ملخص
أعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، في أول خطاب له أمام مؤتمر حزب العمال، قطيعة مع أربعة عقود من السياسات التي أرستها مارغريت تاتشر، غير أن ما يطرحه من استعادة لـ "السيطرة العامة" للدولة على الخدمات سيكلّف الخزينة الكثير، وبين "يسار" يطالب بالمزيد، و"يمين" يرى في الخطاب ارتداداً للسبعينيات، تبقى أسواق الدين هي الحكم الأقسى على قدرة بيرنهام في نقض الإرث التاتشري.
صعد آندي بيرنهام إلى منصة مؤتمر حزب "العمال" البريطاني في مدينة ليفربول الثلاثاء الماضي، وقبل أن يعلن أي سياسة محددة، اختصر مسار بلاده منذ الثمانينيات بخمس كلمات متتالية: تراجع الصناعة، رفع القيود، الخصخصة، التقشف، و"بريكست"، ثم عدد قطاعات قال إنها قُسّمت وبيعت: المساكن والمياه والطاقة والنقل والرعاية، ورد على شعار "استعادة السيطرة" الذي رفعه "اليمين" بأن أصحابه هم من فرطوا فيها أصلاً.
ولم يكن الهجوم على التاتشرية وليد المؤتمر، ففي الـ17 من يوليو (تموز) الماضي، يوم تسلّمه زعامة الحزب في مقر اتحاد النقابات في لندن، قال إن بريطانيا سلكت منعطفات خاطئة خلال الثمانينيات، حين جرت مركزة السلطة السياسية، وخصخصة السلطة الاقتصادية، وبلغ الأمر حد أن رأت وكالة "بلومبيرغ" أن الخصم الأكبر لبيرنهام يبدو أحياناً ليس نايجل فاراج، بل مارغريت تاتشر، الزعيمة المحافظة التي رحلت قبل 13 عاماً.
وجاء الرد الأوضح من زعيمة المعارضة، كيمي بادينوك، التي تعهدت بأن يقلب "المحافظون" الطاولة على "الأجندة الاشتراكية المدمرة" لحكومة "العمال"، وفي مؤتمر حزبها الذي انطلق في برمنغهام اليوم، عرضت خمسة مبادئ مستوحاة من عهد تاتشر، في مشهد يعيد رسم خط الفصل في السياسة البريطانية، حول إرث امرأة غادرت الحكم قبل 35 عاماً.
وحتى الآن، تعاملت الأسواق بحذر مع الجولة الجديدة من صراع "اليمين" و"اليسار" حول عهد "المرأة الحديدية"، إذ تجنبت السندات الحكومية موجة بيع جديدة، بعدما قرن بيرنهام توسيع الملكية العامة بالتزام القواعد المالية، على رغم أن خطابه الأول رئيساً للوزراء في الـ 20 من يوليو الماضي، كان قد دفع عوائد السندات الطويلة إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر مايو (أيار) الماضي.
ولفهم ما يريد بيرنهام هدمه، فلا بد من تفكيك التاتشرية إلى أعمدتها الأساس، والأول هو خصخصة المرافق، فقد بيع قطاع المياه عام 1989، ويقيد "قانون المياه" الصادر في العام نفسه حصة الحكومة في شركات المياه والصرف الصحي، بما بين واحد وثلاثة في المئة، وهذا القيد هو ما وصفه بيرنهام بـ "الحظر الأيديولوجي"، وتعهد بإلغائه عبر مشروع قانون مياه معزز تعده وزارة البيئة، يفتح رحلة من 10 أعوام نحو نظام مختلف، ويمنح رؤساء البلديات صلاحيات لمحاسبة الشركات، على رغم أن الحكومة أوضحت أن رفع السقف لا يعني نقل شركات المياه فوراً إلى الملكية العامة.
وفي الطاقة، أعلن إنشاء شركة "جي بي غريد" ذراعاً لشركة الطاقة البريطانية العامة، تستخدم رأس المال العام إضافة إلى الاستثمار الخاص، وتُنافس في مناقصات مشاريع النقل الكهربائي، على أمل أن تتساوى كلفة الطاقة مع دول الجوار خلال عقد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما العمود الثاني فهو "حق الشراء" الذي أطلقته تاتشر عام 1980، وجعل من المالك الساكن نموذجاً يشكّل اليوم قرابة ثلثي المخزون السكني، ولم يلغ بيرنهام هذا الحق، بل تعهد بإبقائه لمن يسكنون المنازل الحالية، وحذفه من المساكن الجديدة التي ستبنيها الدولة، وأضاف إليه تقليص المدة التي يجب أن يظل فيها العقار شاغراً، قبل أن تتمكن المجالس من إدارته من عامين إلى ستة أشهر، مع بقاء الملكية لصاحبه وإدارته من المجلس، مدة تصل إلى سبعة أعوام، فضلاً عن تسهيل استحواذ المجالس على المساكن المؤجرة الرديئة، إن رفض ملاكها إصلاحها.
والعمود الثالث هو المركزية وتحرير السوق على المستوى المحلي، وهنا يملك بيرنهام سجلاً لا خطاباً فقط، فبعد خصخصة قطاع الحافلات عام 1986، تراجعت رحلات الحافلات في مانشستر الكبرى من نحو 355 مليوناً إلى 182 مليونا عام 2019، فيما تضاعفت تقريباً في لندن التي لم يشملها التحرير، وحين كان بيرنهام رئيسا لبلدية مانشستر، أعاد الحافلات للسيطرة المحلية عبر "نظام الامتياز"، واكتمل ضم آخر الخطوط إلى شبكة "بي نتوورك" في الخامس من يناير (كانون الثاني) 2025، وهذه التجربة هي النموذج الذي يريد تعميمه: لا تأميم مباشراً بل سلطة عامة تحدد المسارات والأسعار، وتتعاقد مع القطاع الخاص.
ويطعن منتقدو بيرنهام في روايته من أساسها، فيرى موقع "أنهيرد" أن القول بمركزة السلطة السياسية يتجاهل أن السلطة وُزعت فعلياً عبر المملكة المتحدة خلال العقود الأخيرة، وأن جوهر اقتصاد تاتشر بقي قائماً طوال 13 عاماً من حكم "العمال" الجدد، وهي حقبة كان بيرنهام فيها نائباً ووزيراً، وتذكر مجلة "سبكتيتور" بأن "العمال" حكموا 15 عاماً من الأعوام الـ 40 التي يدينها، وأن بيرنهام نفسه جلس في الحكومة ثلاثة أعوام منها.
ويعيد معهد "آدم سميث" التذكير بالسياق الذي ورثته تاتشر، إذ عانت بريطانيا خلال السبعينيات تضخماً مرتفعاً وإضرابات متكررة، وتدخل صندوق النقد الدولي لإنقاذها عام 1976، والخصخصة، بحسب مقالة في "التلغراف"، نقلت أكثر من 40 شركة مؤممة إلى القطاع الخاص، ورفعت عدد المساهمين الأفراد من 3 ملايين إلى 11 مليونا.
ووفق موقع "أوبن ديموقراسي"، فإن تفضيل التنظيم المشدد على التأميم يبدو حلاً موقتاً لتيار "اليسار"، وليس قطيعة حقيقية مع الإجماع النيو ليبرالي، واللافت أن بعض أعمدة التاتشرية، مثل قوانين تقييد الإضرابات والتصويت الإلزامي قبلها، لم تكن في صدارة ما أعلنه بيرنهام في ليفربول، ولا يبدو أن حكومة "العمال" مهتمة بتغييرها.
غير أن الاختبار الحقيقي لأية قطيعة مع إرث تاتشر يقاس بما تتركه في جيوب البريطانيين، وهنا يقع العبء الأكبر على المتقاعدين، فقد أعلن بيرنهام أن آلية "القفل الثلاثي" التي ترفع المعاش التقاعدي الحكومي سنوياً بأعلى معدلات التضخم، أو نمو الأجور أو 2.5 في المئة، ستُستبدل بدءاً من أبريل (نيسان) 2030 بآلية ترفع المعاش بالتضخم أو 2.5 في المئة، مع زيادات إضافية حين يتجاوزهما نمو الأجور، كي يبقى عند نحو 30 في المئة من متوسط مردود الدوام الكامل، ويقول الحزب الحاكم إن التغيير سيوفر 15 مليار جنيه سنوياً بحلول نهاية الثلاثينيات، و50 ملياراً بحلول عام 2050، تذهب لبناء خدمة رعاية وطنية مجانية عند نقطة الاستخدام، على غرار "هيئة الخدمات الصحية".
"معهد الدراسات المالية" الذي رحّب بالخطوة من حيث المبدأ، قدّر أنه لو طُبقت منذ عام 2011 لكان الإنفاق السنوي على المعاشات أقل بـ 9 مليارات جنيه، فيما حذّر نائب مديره، جوناثان كريب، من أن الوفورات لن تكفي لتمويل رعاية شاملة في الدورة البرلمانية المقبلة، وفي ظل تقدير "هيلث فاونديشن" بأن كلفة النظام الجديد قد تبلغ 18.5 مليار جنيه سنوياً عام 2035، وتعهّد بيرنهام بأن يكون التمويل كاملاً وليس عبر الاقتراض، تصبح الضرائب أو خفض الإنفاق في مكان آخر شبه حتميين، وقد بادرت الأمينة العامة لنقابة "يونايت"، شارون غراهام، إلى المطالبة باللجوء إلى رافعة أخرى، مثل ضريبة على الثروة بدلاً من المساس بالقفل الثلاثي.
ولا تبدو الكلفة المالية للقطيعة مسألة نظرية، ففي يوم خطاب بيرنهام، باع مكتب إدارة الدين سندات عشرية بقيمة 4.25 مليار جنيه، بمتوسط عائد بلغ 5.38 في المئة، وهو الأعلى منذ سبتمبر عام 1999، وبحسب موقع "بروأكتيف إنفستورز"، فكل جنيه سيُقترض من أجل شراء حصص في شركات المياه، أو بناء شبكة كهرباء عامة، سيُقترض بهذا السعر.
شعبياً، يمنح الرأي العام بيرنهام حتى الآن فرصة، فقد وضع استطلاع لمؤسسة "سيرفيشن" أجري في الـ29 من سبتمبر الماضي حزب "العمال" عند 29 في المئة، في مقابل 23 في المئة لـ "ريفورم" و19 في المئة لـ "المحافظين"، فيما منحه استطلاع لمؤسسة "أوبينيوم" 30 في المئة، وهي أعلى نسبة له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وتقدماً بخمس نقاط على "ريفورم".
لكن الأستاذ في "جامعة كوين ماري" في لندن، تيم بيل، نبّه إلى أن القليل جداً من هذا التعافي يعود لانتقال ناخبي "ريفورم" نحو "العمال"، وأن الارتداد ليس بالضرورة دائماً ، وقد أظهر استطلاع أُجري قبل الخطاب أن 53 في المئة يؤيدون الإبقاء على القفل الثلاثي، في مقابل 13 يؤيدون إنهاءه.
عملياً، أمام بيرنهام خياران لتحويل خطابه إلى سياسة، الأول "السيطرة العامة المتدرجة"، أي امتلاك الأدوات القانونية لاسترداد المرافق والتلويح بها، مع إبقاء التشغيل في يد القطاع الخاص ما دام يلتزم المعايير، وهذا المسار يطمئن أسواق الدين ويحافظ على القواعد المالية، ويستنسخ نموذج حافلات مانشستر على المستوى الوطني، لكن الهوة بين خطاب "الثمانينيات الخاطئة" والإجراءات الفعلية قد تتسع، فيخسر بيرنهام قاعدة يسارية تنتظر تأميماً حقيقياً، ويمنح "المحافظين" حجة أن الثورة لم تكن سوى سرد تاريخي جديد لسياسات قديمة.
أما الخيار الثاني فهو استرداد الملكية باستخدام القانون الجديد لنقل شركات المياه المتعثرة إلى الدولة، وتوسيع حصة "جي بي غريد" في الشبكة، وهذا يطابق الخطاب ويحقق ما وعد بيرنهام أنصاره به، لكنه يكلّف تعويضات للمساهمين واقتراض بعوائد قياسية، ومواجهة مباشرة مع أسواق سبق أن اهتزت لعبارة واحدة قالها عن "المرونة" المالية، ويزيد من حساسية هذا المسار أن بيرنهام يحكم بتفويض انتخابي ورثه، إذ ترى "سبكتيتور" أنه يتعامل مع فوزه بمقعد عمالي قائم كتفويض مطلق، لعكس 40 عاما من السياسة الاقتصادية، فيما تؤكد بادينوك أن حزبها يستعد لانتخابات باكرة.
وقد يلجأ بيرنهام إلى الخيار الأول ويبقي الثاني تهديداً معلقاً، وفق ما توحي به عبارته "إن الحكومة ستدعم الشركات الخاصة التي تخدم المصلحة العامة، وستلجأ إلى استعادة السيطرة أو الملكية مع من لا يفعل"، أما الإشارة الحاسمة في شأن عمق القطيعة التي يتطلع لها بيرنهام مع إرث تاتشر، فستكون في مصير أول شركة مياه تتعثر بعد إقرار القانون الذي تعده حكومة "العمال": هل تنتقل إلى الملكية العامة، أم يُكتفى بغرامات وقيود على المكافآت؟ ثم تأتي بعدها "الخطة من أجل بريطانيا" التي وعد بنشرها قبل نهاية العام، لعرض مسار الأعوام الـ 10، وما ستكشفه عن مصادر تمويل خدمة الرعاية، لتبقى المفارقة أن بيرنهام يحتاج إلى ثقة الأسواق التي أطلقت تاتشر يدها، كي يستعيد من القطاع الخاص ما باعته "المرأة الحديدية".