هل تلبي استقالة الحكومة العراقية طموح المحتجين؟

"القوى السياسية ستبذل قصارى جهدها لمنع أي انتخابات مبكرة"

بعد وصول طلب استقالة رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي إلى البرلمان العراقي، عاد الجدل السياسي حول الكتلة النيابية الأكبر والتي تنبثق منها الحكومة المقبلة، فضلاً عن بدء التسريبات المتعلقة بالشخصيات المحتملة لمنصب رئيس الحكومة المقبل، ويرى مراقبون أن الحديث عن الكتلة الأكبر التفاف على مطالب المحتجين، وأشاروا إلى أن القوى السياسية ستبذل قصارى جهدها لمنع أي انتخابات مبكرة.

ولم يؤثر خبر الاستقالة في استمرار الاحتجاجات، والتي باتت مطالبها واضحة، إذ يستهدف المحتجون بنية النظام العراقي القائمة على المحاصصة الطائفية والحزبية، فضلاً عن بنود رئيسية تبناها المحتجون تتمثل بحل مجلس النواب، والتحضير لانتخابات مبكرة بمفوضية جديدة وقانون عادل وبإشراف أممي.

الاستقالة شرط "التفاوض"

ويرى ناشطون أن استقالة رئيس الحكومة وحدها لا تكفي، بل تعد التفافاً على المطالب، مشيرين إلى أن مطالبهم لن تتوقف عندها، واصفين الاستقالة بأنها محفز كبير لاستمرار الاحتجاجات، لحين تنفيذ كل المطالب، ويقول علي المياح، ناشط في تظاهرات بغداد، إنه "منذ اليوم الأول للاحتجاج، لم يكن مطلب إقالة رئيس الحكومة مطلباً رئيسياً، بل كان شرطاً أو مدخلاً للتفاوض على بقية المطالب"، مبيناً أن "الاحتجاج مستمر ما دامت بقية المطالب غير متحققة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أضاف لـ "اندبندنت عربية" أن "طبيعة المطالب المرفوعة، تعبر بوضوح عن طبيعة الاحتجاج ومساراته المفترضة، فالمحتجون في كل المحافظات مجمعون على ثلاثة أو أربعة مطالب كلها تحت سقف سياقات دستورية وأطر قانونية".

وعن الحديث حول المطالبات الداعية إلى إسقاط المنظومة السياسية، أشار المياح إلى أن "المقصود منها إزاحة القوى السياسية التي حكمت وتحكمت بمقدرات البلاد وعملية الإزاحة هذه مرتبطة بإجراء انتخابات مبكرة في ظل قانون انتخابات منصف ومفوضية مستقلة لضمان سير العملية الانتخابية بصورة تنهي اختلال التمثيل الحاصل منذ 2003 وإلى الآن".

حكومة تحت ضغط الشارع

ولفت المياح إلى أن "عملية اختيار الوزارة المؤقتة ستجري تحت ضغط الشارع، وما يدلل على ذلك أن الاعتصامات مستمرة بل وستتصاعد وتيرتها في الأيام المقبلة، ذلك لأن استقالة الحكومة أعطت حافزاً إضافياً للشارع لإدامة ساحات الاعتصام وتعزيز زخمها".

من جهته، قال الناشط والصحافي محمد المحمودي إن "استقالة عبد المهدي ليست كافية، ولن تعيدنا بل أنها حفزتنا على الاستمرار، حتى عودة الوطن الذي أراده الشهداء"، وأضاف لـ "اندبندنت عربية" أن "مطالبنا منذ البداية لا تتلخص باستقالة رئيس الحكومة، بل تشمل أيضاً حل البرلمان والتحضير لانتخابات مبكرة بقانون جديد ومفوضية خارج سلطة الأحزاب، بما يضمن نزاهتها وعدالتها، والقضاء على نظام المحاصصة، فضلاً عن محاسبة من تسبب بمقتل المحتجين"، ولفت إلى أن "المحتجين يراقبون ما يجري من حوارات سياسية، ولن يرضيهم التوقف عند استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة".

لا اتفاقات على بدائل

وكشف القيادي في "تحالف الفتح" عامر الفايز عن أن النقاشات بين الكتل السياسية لم تسفر عن اختيار بديل لعبد المهدي حتى الآن. وقال الفايز في تصريحات صحافية، إن "الحوارات السياسية لم تسفر حتى الآن عن اختيار شخصية بديلة لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي بعد إعلانه تقديم استقالته إلى مجلس النواب"، وأضاف "حكومة عبد المهدي ستتحول إلى حكومة تصريف أعمال إذا صوت البرلمان على قبول الاستقالة".

وأوضح الفايز أنه "بعد التصويت على قانوني الانتخابات والمفوضية، يحدد موعد لإجراء الانتخابات المبكرة وعليه يختار رئيس الجمهورية برهم صالح مرشحاً من الكتلة الأكبر"، وأشار إلى أنه "في حالة حصول تغيرات في الدستور فإن اختيار الحكومة سيكون بحسب المتغيرات التي سيسفر عنها الدستور الجديد".

تجاهل "الكتلة الأكبر"

وقال رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري إنه "منذ أسبوعين طرحت مسألة اختيار بديل لرئيس الحكومة، وهذا جزء من المحفزات التي دفعت باتجاه استقالته"، وتابع لـ "اندبندنت عربية" أن "معظم الكتل السياسية لا تريد الذهاب باتجاه تشكيل حكومة دائمة تكمل الدورة البرلمانية، وهناك شبه اتفاق على ذلك". وأوضح أن "أغلب الأطراف السياسية تريد حكومة تأخذ على عاتقها إجراء تعديل بعض القوانين التي تفتح الباب لانتخابات مبكرة"، وكشف عن أن "الخلاف الدائر بين تلك الكتل يتمحور حول المدة التي تكلف بها الحكومة المقبلة"، مبيناً أن "النقاشات السياسية تدور حول مدة بين ستة أشهر إلى سنة".

وفي ما يتعلق بالكتلة الأكبر، أشار إلى أن "التوافق بين الكتل السياسية على شكل الحكومة المقبلة قد يؤدي إلى تجاهل موضوع الكتلة النيابية الأكبر"، وختم أن "اصطفافين جديدين سيتكوّنان في الفترة المقبلة، واحد لغرض تهدئة الشارع، وآخر يشمل التيار المحافظ الذي يريد بقاء الوضع على ما هو عليه".

التفاف على مطالب المحتجين

واعتبر مراقبون أن عودة الحديث عن الكتلة الأكبر مرة أخرى من قبل القوى السياسية، محاولة التفاف على مطلب الانتخابات المبكرة، واصفين تلك القوى بأنها تعيش حالة إنكار للواقع. في المقابل، قال الكاتب والصحافي قاسم السنجري إن "الكتل تحركت نحو الالتفاف على مطلب الانتخابات المبكرة، وحركت ماكيناتها الإعلامية بهذا الشأن وروجت للحديث عن الكتلة الأكبر مجدداً وكأنها تعيش حالة من الإنكار للواقع".

وأضاف لـ "اندبندنت عربية"، "تدرك الكتل السياسية جيداً أن أي انتخابات مبكرة مستندة إلى قانون عادل، وتحت إشراف مفوضية انتخابات نزيهة، سيلقي بهذه الكتل في المقاعد الخلفية للبرلمان، بالتالي ابتعادهم من السطوة في تشكيل أي حكومة"، لافتاً إلى أن "هذه القوى السياسية ستبذل قصارى جهدها لمنع أي انتخابات مبكرة".

وفي الحديث عن الجدل الدائر حول تحديد الكتلة النيابية الأكبر، بيّن السنجري أن "الشارع العراقي تجاوز هذه المسألة، ومن جانب آخر، فإن الدستور يشترط تكليف رئيس الجمهورية لمرشح الكتلة الأكبر بعد الانتخابات وليس بعد استقالة الحكومة"، مشيراً الى "عدم وجود مسوغ قانوني للعودة الى الكتلة الأكبر، وبإمكان رئيس الجمهورية تكليف من يشاء لتشكيل حكومة مؤقتة تأخذ على عاتقها التهيئة لانتخابات مبكرة".

وتابع أن "المحتجين مستمرون لحين إنجاز كل مطالبهم، وتمثل استقالة عبد المهدي الخطوة الأولى لتفكيك منظومة معقدة من العلاقات الغريبة داخل الدولة، حيث تقف وراءه قوى سياسية وغير سياسية ودول إقليمية مستفيدة منه ومن الوضع الهجين للدولة الذي تشكل في عهده".

صلاحيات "كاملة" حتى التصويت

وأكد المتحدث باسم المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة سعد الحديثي أن الاستقالة وصلت بشكل رسمي إلى مجلس النواب، وأشار إلى أن الحكومة ستتمتع بصلاحيات كاملة لحين تصويت مجلس النواب على قبول الاستقالة، وقال الحديثي في تصريحات صحافية إن "طلب استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، تم تقديمه بشكل رسمي إلى مجلس النواب، والآن الطلب في عهدة البرلمان". أضاف الحديثي "ما لم يتخذ البرلمان أي قرار بصدد الاستقالة، فإن الحكومة ستبقى بكامل الصلاحيات، وعند اتخاذ البرلمان قراراً، فهي تتحول لحكومة تصريف أعمال يومية، وتبقى بهذا التوصيف إلى حين تشكيل حكومة جديدة، يتم التصويت عليها من قبل مجلس النواب".

وكان مجلس الوزراء قد عقد السبت 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، جلسة استثنائية لعرض موضوع استقالة الحكومة وتقديمها إلى مجلس النواب، ومناقشة ما يترتب على الحكومة من واجبات تسيير الأمور اليومية وفق الدستور، وكان عبد المهدي، أعلن، الجمعة، أنه سيقدم طلب استقالة لمجلس النواب، استجابة لدعوة المرجعية الدينية.

وكانت المرجعية الدينية في النجف، دعت مجلس النواب الذي اختار الحكومة إلى أن يعيد النظر في خياراته، وأنه مدعو إلى الإسراع في إقرار حزمة التشريعات الإصلاحية، ما أدى إلى تقديم عبد المهدي استقالته، فيما وصفه بالاستجابة إلى طلب المرجعية.

المزيد من العالم العربي