ليبيا... ما تداعيات الاتفاق العسكري بين تركيا وحكومة السرّاج؟

البرلمان يصفه بـ"الخيانة العظمى"... ومحللون يقللون من أهميته على أرض الواقع ويرونه لرفع معنويات الميليشيات

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مصافحاً رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج (رويترز)

أثار الاتفاقُ العسكريُّ الموقَّع بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية اعتراضات واسعة على المستويين الداخلي والإقليمي العربي، إذ يمثل أي جانبٍ يتعلق بالتسليح في الاتفاق "خرقاً لقرارات مجلس الأمن بفرض حظر السلاح على ليبيا"، حسبما قال المحللون.

واستبقت تركيا مؤتمراً دولياً مرتقباً حول السلام في ليبيا، بتوقيع اتفاق عسكري مع حكومة فايز السراج، معلنةً أن "الوفاق الوطني" وقَّعت "اتفاقاً عسكرياً جديداً" معها.

وتدعم أنقرة السراج في نزاعه القائم مع القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر الذي يسعى منذ شهور إلى "تطهير العاصمة" من الميليشيات.

تركيا ليست نزيهة
وقالت تركيا إن اتفاق التعاون العسكري والأمني وقِّع مساء الثلاثاء خلال لقاء في أسطنبول بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج.

وأضاف فخر الدين ألتون مدير الاتصال بالرئاسة التركية، "النصّ الجديد هو نسخة أوسع من الاتفاق الإطاري للتعاون العسكري المُبرم بين البلدين، وسيعزز العلاقات بين جيشينا".

ودعا ألتون، الأطراف الفاعلة المسؤولة الأخرى إلى "دعم حكومة السراج المُعترف بها من جانب الأمم المتحدة".

وقال المحلل السياسي الليبي إبراهيم بلقاسم، "تركيا ليست طرفاً نزيهاً، والمجلس الرئاسي يستقوى بأنقرة بعد أن عُزِل عربياً وإقليمياً".

 

وفي ظل نزاع تركيا مع دول شرق المتوسط حول ثروات الغاز الضخمة المُكتشفة حديثاً والحدود البحرية المشتركة خصوصاً مع قبرص واليونان ومصر، تضمنت زيارة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية إلى أنقرة توقيع "اتفاق بحري".

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، "اتفاق الحدود البحرية الذي أبرمته أنقرة مع ليبيا يهدف إلى حماية حقوق تركيا بموجب القانون الدولي".

وأضاف بلقاسم، في حديث خاص، "توقيع مذكرة ترسيم حدود بحرية يتيح لتركيا التنقيب عن الغاز مع المؤسسة الوطنية للنفط بالشمال الغربي لليبيا، ما سيضر بالمنتدى المتوسطي للغاز الذي شكَّلته مصر بعضوية 7 دول باستثناء تركيا".

وتابع، "تركيا وجودها في ليبيا مؤقتٌ وانتهازيٌّ ومرهونٌ بالحرب، ولا يتأتى خروجها إلا بانتهاء النزاع المسلح حول طرابلس"، مشيراً إلى أن "الكرة فعلياً في ملعب الجامعة العربية والدول الإقليمية المؤثرة، وبمجرد انتهاء الحرب ستكون تركيا خارج المشهد، لكن التصعيد في هذه الآونة سيذهب بالأمور إلى مزيدٍ من التعقيد، وقد ينتهي إلى وجود قاعدة عسكرية تركية في ليبيا، وهذا أسوأ الأحوال".

خيانة عظمى وانتهاك صارخ
من جانبه دان مجلس النواب الليبي، توقيع رئيس حكومة الوفاق الاتفاق الأمني والبحري مع تركيا، ووصفه بـ"الخيانة العظمى"، محذراً من أن الجيش الوطني "لن يقف مكتوف الأيدي أمام تآمر أردوغان مع المجلس الرئاسي والميليشيات الإرهابية".

وأعلن الجيش خلال الأسابيع الماضية ضبط شحنات أسلحة تركية في ليبيا، واستهدافه الطائرات المسيّرة والمدرعات ومخازن الأسلحة التركية، فضلاً عن اتهامه قوات (الوفاق) بالاعتماد على مقاتلين وخبراء ومستشارين عسكريين أتراك.

وأضافت لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان، "الاتفاق يمثل تهديداً حقيقياً وانتهاكاً صارخاً للأمن والسيادة الليبية، واعتداءً كاملاً على صلاحيات مجلس النواب المُنتخب من قِبل الشعب الليبي صاحب الحق الأصيل والوحيد في الإقرار والتصديق على المعاهدات والاتفاقات الدولية".

وتابعت، "الاتفاق يمكن أن يسمح لتركيا باستخدام الأجواء الليبية وكذلك البرية والدخول إلى المياه الإقليمية من دون أخذ إذن من الجانب الليبي، وكذلك إنشاء قواعد عسكرية".

ويصنّف مجلس النواب النظام التركي عدواً ومعتدياً على الشعب الليبي ووحدة ترابه، وداعماً للتنظيمات الإرهابية والميليشيات.

وطالب البرلمان مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة ولجنة العقوبات بالمجلس بالاطلاع بمسؤولياتها بشأن "هذا التصعيد الخطير".

رفع معنويات الميليشيات
وتوقَّع عز الدين عقيل رئيس حزب (الائتلاف الجمهوري) الليبي والمحلل السياسي المقرّب من المشير خليفة حفتر، أن الجيش سيرد "بشكل صاعق على هذا الإرهاب الصبياني التركي بالجبهات القتالية".

وقال عقيل، "الاتفاق مصاغٌ بطريقة مخادعة، يراد منها إرهاب الجيش ورفع معنويات الميليشيات المنهارة كلياً أكثر مما يتحدث عن اتفاقية حقيقية".

 

وأضاف المحلل السياسي، "أي تورط من جانب تركيا والسراج بالتوقيع على أي وثائق ذات صبغة عسكرية تنفيذية سيكون مجال بحثها ورفضها وإدانتها ومحاسبتهما عليها من جانب مجلس الأمن الدولي"، موضحاً "كل أشكال التعاون العسكري مع ليبيا خارج إطار موافقة لجنة العقوبات الخاصة بمراقبة حظر السلاح على ليبيا تعد باطلة ومخالفة ومتحدية قرارات الشرعية الدولية".

ويرى عضو مجلس النواب الليبي سعيد أمغيب، أن الحديث الآن عن توقيع اتفاقية تفاهم أو دفاع مشترك كما يسوّق (إعلام الإخوان)، بين حكومة فايز السراج وتركيا، "لا يحمل أي قيمة تُذكر، والهدف من ورائه رفع معنويات قواتهم التي أنهكها القتال، وتسرَّب إليها اليأس وعصفت بها خلافات داخلية وانشقاقات أصبحت تكبر يوماً بعد يوم، وأيضاً من أجل الاستجابة إلى مطالبات سخيفة سابقة من قِبل بعض قادة الإخوان المسلمين وأمراء بعض الميليشيات والمجموعات الإرهابية".

خروج عن القرارات العربية والأممية
وأضاف أمغيب، في حديثه مع "اندبندنت عربية"، "مثل هذا التصرّف غير المسؤول يعد تطاولاً على قرار الجامعة العربية ومجلس الأمن أيضاً، ولا يمكن أن يقبل به المجتمع الدولي. تركيا تعلن الحرب على الجامعة العربية والأمم المتحدة، وتتحدى بكل عنجهية قرارات مجلس الأمن الدولي".

ويخالف الاتفاق العسكري (التركي - الليبي) قرار الجامعة العربية ضد تركيا الشهر الماضي، إذ قرر مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، "خفض العلاقات الدبلوماسية، ووقف التعاون العسكري، ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياحية مع تركيا"، ردّاً على "اجتياح تركيا الشمال السوري".

وتابع النائب، "تركيا والسراج يعلمان أن ليبيا ما زالت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن، وحسب القانون الدولي الاتفاقيات الدولية لا تصبح نافذة إلا إذا صادقت عليها برلمانات الدول الموقعة، أمَّا مذكرات التفاهم فهي ذات طبيعة مؤقتة ومحدودة، ولا تشمل موضوعات الدفاع المشترك ومنح القواعد، وما إلى ذلك".

 

وقبل أسبوعين كشف تقرير سري أعدَّه خبراء من الأمم المتحدة سُلِّم إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، أن تركيا من بين دول انتهكت "مراراً" و"بشكل روتيني" حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا منذ 2011، و"حصلت الأطراف من الجانبين على الأسلحة والمعدات العسكرية والدعم الفني في انتهاك لحظر الأسلحة".

ويرى النائب الليبي الدكتور محمد العباني، الاتفاق بأنه "تجاوزٌ كبيرٌ" ارتكبه المجلس الرئاسي غير المشرعن محلياً، و"خرقٌ لكل القيم والأعراف السياسية ومبدأ السيادة الوطنية، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، والمنظمات الإقليمية كميثاق الجامعة العربية، والاتحاد الأفريقي".

وردّاً على سؤال حول إذا ما كان من حق الحكومة المُعترف بها أممياً القيام بالدفاع عن نفسها في ظل المعركة على طرابلس، قال العباني، "ما تقوم به القوات المسلحة يأتي في إطار تطهير المدن والقرى من الإرهاب والإجرام والميليشيات المسلحة، ومن ذلك تنفيذ القرار رقم (07) لسنة 2014 الصادر عن مجلس النواب، وهو السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة في البلاد، والقاضي بحل الميليشيات المسلحة ونزع سلاحها".

وأضاف، "ما يخيف ما يسمى (حكومة الوفاق) أن القوات المسلحة الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر مصممةٌ على تطهير العاصمة من الجماعات الميليشياوية المسلحة المتحالفة معها، وبالتالي ستسقط هذه الحكومة بعد تهاوي قواعدها".

نتائج عكسية متوقعة
وتقر تركيا بتسليح قوات حكومة الوفاق، إذ سبق أن أعلن الرئيس التركي توجيه الدعم العسكري إلى القوات المسيطرة على طرابلس، منذ أن شنَّ الجيش الليبي هجومه عليها في أبريل (نيسان) الماضي.

وكشف أردوغان، في يونيو (حزيران) الماضي، أن تركيا "تزوِّد حكومة الوفاق الوطني بأسلحة"، معتبراً أن هذه المعدات العسكرية سمحت لطرابلس "بإعادة التوازن" في مواجهة قوات الجيش الليبي خليفة حفتر.

وقال المحلل السياسي الليبي عبد الحكيم معتوق المتحدث باسم الحكومة سابقاً، "الإعلان عن هذا الاتفاق سيكون له نتائج عكسية، ستحفّز الجيش على أن يزحف بقوة أكبر نحو ما تبقى من جيوب تتحصّن بها حكومة الوفاق في طرابلس، وسيزيد من دعم الشارع لعمليات الجيش الوطني بعدما أعلن أردوغان أنه سيرسل مزيداً من الأسلحة إلى ليبيا بما يهدد بإطالة أمد الصراع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف، في تصريحات خاصة، "نحن الآن أمام متغير خطير يتطلب الحسم السريع، لأنه إذا تمكّن الأتراك من إرسال مزيد من السلاح أو المقاتلين فسوف تتسع رقعة المعارك، ويطول أمد الأزمة، والجيش لن يعطي أردوغان هذه الفرصة".

وفي ظل توتر العلاقات (الأميركية - التركية) على خلفية كثيرٍ من الملفات الثنائية والإقليمية، بدأت واشنطن التقارب مع رجل شرق ليبيا القوي خليفة حفتر خلال الشهور الماضية منذ إعلان البيت الأبيض اتصالاً هاتفياً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والقائد العام للجيش الليبي في أبريل (نيسان) الماضي، ليصل التعاون بين واشنطن وحفتر إلى تفاهم حول مواجهة النفوذ الروسي المتصاعد في ليبيا، وكبح التدخلات الخارجية، والعمل على المُضي قدماً باتجاه الحل السياسي، وذلك خلال اجتماع جرى هذا الأسبوع بين حفتر ووفد من الإدارة الأميركية ضم دبلوماسيين من وزارة الخارجية ونائبة مستشار الأمن القومي الأميركي فيكتوريا كوتس.

وتابع معتوق، "الولايات المتحدة أدركت دور المشير خليفة حفتر، وما زيارة الوفد الأميركي إلا دليلٌ على ذلك. الجميع أصبح يعلم أن الكلمة الأخيرة أصبحت للجيش، وهذه المذكرة الموقّعة بين أردوغان والسراج في تقديري لن تقدم ولا تؤخر"، مشيراً إلى أن استباق الاتفاق مؤتمر برلين المُرتقب حول الأزمة الليبية يمثل "محاولة من تركيا للدخول في التوازنات الأوروبية حول ليبيا".

ويثير اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين التركي والليبي قلق دول شرق المتوسط، التي دعمتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي في تأسيس منتدى "غاز شرق المتوسط" بمبادرة من القاهرة التي توترت علاقتها بأنقرة منذ سنوات.

هل يؤثر الاتفاق على "منتدى غاز شرق المتوسط"؟
وفي رد فعل فوري على إعلان تركيا عن الاتفاق البحري مع ليبيا التي لا ترتبط بها بشواطئ بحرية متقابلة، قال وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس، "أي نقاش بين الطرفين لإنشاء منطقة اقتصادية خالصة غير مقبول على الإطلاق".

وأقرَّ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، أوائل الشهر الحالي، وبالإجماع، الإطار القانوني الذي يسمح بفرض عقوبات على تركيا، نتيجة تنقيبها غير الشرعي عن الغاز في السواحل القبرصية واليونانية. 

وقال الوزير اليوناني، "إضافة إلى كل الأسباب الأخرى، هذا الاتفاق يُظهر نقصاً تاماً في المعرفة الجغرافية"، مؤكداً أن الاتفاقية "تتجاهل بوضوح شيئاً يمكن للجميع رؤيته، وهو أن بين هاتين الدولتين (ليبيا وتركيا) يقع الحجم الجغرافي الكبير لجزيرة كريت".

كما دانت مصر توقيع تركيا مع رئيس مجلس الوزراء الليبي فايز السراج على مذكرتيّ تفاهم في مجال التعاون الأمني والمناطق البحرية.

وقالت الخارجية المصرية، في بيانها، "مثل هذه المذكرات معدومة الأثر القانوني، واتفاقٌ غير شرعي، ومن ثم لا يلزم"، مؤكدة أنه "لا يؤثر على مصالح وحقوق أي أطراف ثالثة، ولا يترتب عليه أي تأثير على حقوق الدول المتشاطئة للبحر المتوسط، ولا أثر له على منظومة تعيين الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط".

المزيد من العالم العربي