ما يعني، نظرياً أيضاً إتقانهم، أو في الأقل إلمامهم باللغة بعد 12 سنة من دراستها. وواقعياً، الدراسة لا تعني الإلمام باللغة وقواعدها، وبالطبع لا علاقة ضرورية بينها وبين الإتقان.

إتقان "التسميع"

مدام "سهير" تفاخر بأن "كريم"، ابنها الطالب في الصف السادس الابتدائي، يتقن "تسميع" قوائم المفردات والأضداد في كتاب اللغة العربية، وكلما أتى ضيف تفاخرت أمامه باستدعاء الصغير و"تسميع" قوائم لا نهائية من المعاني الواردة في الكتاب، وحين سأله أحد الأقارب ذات مرة عن المقصود بكلمة "بهاء" التي رد بها مصيباً إنها مرادف "رونق" والمقصود بهذه أو تلك، رد الصغير ببراءة "لا أعرف هذه أو تلك".

وتلك هي أبرز مشكلات اللغة العربية التي يفتح محبوها ملفات معاناتها العديدة في مثل هذا اليوم من كل عام، وفي الأوراق المنشورة في "المؤتمر الدولي الأول للغة العربية وأدبها" جاء أن العديد من المدارس تدرّس المفردات العربية بطريقة الحفظ الذهني، بحيث يطلب المعلم من الطلاب حفظ المفردات كلمة بعد كلمة مع ترجمتها من القواميس، من دون اهتمام بطريقة النطق الصحيح وقدرة الطلاب على استخدام الكلمة المناسبة في المكان المناسب، محذرين من أن هذه الطريقة قد تتسبب في الملل والجمود في تدريس اللغة.

 

 

طرق التدريس

وقد كان! عقود طويلة ظلت طرق التدريس كما هي، وأدوات قياس إلمام الطلاب بقواعد اللغة وقدرتهم على توظيفها ظلت حبيسة أزمنة جيولوجية غابرة، وحتى المناهج، وهي الأوفر حظاً في التحديث والتغيير، ظلت تحديثاتها مكبلة الأيادي وتغيراتها محددة سلفاً بحسب قواعد عتيقة لا تعترف بالحداثة، ولا تقيم وزناً لحتمية تطور اللغة مع تطور المجتمع.

الكم بديلاً للكيف

"المجتمع الذي بات متصلاً من أقصى يمين الكوكب إلى يساره عبر لوحة مفاتيح الكمبيوتر والمحمول، لا سيما عبر شبابه وصغاره، ما زال يقيس تعلم اللغة العربية في المدارس عبر ميزان الكم وليس الكيف، ولم يتبقَ أمامنا سوى أن نزن الطالب قبل وبعد حصة اللغة العربية في المدرسة لنعرف عدد الكيلوغرامات، أما ماهية هذه الكيلوغرامات وقيمتها وطريقة الاستفادة بها، فلم يسمع عنها أحد"، معلم اللغة العربية في المرحلتين الإعدادية والثانوية في إحدى أكبر مدارس القاهرة الدولية، محمد قرين، يقول إن "مناهج اللغة العربية أصبحت تعنى بالكم على حساب الكيف، وحتى نحو ثلاثة عقود مضت كانت المناهج أقل من حيث الكم وأوفر وأكثر ثراءً من حيث النوعية وإفادة الطلاب واستخداماتهم المستقبلية للغة".

ويستطرد قرين شارحاً أن "الكم الأقل من المعلومات قبل سنوات مضت كان يتيح للطلاب قراءات خارج المنهج، وهو ما كان يثري معلوماتهم ويقوي مستواهم اللغوي، وليس هناك أبلغ من تشبيه ذكره لي أحد كبار المعلمين من جيل الأجداد ألا وهو أن المناهج الحالية تتعامل مع الطالب بمنطق الشوال (الجوال)، حيث يتم تعبئته بأكبر كمية ممكنة، ثم يجرى تفريغ المحتوى على ورق الامتحان ليخرج الطالب من لجنة الامتحان يا مولاي كما خلقتني"، ويقول قرين إن "ميزات الكم الأقل من المعلومات أن الطالب كان يُتاح له من الوقت ما يسمح له بقراءة ما يحب من مجلات علمية أو روايات أدبية أو غيره من دون إجبار أو امتحانات لقياس الكم".

تهميش الرأي

قياس الكم مضاف إليه إلغاء العقل وتهميش الرأي من الأمور المرتبطة في الأذهان بتدريس وتعلم اللغة العربية. مديرة الموارد البشرية في إحدى الشركات الخاصة، مها جميل، تقول إنها عشقت اللغة العربية بعد سنوات من العداء المستحكم تجاهها، وتتابع "سنوات طويلة، لا سيما في المرحلتين الإعدادية والثانوية اللتين تتشكل فيهما شخصية الطالب ويكون فيهما مدركاً تفاصيل الحياة من حوله، ظلت حصة اللغة العربية متربطة في ذهني بفرض الرأي السلطوي، ومنع حرية التعبير، وقمع أية ميول إبداعية أو ابتكارية، فموضوع التعبير كان يأتي سابق التعليب، رأس الموضوع نفسه تنطلق من افتراضية أن (مدرستنا أفضل مدرسة) أو (رحلتنا التي قمنا بها إلى الأهرام أحلى رحلة) أو (حضارتنا أعظم حضارة)، ثم يأتي دور المعلم الذي بدلاً من تشجيع إبداعات وقدرات الطلاب الفردية في الكتابة يفرض على الجميع خطاً واحداً لا ثاني له في الكتابة، وذلك عبر عناصر الموضوع، والنتيجة في النهاية موضوعات تعبير ماسخة لا طعم لها وعقول جرى وأدها ولا أمل في إعادة إحيائها".

 

 

عقلة الإصبع

وتتفق "جميل" مع معلم اللغة العربية محمد قرين في أن نوعية القصص المقررة في مادة اللغة العربية بعيدة كل البعد عن الواقع المعاش، وتنتقد "جميل" قصصاً مقررة، غالبيتها المطلقة عن شخصيات رحلت عن حياتنا قبل أن نولد، تشير إلى عظمة هذه الشخصيات، "لكن من الظلم أن ندفن الأجيال الصغيرة في كل مراحلها الدراسية مع الأموات، أليس هناك من يستحق الدراسة أو الإشارة وما زال على قيد الحياة؟!" أما قرين فيشير إلى مثال يعرفه الملايين في مصر ممن مروا أو مر أبناؤهم بالصف الخامس الابتدائي، حيث "عقلة الإصبع" و"مغامرات في أعماق البحار".

وتشير مقدمة القصة إلى أنها "قصة مزجت بين الواقع والخيال، فاستخدم فيها الخيال لتحقيق الأحداث الواقعية التي تفتح أمام التلميذ نافذة يطل منها على عالم البحار وأسراره، وما يحويه من مخلوقات وعجائب، وتشحذ فكره بمعلومات جديدة مفيدة، تسهم في توسيع مداركه".

مدارك يوستينا مجدي (12 عاماً) واسعة جداً، فهي تشاهد قناة "ناشونال جيوغرافيك" منذ كانت طفلة صغيرة، كما أنها تستخدم الشبكة الإلكترونية في كتابة ما يُطلب منها من أوراق بحثية في مواد العلوم والدارسات الاجتماعية واللغة الإنجليزية، حيث تدرس في إحدى المدارس الدولية. تقول "كدت أموت من الملل في السنة التي درسنا فيها (عقلة الإصبع)، فهي مغامرة سخيفة وطريقة مملة في سرد الأحداث ومعلومات متاحة أضعافها على قنوات ومواقع لا أول لها أو آخر، وطفل سخيف هو البطل لا يمتّ إلى الواقع بصلة".

الإبهار في الإنكار

الواقع الذي يعيشه ملايين الطلاب والطالبات ممن يدرسون اللغة العربية بالغة الثراء ليس مبهراً، بل الإبهار يكمن في إنكار وجود مشكلة من الأصل رغم معرفة غالبية أطراف تدريس اللغة وتعلمها مشكلاتها من دون تغيير يُذكر أو تحديث يُؤخذ مأخذ الجد. يقول قرين إنه كان يعاني معاناة شديدة وقت كان يدرس اللغة العربية للمرحلة الابتدائية، لا سيما فيما يتعلق بقصة (مغامرات في أعماق البحار) البعيدة كل البعد عن واقع الطلاب، رغم أن من اختاروها لتكون ضمن المقرر يعتقدون أنهم بهذا الاختيار مواكبون العصر وسباقون إلى متطلبات المستقبل، ويقول "تتجدد معاناتي اليوم مع قرب دراسة ابنتي الصغيرة لهذه القصة، وأنا على يقين من أنها ستعترض وتسخر منها وأسلوب السرد فيها"، ويضيف أن "أبرز مشكلات اللغة العربية في المدارس تكمن في اختيارات محتوى المناهج، فعلى مدى عقود طويلة وقصص مثل (واإسلاماه) و(عنترة بن شداد) تُدَّرس في المناهج، وهي قصص رائعة، لكن ألم يحن ونحن في عصر تقنية المعلومات أن ندمج زاوية حديثة في المناهج شعُر طلاب اللغة العربية أن اللغة غير منفصلة عن حياتهم؟!".

ويتابع أسئلته الاستنكارية "ألم يحن في الأقل الربط بين ما يدرسه الطلاب من التراث وطبيعة العصر ومتطلباته الذي كتب فيه؟ وبالتالي ألم يحن الوقت للاعتراف بأن طبيعة العصر الحالي ومتطلباته تحتم أن يدرس الطلاب اللغة العربية بأساليب مطابقة لعصرهم وليس عصر أجداد أجدادهم؟!".

مقارنات تظلم العربية

ويعترف قرين أن الطلاب في المدارس الدولية يقارنون بين ما يدرسونه من مواد فيها الكثير من التفاعل والاتصال بالعصر والمعلومات المكتوبة بطريقة شيقة وتشجيع البحث والإبداع، كل بطريقته ومن دون سابق إملاء، وبين اللغة العربية، حيث أسلوب التعليم طريق واحد من المعلم إلى الطلاب من دون رد فعل أو تفاعل أو مساحة للإبداع.

ومن جهة أخرى، ينتقد قرين الفصل بين فروع اللغة العربية بطريقة يبدو معها النحو مادة منفصلة تماماً عن النصوص والقراءة والبلاغة والأدب... إلخ، رغم أن اللغة العربية جسد واحد لا مجال فيه لهذا الفصل التعسفي، "هذا الانفصال يجعل الطلاب ينظرون إلى اللغة العربية باعتبارها وسيلة لتعذيبهم وليست لتعليمهم وإفادتهم، لا سيما النحو الذي تعتبره الأغلبية (البُعبُع) الأكبر، فالنحو يجب أن يكون مدمجاً في فروع اللغة العربية وليس منفصلاً عنها".

انفصال واضح بين اللغة ومتعلميها يبدو واضحاً وضوح الشمس، ويؤكد على ذلك معلم اللغة العربية، محمد جمال عبد الهادي، بقوله إن "أغلب الطلاب فاقدو الرغبة في تعلم اللغة العربية كلغة يجيدون التحدث بها وإتقان قواعدها وكتابة موضوعات سليمة بأسلوب شيق وقوي، هم ينظرون إليها باعتبارها مادة صعبة قائمة على الحفظ، وكل المطلوب منهم هو النجاح فيها وذلك بإحراز الحد الأدنى من الدرجات، ويعتبرونها غير مؤثرة في مستقبلهم، وبالتالي لا فائدة من تعلمها".

 

 

الحد الأدنى

ويشار إلى أن عدداً كبيراً من المدارس الخاصة والدولية لا تهتم بتدريس اللغة العربية، لا سيما في مراحلها التأسيسية، وهذه المدارس تكتفي بالحد الأدنى في تدريس اللغة بحجة عدم تصعيب الأمور على الأطفال، والنتيجة هي أن الطفل يكبر وهو لا يجيد كتابة اسمه باللغة العربية بشكل صحيح، ومن جهة أخرى، فإن هناك قطاعات من أولياء الأمور في المجتمع تمعن في التحدث مع أبنائها في البيت وفي الأماكن العامة بالإنجليزية أو الفرنسية وربما الألمانية لأنها "أشيك" وأرقى. يقول عبد الهادي إن "مثل هذه التصرفات وطريقة التفكير أشبه بالعدوى، حيث تنتقل إلى الأبناء بالتبعية، فيميلون إلى النظر إلى العربية باعتبارها في مرتبة أقل من الإنجليزية وغيرها من المواد الأكثر إثارة وجذباً"، ويضيف أن هناك معلمين غير قادرين على التواصل مع الطلاب، فمثلاً سؤال مثل "لماذا نتعلم اللغة العربية" أو "ما الفائدة من تعلم العربية رغم أن فرص العمل تتطلب إتقان الإنجليزية وليس العربية" أو "ما فائدة الإعراب؟" مثلاً.

ويشير عبد الهادي إلى مشكلة قلما يلتفت إليها كثيرون، ألا وهي طريقة صياغة بعض الطلاب الجُمل بشكل مطابق لقواعد اللغة الإنجليزية، ومواجهة ضعف الإملاء والتحدث السليم عند الطلاب الذين سيطر عليهم اللسان الغربي، فنجد أن الطالب يصيغ الجملة على نفس شاكلة الجملة الإنجليزية، من حيث تقديم الفاعل على الفعل أو في استخدام أدوات النفي.

تطويع المناهج

ويضم مدير قسم اللغة العربية في إحدى المدارس الخاصة، محمد طه، صوته إلى الأصوات الكثيرة المطالبة بالتحديث، ويقول "من أكبر التحديات التي تواجه تدريس العربية في المدارس تطويع المناهج المصرية بشكل يتواءم وواقع الطلاب، والمقصود بالتطويع هنا هو وضعها في قالب جديد يستطيع جذب الطلاب فيتفاعلون مع المحتوى ولا يهربون منه كما يحدث حالياً"، ويشير إلى أن الأنشطة غير الصفيّة التي ينبغي أن يقوم بها المعلم مع الطلاب يتكاسل عنها كثير من المدرسين، وهو ما يُشعر الطلاب بهامشية اللغة العربية في مقابل المواد الأخرى، وتضاؤل الإحساس بقيمة الهوية المرتبطة بشكل واضح وصريح باللغة.

والهوية واللغة ومشكلات تعليم اللغات وقوى المناهج الطاردة مشكلة لا تقف عند حدود المدراس الخاصة أو الدولية، ويعتقد البعض أن تعلم اللغة العربية مسألة تقتصر على المدارس الخاصة، وأن الأمور على ما يرام في المدارس الحكومية، حيث العربية هي سيدة الموقف، لكن هذا ليس صحيحاً، بل تزيد الأمور تعقيداً، حيث حجم أكبر من المشكلات المتعلقة بالتعليم بشكل عام وليس اللغة العربية فقط، ونقص المعلمين والإمكانات المادية وكثافة الفصول المرتفعة، مع غياب الحوافز المادية التي تجعل العمل بالتدريس مهنة مجزية.

المدارس الحكومية

نحو 45 ألف مدرسة حكومية في مصر تعاني الكثير من المشكلات المتوارثة من جيل إلى جيل، ومحاولات وزارة التربية والتعليم لسد العجز عبر تعاقدات مؤقتة لسد العجز تجبر الوزراة أحياناً على الاستعانة بأفراد ليسوا تربويين، ولا يملكون من مهارات التدريس ما تحتاجه كل المواد الدراسية، وبشكل خاص تلك المواد التي يشكو الطلاب أصلاً من صعوبتها.

وحيث إن الدروس الخصوصية قد حلت محل العملية التعليمية في العديد من المدارس، فإنه ينبغي الإشارة إلى أن اللغة العربية تأتي ضمن قائمة المواد الأكثر شيوعاً في سوق الدرس الخصوصي، وحين تنتقل المادة الدراسية، لا سيما اللغة العربية من قاعة الدرس حيث التفاعل والأنشطة والشرح وتلقي الأسئلة وطرحها وفتح باب الناقش إلى مادة مختزلة في ساعة أو اثنيتن أسبوعياً يقوم خلالها المعلم بحشو دماغ الطالب بالمعلومات، فقل على اللغة السلام.

كل شيء على ما يرام

لكن للجهات المختصة آراء أخرى ومواقف مغايرة عما يُقال عن أزمة اللغة العربية في المدارس ومحنتها في الحياة خارج أسوار المدارس، حيث تبدو الصورة وكأن كل شيء على ما يرام. مستشار اللغة العربية في وزارة التربية والتعليم، غازي البنواني، يقول إن اللغة العربية ليست مجرد إشارات ورموز يتم التواصل من خلالها بين أفراد الأمة، ولكنها تحمل في طياتها قيماً ومفاهيم هذه الأمة، ومن هذه القيم قيمة ترسيخ الهوية، ويؤكد أن الوزارة عمدت إلى أن يكون ذلك من خلال المناهج والموضوعات المقررة التي ترسخ مفهوم الهوية في المرحلة الابتدائية، وهو يوضح أن تعميق الهوية يبدأ من الأسرة حيث تقوية العلاقات الأسرية التي تجعل الطالب يشعر بقيمة حب الأب والأم واحترام إخوانه وأخواته، وأنه جزء من كيان متماسك اسمه الأسرة.  

ويشرح البنواني كيف أن "مفهوم الهوية يتسع في المرحلة الإعدادية، فيجتاز حدود الأسرة  إلى البيئة أو البلدة التي يعيش فيها الطالب، وذلك من خلال حب الناس وبخاصة الجيران والمشاركة في تنظيف الشوارع والمشاركة الإيجابية في نهضة وتنمية بلده الغالي واحترام القوانين والتعليمات والإعجاب برموز بلده والدفاع عن قيمه ومبادئه في كل مجال".

وينتقل البنواني من الهوية في الإعدادية إلى الهوية في الثانوية، حيث "حرص الوزارة على تعميق حب الوطن من خلال الدفاع عنه والعمل على رُقيه وتقدمه ونشر مفاهيم صحيحة تحمي شبابنا من التعصب أو التطرف وعدم استغلال اندفاع الشباب في كل عمل يضر الوطن، ويكون ذلك من خلال موضوعات مقررة تحرص على تعميق الهوية والمواطنة وقبول الآخر والاعتزاز بالقيم الروحية لهذا الوطن، ويشعر الطالب أن البطولة الحقيقية هي عزة الوطن وروعة الانتماء له".

ويدحض البنواني ما يُقال عن صعوبة اللغة بقوله إنه "ادّعاء مخالف للحقيقة، فسهولة اللغة وصعوبتها لهما معايير ومحاور تحسب على أساسها، فالنظام الكتابي في اللغة العربية أسهل بكثير منه في اللغة الإنجليزية التي فيها حروف غير منطوقة، وأسهل من لغات مثل اليابانية والكورية وغيرها من اللغات التي يضم كل منها مئات الحروف، أما اللغة الصينية فلها نظامان كتابيان مختلفان، وبها آلاف الرموز الكتابية، في حين أن حروف العربية لا تزيد على ثمانية وعشرين حرفاً".

الأسهل والأبقى والأكثر جاذبية

ويضيف البنواني أن النظام الصرفي في اللغة العربية أسهل بكثير من غيره في اللغات الأخرى، فالأفعال فقط هي التي تصرّف في العربية، في حين أن الأفعال والضمائر تصرف في اللغات الأخرى، والنظام الإعرابي في العربية يتكون من ثلاث حالات فقط، في حين أنه أربع حالات في الألمانية، وتعتبر بنية اللغة الروسية أعقد بكثير من العربية، "ومع ذلك لا نجد أحداً يشكو من صعوبة الإنجليزية أو الألمانية أو الروسية".

ويؤكد أن اللغة العربية مستمرة عبر العصور، ويمكن للقارئ المعاصر قراءة النصوص العربية القديمة وفهمها، رغم بعد الزمن، في حين أن القارئ الإنجليزي المعاصر قد لا يفهم لغة شكسبير الأصلية رغم قرب الزمن.

ويرى البنواني أن الوزارة وضعت مناهج جاذبة خاصة باللغة العربية، وذلك من خلال الاعتماد على النحو الوظيفي والتقليل من التقديرات الإعرابية قدر الإمكان، واختيار النصوص والموضوعات المرتبطة بحياة الطلاب المعاصرة لتقريب المنهج إليهم، والاهتمام بتنمية مهارات معلمي اللغة العربية، حتى يتمكنوا من شرح الدروس بطريقة سهلة وصحيحة"، ويعود إلى "مدعي" صعوبة اللغة العربية، ويقول إن ذلك ربما يكون بسبب تدريس المادة بطريقة صحيحة، وبخاصة فرع النحو كطريق لتطبيق قواعد اللغة بطريقة صحيحة وسليمة.

أولياء الأمور والمجتمع والشارع

ويتطرق البنواني إلى أولياء الأمور الذين ربما يقفون وراء توجه الكثيرين من الطلاب للاهتمام باللغات الأجنبية على حساب العربية، فيقول إن "تعليم اللغات مهم للغاية، لكن ليس معقولاً أن نركن ونولي هذا العامل دوراً أساسياً في عدم إتقان اللغة العربية وصعوبة تعلمها، فقد كان قديماً أرباب العربية بطلاقتها وفصاحتها يجيدون أكثر من لغة وبطلاقة اللغة الأم".

ويلقي بجانب من اللوم على المجتمع والشارع المصري بصفة خاصة، والعربي بصفة عامة، باعتبارها عوامل أثرت تأثيراً كبيراً في تصعيب اللغة، "فاللهجات لها بالغ الأثر إن لم تكن عربية فصيحة، والأهم دور المعلم داخل الصف، فكيف نطالب المتعلم بتعلم العربية الفصحى والمعلم لا يجيد تحدث العربية، ولا أعنى معلم اللغة العربية فحسب، بل سائر معلمي التربية والتعليم، لذا يجب تأهيل وتدريب المعلم من خلال دورات على إجادة تحدث العربية الفصحى".

وبإيجاز شديد وبسرعة بالغة، يشير البنواني إلى أنه ربما تكون مناهج اللغة العربية في حاجة إلى بعض التنقيح للربط بينها وبين الواقع البيئي والحياتي، معاوداً التأكيد على جودة المناهج الحالية مرجحاً أن تكون الأفضل.

وبينما الطلاب يعانون، والمعلمون يشكون، والمسؤولون يتغزلون في قدرات المناهج الفذة ومحتوياتها المتفردة، والمصلحون يبحثون عن حلول تنقذ ما يمكن إنقاذه من اللغة في يومها العالمي، يمضي الجميع قدماً كل في طريق.

المزيد من ثقافة