Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دولة جنوب السودان... جدوى العقوبات

يسيطّر مزاج القتال في هذه البلاد الحديثة منذ نشوب حربها في خمسينيات القرن الماضي

تاريخ جنوب السودان ذاخرٌ بثقافة العنف والعنف المضاد كنتيجةٍ حتميةٍ لسنوات الحرب الأهلية الطويلة (أ.ف.ب)

لم تكن الولايات المتحدة بحاجة إلى ثماني سنوات، هي عمر انفصال جنوب السودان، حتى تقرّر بشأن العنف المستشري في الدولة الجديدة. إذ فرضت واشنطن، الأربعاء، عقوبات على خمسة مسؤولين من جنوب السودان تقول إنَّهم مسؤولون عن مقتل اثنين من نشطاء حقوق الإنسان عام 2017، ولم يحرّكها الصراع المتأجّج منذ ديسمبر (كانون الأول) 2013، الذي بدأ بحربٍ أهلية ومعارك اندلعت بين القوات الحكومية وقوات المعارضة. وإذ وجّهت حكومة دولة الجنوب بضرورة التعاون مع طلائع القوات الأممية، تهيئةً لتغييراتٍ في كيان الدولة، قد يقود ذلك إلى أن تصبح أحدث دولة في العالم تحت الوصاية الدولية. وذلك مما يشير إلى فشلها في إقامة دولةٍ منفصلةٍ عن السودان الذي نالت استقلالها عنه في استفتاءٍ شعبي في يناير (كانون الثاني) 2011، وفقاً لحق تقرير المصير الناتج من اتفاقية السلام الشامل "نيفاشا" عام 2005.

تغذية الصراع

كانت صورة التفاؤل التي تمَّ بها التوقيع على اتفاقية "نيفاشا"، والقاضية بوقف الحرب بين شمال السودان وجنوبه، زاهية للغاية مما يصعب معه تقبّل التحول الذي حدث بعد ذلك. وزاد من تعثر الخروج باتفاقية السلام إلى بر الأمان، النكوص عن تنفيذ بنود أساسية فيها وتعليقها من وقت إلى آخر وانسحاب طرف تلو الآخر من المفاوضات. أما في الجانب العسكري فكان كيل الاتهامات بدعم المعارضين في كلا الدولتين. اتهم السودان دولة الجنوب بدعم المتمردين في جنوبه الجديد، بخاصة بعد نشوب الصراعات في جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق، ودولة الجنوب اتهمت السودان بتغذية الصراع المسلح في الدولة الوليدة بدعم المتمردين هناك.

في ذلك الإطار، الذي كان ظاهره السلام وباطنه حرب مستترة في العلاقة بين البلدين، صحّ تعليق المراقبين الذين وصفوا اتفاقية السلام الشامل بأنّها لا تعدو أن تكون سوى وقف متعثّر لإطلاق النار. ولئن نالت دولة الجنوب ممثّلة في حكومة جنوب السودان المكونة في غالبيتها من الحركة الشعبية لتحرير السودان، حقها في تقرير المصير بعد نتيجة الاستفتاء، فإنَّ سيف الفساد وسوء الإدارة بقي مسلّطاً على أداء هذه الحكومة. وبالإضافة إلى تصاعد العنف الجنوبي الجنوبي الداخلي، فإنَّ هناك من له المصلحة في إذكاء هذا الصراع، الأمر الذي استدعى التدخل الخارجي بدعوى حفظ الأمن.

مزاج القتال

يبذل بعض السياسيين الجنوبيين مجهوداً خارقاً لفكِّ الارتباط بين الصورة الذهنية التي كرَّسها تاريخ الحرب الطويلة في جنوب السودان، وبين العنف المتبدي في الصراع العسكري والسياسي لدولة جنوب السودان الجديدة. وإن كان واضحاً أنَّ الحرب بين الشمال والجنوب التي استمرت نصف قرن من الزمان لها أسبابها المتمثلة في تهميش المواطن الجنوبي وأجندة أخرى، فإنَّ الصراعات الداخلية بين الجنوبيين أنفسهم تتشكل بسبب استيقاظ الهويات العرقية والدينية من حين لآخر. وبذا تواجه دولة الجنوب تحدي الاستقرار السياسي والعسكري، في دولة تعاني من الصراعات المترسخة، وهو ما يجعلها في مواجهة أنواع متعددة من العنف النابع من التوترات المحلية في إقليمٍ خَبِر الصراعات وخبرته نتيجة لانتشار التسلح وتكاثر فصائله المكونة على أساس إثني.

في الواقع، إنّ جنوب السودان يسيطّر عليه مزاج القتال منذ قيام حربه في خمسينيات القرن الماضي مروراً بكل الحكومات الوطنية. لا يفرّق قادته الحاليون ومتمردوه السابقون بين دولة ينتمون إليها وأخرى كانوا يُحسبون عليها. هذا المزاج هو السائد ويحتاج إلى معرفة ما يرسخ في عقول شعبٍ كامل في حالتي السلم والحرب، حكّاماً ومحكومين. ما زالت عقدة الانفصال تسيطر على الذهن السياسي الجنوبي. تلك العقدة التي جسّدها فرانسيس دينق في روايته "طائر الشؤم"، وتعود إلى الليلة المشؤومة التي نعقت فيها البومة، منذرةً بالكارثة الوشيكة الوقوع. وتعود الأحداث إلى الأشهر الأخيرة من الاستعمار البريطاني على السودان، حينما انسحب البريطانيون واستبدلوا بإداريين سودانيين من الشمال، مما أعاد مخاوف الجنوبيين من غزوات العرب للقبائل الأفريقية طلباً للرقيق. فنشأت الاضطرابات، مما استدعى تدخل الحاكم العام وانتقامه من الجنوبيين الذين أشعلوا نار تمرد قاد إلى حربٍ أهليةٍ شاملة بين الشمال والجنوب غذّت روح العداء العرقي والثقافي والمظالم التاريخية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إنَّ تاريخ جنوب السودان ذاخرٌ بثقافة العنف والعنف المضاد كنتيجةٍ حتميةٍ لسنوات الحرب الأهلية الطويلة، التي امتدت لحوالى أكثر من نصف قرن. وبعدما تحولت الحركة الشعبية لتحرير السودان من حركة مسلحة إلى حزب سياسي، ظهرت صعوبة التحول في أنَّ المجتمع الجنوبي نفسه أصبح تابعاً لحركاته المسلحة. فبعد انتهاء الحرب الأهلية مع شمال السودان أصبح التركيز على تحقيق التوازن في ظل العنف الداخلي الناشئ عن صراعاتٍ داخليةٍ بين حكومة الجنوب والمعارضة المسلحة. ومن الطبيعي أن يلقي هذا التاريخ بظلاله التي تؤثر تأثيراً عميقاً في مدى قدرة دولة جنوب السودان على تحقيق الاستقرار في ظل مرارات الصراعات المتكررة داخلياً.

في عام 2012، وفي ظلِّ ظروف انعدام الأمن دخلت الولايات المتحدة على الخط الأفريقي الساخن لتعلن عن إرسال فرقةٍ خاصة إلى المنطقة، مبتدئة بـ "عملية أوغندا" بالتنسيق مع الحكومة الأوغندية، للقضاء على "جيش الرب للمقاومة"، اللاعب الأساسي في نزاعات أوغندا، التي تجاوزها إلى دولة جنوب السودان. كما فرضت الولايات المتحدة عقوباتٍ محدودة على قادة دولة الجنوب لتورطهم، من جانبي الحكومة والمعارضة، في ارتكاب انتهاكاتٍ ضد حقوق الإنسان أثناء تلك المعارك، منذ 2013. وفي تلك الأثناء، التي كانت تعاني فيها الدولة من المجاعة، اشترت أسلحةً في صفقاتٍ دولية بحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية (أمنستي) حمل عنوان "من لندن إلى جوبا"، بتعاقدها مع شركتين وقَّعتا على المعاهدة الخاصة بتجارة الأسلحة، إحداهما عربية.

سرُّ الاهتمام الأميركي

وباعتبار دولة الجنوب جزءاً من المنطقة الحيوية التي تضعها أميركا نصب عينيها، فإنَّ الغايات الحقيقية وراء الاهتمام بهذا الجزء من القارة يتبدى خلفه الدور الرسالي الأميركي، الذي يتمثل في مؤازرة دولة الجنوب الجديدة بإشاعة السلام والأمن والتنمية والديمقراطية ونشر الحضارة، بعد الدور الكبير الذي لعبته في توقيع اتفاقية السلام الشامل.

الذريعة الأولى في إيلاء جنوب السودان هذه المكانة هي الحرب المفتوحة على الإرهاب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى انتقال بعض الجماعات الإرهابية بنشاطها إلى الدول الأفريقية المجاورة، مستفيدةً من ضعف نظامها الأمني. وأكثر ما يقلق أميركا في هذا الصدد هو أن تتحالف هذه المجموعات الإرهابية مع مجموعات المعارضة المحلية في دول أفريقية لتشكيل منظمات إرهابية أخرى أسوة بتنظيمي القاعدة وداعش. وما زاد من صدق توقعات أميركا هو نشاط حركات مثل جيش الرب الأنغولي، وحركة الشباب المجاهدين الصومالية، وما يمكن أن تتسبب فيه من تهديد لأمن منطقة القرن الأفريقي.

الذريعة الثانية هي حماية النِّفط، وذلك بعد تقليص عقود الشركات الصينية العاملة في مجال النفط في دولة الجنوب. وكانت الشركات الصينية تسيطر على عقود البُنى التحتية في السودان الشمالي، ثم لعبت الدور نفسه في عقود التنقيب وتصفية النفط في دولة جنوب السودان. إذن فالصين هي أكبر من وجود اقتصادي فحسب ولكنها صنعت لنفسها نفوذاً كبيراً مستفيدة من تعطل دعم المؤسسات الدولية، وبذا لا يستطيع أحد دحرها إلِّا بخطط تأمين الوجود وفرض الهيمنة.

هناك أيضاً اتجاه شعبي أميركي معارض لدخول الجيش في مواجهات عسكرية أخرى، في ظل تشجيعه ودعمه للخروج من العراق وأفغانستان. لذا، فقد قام الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما باستبدال مصطلح "القوة العسكرية" بمصطلح "فرقة"، في ما يخص القوة الموجهة لدحر قوات "جيش الرب للمقاومة"، وقد كان تأثيرها في فرض القيم الأميركية ملحوظاً، بخاصة أنَّها نشطت تحت مهمة توفير المعلومات والمشورة والمساعدة لقوات البلدان المعنية من دون المشاركة أو الاشتباك مع قوات "جيش الرب للمقاومة"، إلا عند الضرورة أو الدفاع عن النفس.

في جنوب السودان الكثير مما يلفت الأنظار ويحتاج إلى خلق تسوية سياسية جديدة، يمكنها أن تحقّق استقراراً سياسياً وأمنياً للدولة التي قضت عمرها في النزاعات منذ أن كانت إقليماً تابعاً إلى أن صارت دولة. فظهور عدد من الحركات الجديدة التي تحمل السلاح ضد الحكومة، وملاحقة الحكومة للمعارضين لن تعالجهما العقوبات وإنّما ستضع المستقبل في أحد هذين الاحتمالين: تقسيم الدولة إلى دويلات عديدة أو انهيارها إلى لا شيء، بعد أن قُتل من قُتل ونزح من نزح.

المزيد من تحلیل